الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

وَهُوَ الْجِمَاعُ (١) . وَهَذَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الإِْسْلاَمُ.

ب - وَيَأْتِي الاِسْتِبْضَاعُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ: اسْتِبْضَاعُ الشَّيْءِ، أَيْ جَعْلُهُ بِضَاعَةً (٢)؛ لأَِنَّ الْبِضَاعَةَ هِيَ طَائِفَةٌ مِنْ مَال الرَّجُل يَبْعَثُهَا لِلتِّجَارَةِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِنِكَاحِ الاِسْتِبْضَاعِ:

٢ - طَالَمَا أَنَّ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ هُوَ زِنًى مَحْضٌ، فَإِنَّ الآْثَارَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ هِيَ نَفْسُ الآْثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الزِّنَى، مِنْ حَيْثُ الْعُقُوبَةُ، وَضَمَانُ الْعُقْرِ، وَوُجُوبُ الاِسْتِبْرَاءِ، وَعَدَمُ إِلْحَاقِ نَسَبِ الْمَوْلُودِ مِنْ ذَلِكَ بِالزَّانِي، بَل يَلْحَقُ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، إِلاَّ أَنْ يَنْفِيَهُ بِشُرُوطِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (ر: زِنى) .

الاِسْتِبْضَاعُ فِي التِّجَارