الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
عَنِ الْعَوْرَاتِ، وَأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُقَال فِي الشَّرِّ (١) . أَمَّا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ فَيَكُونُ فِيهِ حَمْل مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ أَقْوَالٍ، خَيْرًا كَانَتْ أَمْ شَرًّا.
ب - التَّحَسُّسُ:
٣ - التَّحَسُّسُ أَعَمُّ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، قَال فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ: وَلاَ تَحَسَّسُوا أَيْ: لاَ تَطْلُبُوا الشَّيْءَ بِالْحَاسَّةِ، كَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ. وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي شَرْحِ النَّوَوِيِّ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَعُمْدَةِ الْقَارِي لِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - الأَْصْل تَحْرِيمُ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ عَلَى لِسَانِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال ﷺ: مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآْنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا (٣) وَلأَِنَّ الأَْسْرَارَ الشَّخْصِيَّةَ لِلنَّاسِ مُحْتَرَمَةٌ لاَ يَجُوزُ انْتِهَاكُهَا إِلاَّ بِحَقٍّ مَشْرُوعٍ.
٥ - يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا النَّهْيِ: الْحَالاَتُ الَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا التَّجَسُّسُ (الَّذِي هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ) كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ التَّجَسُّسُ أَوِ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ
_________
(١) تفسير القرطبي ١٠ / ١٠ طبع دار الكتب المصرية.
(٢) حديث: " ولا تجسسوا. . . " أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (فيض القدير ٣ / ١٢٢ المطبعة التجارية ١٣٥٦ هـ)
(٣) عون المعبود ٤ / ٤٣٢ طبع الهند، وشرح النووي بصحيح مسلم ١٦ / ١١٩ - طبع المطبعة المصرية، وفتح الباري ١٠ / ٣٩٦ طبع البهية المصرية، وعمدة القاري ٢٢ / ١٣٦ طبع المنيرية.
طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذِ نَفْسٍ مِنَ الْهَلاَكِ، كَأَنْ يُخْبِرَ ثِقَةٌ بِأَنَّ فُلاَنًا خَلاَ بِشَخْصٍ لِيَقْتُلَهُ ظُلْمًا، فَيُشْرَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّجَسُّسُ، وَمَا هُوَ أَدْنَى مِنْهُ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ (١) .
كَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: اسْتِرَاقُ وَلِيِّ الأَْمْرِ السَّمْعَ بِنِيَّةِ مَعْرِفَةِ الْخَلَل الْوَاقِعِ فِي الْمُجْتَمَعِ؛ لِيَقُومَ بِإِصْلاَحِهِ، فَيَحِل لِلْمُحْتَسِبِ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، كَمَا يَحِل لَهُ أَنْ يَنْشُرَ عُيُونَهُ؛ لِيَنْقُلُوا لَهُ أَخْبَارَ النَّاسِ وَأَحْوَال السُّوقَةِ، لِيَعْرِفَ أَلاَعِيبَهُمْ وَطُرُقَ تَحَايُلِهِمْ، فَيَضَعُ لَهُمْ مِنْ أَسَالِيبِ الْقَمْعِ مَا يَدْرَأُ ضَرَرَهُمْ عَنِ الْمُجْتَمَعِ، قَال فِي نِهَايَةِ الرُّتْبَةِ فِي طَلَبِ الْحِسْبَةِ: " وَيُلاَزِمُ الْمُحْتَسِبُ الأَْسْوَاقَ وَالدُّرُوبَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَيَتَّخِذُ لَهُ فِيهَا عُيُونًا يُوَصِّلُونَ إِلَيْهِ الأَْخْبَارَ وَأَحْوَال السُّوقَةِ (٢) ". وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَعُسُّ فِي شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لَيْلًا يَسْتَرِقُ السَّمْعَ، وَيَتَسَقَّطُ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ، وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ، وَيَرْفَعُ الظُّلْمَ عَنِ الْمَظْلُومِ، وَيَكْتَشِفُ الْخَلَل لِيُسَارِعَ إِلَى إِصْلاَحِهِ، وَقَصَصُهُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لاَ تُحْصَى (٣) .
عُقُوبَةُ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ:
٦ - إِذَا كَانَ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ فِي حَالاَتٍ - وَإِتْيَانُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ (٤) - فَإِنَّ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ فِي غَيْرِ الْحَالاَتِ الْمَسْمُوحِ بِهِ
_________
(١) عمدة القاري ٢٢ / ١٣٦
(٢) نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص ١٠ طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٣٦٥، وقريب من هذا ما جاء في معالم القربة وأحكام الحسبة ص ٢١٩ طبع دار الفنون بكيمبرج ١٩٣٧
(٣) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ٧١، والمغني ٧ / ٣٠١ طبع مكتبة الرياض، والخراج لأبي يوسف ص ١٤١
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٧٧ طبعة بولاق الأولى.
فِيهَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ التَّعْزِيرَ.
وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل أَحْكَامِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ إِلَى مُصْطَلَحِ (تَجَسُّس) . وَإِلَى بَابِ الْجِهَادِ (قَتْل الْجَاسُوسِ) وَإِلَى الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (أَحْكَامُ النَّظَرِ) .
اسْتِرْجَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِرْجَاعُ لُغَةً: مَادَّتُهَا رَجَعَ، أَيْ: انْصَرَفَ. وَاسْتَرْجَعْتُ مِنْهُ الشَّيْءَ: إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ مَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ. وَاسْتَرْجَعَ الرَّجُل عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: قَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١) .
وَيُسْتَعْمَل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَيَيْنِ:
أ - بِمَعْنَى اسْتِرْدَادٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِلْمُشْتَرِي - بَعْدَ فَسْخِهِ بِالْعَيْبِ - حَبْسُ الْمَبِيعِ إِلَى حِينِ اسْتِرْجَاعِ ثَمَنِهِ مِنَ الْبَائِعِ (٢) . وَقَوْلُهُمْ: السِّلَعُ الْمَبِيعَةُ أَوِ الْمَجْعُولَةُ ثَمَنًا إِذَا عَلِمَ بِعُيُوبِهَا مَنْ صَارَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّ لَهُ الْفَسْخَ، وَاسْتِرْجَاعَ عِوَضِهَا مِنْ قَابِضِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بَدَلَهُ إِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ (٣) . (ر: اسْتِرْدَاد) .
ب - بِمَعْنَى قَوْل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:
_________
(١) لسان العرب مادة (رجع) .
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٥٦
(٣) كشاف القناع ٣ / ٢٢٧
مَتَى يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ؟ وَمَتَى لاَ يُشْرَعُ؟ .
٢ - يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ كُل مَا يُبْتَلَى بِهِ الإِْنْسَانُ مِنْ مَصَائِبَ، عَظُمَتْ أَوْ صَغُرَتْ. وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَْمْوَال وَالأَْنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١) وَإِنَّمَا يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ كُل شَيْءٍ يُؤْذِي الإِْنْسَانَ وَيَضُرُّهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ طَفِئَ سِرَاجُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَقِيل: أَمُصِيبَةٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، كُل شَيْءٍ يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ (٢) وَقَال ﷺ: لِيَسْتَرْجِعْ أَحَدُكُمْ فِي كُل شَيْءٍ، حَتَّى فِي شِسْعِ نَعْلِهِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَصَائِبِ. (٣) وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ.
٣ - وَالْحِكْمَةُ فِي الاِسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ: الإِْقْرَارُ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْمُعَادِ، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَالتَّسْلِيمُ بِقَضَائِهِ، وَالرَّجَاءُ فِي ثَوَابِهِ (٤) . وَلِذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ: مَنِ اسْتَرْجَعَ
_________
(١) سورة البقرة / ١٥٥ - ١٥٧
(٢) حديث: " كل شيء. . . . " أخرجه عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العزاء عن عكرمة، كذا في الدر المنثور (١ / ١٥٧ - ط الميمنية) .
(٣) حديث " ليسترجع أحدكم. . . . " أخرجه ابن السني (عمل اليوم والليلة ص ٩٥ ط المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وفي سنده ضعف، ولكن له شاهد من مرسل أبي إدريس الخولاني ورجال إسناده من رواة الصحيح. (الفتوحات الربانية ٤ / ٢٨ - ط النشر الأزهرية) .
(٤) الفتاوى لابن حجر ٢ / ٢٠، والمجموع شرح المهذب ٥ / ١٢٧، والمغني ٢ / ٤٠٩، وتفسير النيسابوري بهامش الطبري ٢ / ٦٠
عِنْدَ الْمُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحْسَن عُقْبَاهُ، وَجَعَل لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرْضَاهُ (١) .
٤ - أَمَّا مَتَى لاَ يُشْرَعُ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الاِسْتِرْجَاعَ بَعْضُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الطَّاهِرِ قِرَاءَةُ أَيِّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ قَل، حَتَّى بَعْضَ آيَةٍ، وَلَوْ كَانَ يَقْرَأُ فِي كِتَابِ فِقْهٍ أَوْ غَيْرِهِ فِيهِ احْتِجَاجٌ بِآيَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا؛ لأَِنَّهُ يَقْصِدُ الْقُرْآنَ لِلاِحْتِجَاجِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَقْصِدُ الْقُرْآنَ فَلاَ بَأْسَ؛ لأَِنَّهُمْ قَالُوا: يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَنْ تَقُول عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِذَا لَمْ تَقْصِدِ الْقُرْآنَ (٢) .
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الاِسْتِرْجَاعَ يَنْطَوِي عَلَى أَمْرَيْنِ:
أ - قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَهُوَ أَنْ يَقُول عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ.
ب - عَمَلٌ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الاِسْتِسْلاَمُ وَالصَّبْرُ وَالتَّوَكُّل، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاجِبٌ (٣) .
_________
(١) حديث " من استرجع. . . " أخرجه الطبراني وقال الهيثمي في المجمع: " فيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف " (٢ / ٣٣١ - ط القدسي) .
(٢) المجموع شرح المهذب ٢ / ١٦٢، والإنصاف للمرداوي ١ / ٢٤٤، والبحر الرائق ١ / ٢١٠
(٣) تصحيح الفروع لابن سليمان المقدسي ١ / ٦٩٣، وتفسير النيسابوري ٢ / ٦١
اسْتِرْدَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِرْدَادُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الرَّدِّ، يُقَال: اسْتَرَدَّ الشَّيْءَ وَارْتَدَّهُ: طَلَبَ رَدَّهُ عَلَيْهِ (١)، وَيُقَال: وَهَبَ هِبَةً ثُمَّ ارْتَدَّهَا أَيْ: اسْتَرَدَّهَا، وَاسْتَرَدَّهُ الشَّيْءَ: سَأَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَخْرُجِ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - رَدٌّ:
٢ - الرَّدُّ: هُوَ صَرْفُ الشَّيْءِ وَرَجْعُهُ. فَالرَّدُّ قَدْ يَكُونُ أَثَرًا لِلاِسْتِرْدَادِ، وَقَدْ يَحْصُل الرَّدُّ بِلاَ اسْتِرْدَادٍ.
ب - ارْتِجَاعٌ - اسْتِرْجَاعٌ:
٣ - يُقَال رَجَعَ فِي هِبَتِهِ: إِذَا أَعَادَهَا إِلَى مِلْكِهِ، وَارْتَجَعَهَا وَاسْتَرْجَعَهَا كَذَلِكَ، وَاسْتَرْجَعْتُ مِنْهُ الشَّيْءَ: إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ مَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ.
وَيَتَبَيَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِرْدَادَ وَالاِرْتِجَاعَ وَالاِسْتِرْجَاعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا (٣) .
_________
(١) لسان العرب مادة (رد) .
(٢) منتهى الإرادات ٢ / ٤٠ ط دار الفكر، ومغني المحتاج ٢ / ٩٩ ط مصطفى الحلبي، وبدائع الصنائع ٥ / ٣٠٢ ط الجمالية.
(٣) لسان العرب والمصباح المنير مادة (رد)، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥٢٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣١٩، والمغني٥ / ٦٧٦ ط الرياض.
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):
٤ - الاِسْتِرْدَادُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، كَمَا فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، حَيْثُ يَجِبُ الْفَسْخُ، فَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً رُدَّتْ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً رُدَّتْ قِيمَتُهَا عَلَى الْبَائِعِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَرُدَّ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى خِلاَفٍ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (فَسَاد - وَبُطْلاَن) لأَِنَّ الْفَسْخَ حَقُّ الشَّرْعِ.
وَقَدْ يَحْرُمُ الاِسْتِرْدَادُ، كَمَنْ أَخْرَجَ صَدَقَةً، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِرْدَادُهَا؛ لِقَوْل عُمَرَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الثَّوَابُ وَقَدْ حَصَل (١) .
أَسْبَابُ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ:
لِلاِسْتِرْدَادِ أَسْبَابٌ مُتَنَوِّعَةٌ مِنْهَا: الاِسْتِحْقَاقُ، وَالتَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَلْزَمُ، وَفَسَادُ الْعَقْدِ. . إِلَخْ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: الاِسْتِحْقَاقُ:
٥ - الاِسْتِحْقَاقُ - بِمَعْنَاهُ الأَْعَمِّ - ظُهُورُ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وَاجِبًا لِلْغَيْرِ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَشْمَل الْغَصْبَ وَالسَّرِقَةَ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ يَثْبُتُ لَهُمَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ لِرَبِّهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ. (٢)
_________
(١) الكافي٢ / ٨٤٠، ١٠٠٨ ط الرياض، والبدائع ٥ / ٢٩٩، ٣٠٥، ٦ / ٢١٦ ط الجمالية، والقواعد لابن رجب ص ٥٣، والمقدمات الممهدات ٢ / ٢١٦، والمغني ٥ / ٦٨٤ ط الرياض، والهداية ٣ / ٢٣١ ط المكتبة الإسلامية.
(٢) حديث: " على اليد. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٠٢ ط عيسى الحلبي) والترمذي (تحفة الأحوذي ٤ / ٤٨٢ - نشر السلفية) وأعله ابن حجر بالاختلاف في سماع الحسن من سمرة راوي هذا الحديث. (التلخيص٣ / ٥٣ ط الشركة الفنية)
وَيَشْمَل اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوِ الْمَوْهُوبِ عَلَى الْمُتَّهَبِ، فَيُوجِبُ الْفَسْخَ وَالاِسْتِرْدَادَ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَتَوَقَّفُ الْعَقْدُ عَلَى إِجَازَةِ رَبِّهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَالْقَوْل بِالتَّوَقُّفِ هُوَ أَيْضًا مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَإِذَا فُسِخَ الْبَيْعُ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْجُمْلَةِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ الثَّمَنِ، عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ثُبُوتُ الاِسْتِحْقَاقِ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِالإِْقْرَارِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اسْتِحْقَاق (١» .
ثَانِيًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَلْزَمُ:
التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَلْزَمُ مُتَنَوِّعَةٌ، مِنْهَا:
٦ - أ - الْعُقُودُ غَيْرُ اللاَّزِمَةِ: وَهِيَ الَّتِي تَقْبَل بِطَبِيعَتِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ كَالْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ. فَهَذِهِ الْعُقُودُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ، وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيَثْبُتُ عِنْدَ فَسْخِهَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ لِلْمَالِكِ، وَيَجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ الطَّلَبِ؛ لأَِنَّهَا أَمَانَاتٌ يَجِبُ رَدُّهَا؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢)، وَلِذَلِكَ لَوْ حَبَسَهَا بَعْدَ الطَّلَبِ فَضَاعَتْ ضَمِنَ، وَلَوْ هَلَكَتْ بِلاَ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ.
وَهَذِهِ الأَْحْكَامُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ، إِذَا
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ١١٨، ١١٩، ٤ / ١٩٩ وما بعدها، والبدائع ٧ / ٨٣، ١٤٨، والفتاوى الهندية ٣ / ١٦٥، ومنح الجليل ٣ / ٥١٥، ٥٢٣، والدسوقي ٣ / ٤٦١، والحطاب ٥ / ٢٩٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٦ وما بعدها، والأشباه للسيوطي ص ٢٣٢، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٧٤، ٤٠١، والقواعد لابن رجب ص٣٨٣، والكافي ٢ / ١٠٨٦، والمهذب ٢ / ٢٨٥، والهداية ٢ / ١٢٨، والمغني ٥ / ٢٣٨، ٢٥٣
(٢) سورة النساء / ٥٧
تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا، كَنِضْوِ رَأْسِ الْمَال فِي الْمُضَارَبَةِ، أَيْ تَحَوُّل السِّلَعِ إِلَى نُقُودٍ.
وَلَوْ كَانَ فِي الاِسْتِرْدَادِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَزُول الضَّرَرُ، كَالأَْرْضِ إِذَا اسْتُعِيرَتْ لِلزِّرَاعَةِ، وَأَرَادَ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ، فَيَتَوَقَّفُ الاِسْتِرْدَادُ حَتَّى يُحْصَدَ الزَّرْعُ.
وَالْعَارِيَّةُ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ تُسْتَرَدُّ حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَْجَل أَوِ الْعَمَل (١) .
هَذَا حُكْمُ الاِسْتِرْدَادِ فِي الْجُمْلَةِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيل كَثِيرَةٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَوْضُوعَاتِهَا.
٧ - ب - الْعُقُودُ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْخِيَارُ: كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ وَنَحْوِهِمَا كَثِيرَةٌ مِنْ أَهَمِّهَا: الْبَيْعُ، وَالإِْجَارَةُ.
فَفِي الْبَيْعِ: بِكَوْنِ الْعَقْدِ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ غَيْرِ لاَزِمٍ، وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ حَقُّ الْفَسْخِ وَالرَّدِّ. جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَيْعٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، لأَِنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ لُزُومَ الصَّفْقَةِ، قَال سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ وَلأَِنَّ الْخِيَارَ هُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ، وَهَذَا يَمْنَعُ اللُّزُومَ، وَمِثْل ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ مَعَ
_________
(١) البدائع ٦ / ٣٤، ٧٦، ٢١١، ٢١٧، ٢٥١، ومغني المحتاج ٢ / ٢١٥، ٢٧٠، ٣١٩، ٣٧٠، والمهذب ١ / ٣٦٦، ٣٧٠ ط دار المعرفة، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٠٥، ٣١٥، ٣٢١ ط دار الفكر، والمغني ٣ / ٥٩٥ ط الرياض، وكشاف القناع ٤ / ١٨٢ ط النصر الحديثة، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٦ ط دار المعرفة، ومنح الجليل ٣ / ٣٩٢، ٤٩٦ ط النجاح، والحطاب ٥ / ١٤، والخرشي ٤ / ٢٥٥، ٢٦٧
التَّفَاصِيل (١) .
كَذَلِكَ خِيَارُ الْعَيْبِ يَجْعَل الْعَقْدَ غَيْرَ لاَزِمٍ وَقَابِلًا لِلْفَسْخِ، فَإِذَا نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ بِخِيَارِ الْعَيْبِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَرَدَّ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ مَعِيبًا إِلَى الْبَائِعِ وَاسْتَرَدَّ الثَّمَنَ.
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي فِي إِمْسَاكِ الْمَبِيعِ مَعِيبًا، وَالرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ فِي الْمَعِيبِ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُعْطُونَهُ هَذَا الْحَقَّ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ، أَوْ يَمْسِكَ الْمَعِيبَ وَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِنُقْصَانٍ؛ لأَِنَّ الأَْوْصَافَ لاَ يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ فِي مُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِأَقَل مِنَ الْمُسَمَّى، فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي مُمْكِنٌ بِالرَّدِّ بِدُونِ تَضَرُّرِهِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَهُمُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَالرُّجُوعِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ. وَيُفَصِّل الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ غَيْرِ الْمُؤَثِّرِ، فَلاَ شَيْءَ فِيهِ وَلاَ رَدَّ بِهِ، وَبَيْنَ الْعَيْبِ الْمُؤَثِّرِ الَّذِي لَهُ قِيمَةٌ فَيَرْجِعُ بِأَرْشِهِ، وَبَيْنَ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ فَيَجِبُ هُنَا الرَّدُّ، حَتَّى إِذَا أَمْسَكَهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ، وَفِي خِيَارِ الْعَيْبِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِهِ.
هَذِهِ أَمْثِلَةٌ لِبَعْضِ الْخِيَارَاتِ الَّتِي تَجْعَل الْعَقْدَ غَيْرَ لاَزِمٍ، وَيَثْبُتُ بِهَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٦٤، ٢٨٩، والهداية ٣ / ٣٦ ط المكتبة الإسلامية، وبداية المجتهد ٢ / ٢٠٩ ط مصطفى الحلبي، والجواهر ٢ / ٣٥، ومنح الجليل ٢ / ٦٣٧، ومغني المحتاج ٢ / ٤٦، ٥٠، والمهذب ١ / ٢٩١، ومنتهى الإرادات ٢ / ١٧٠، ١٧٤، ١٧٦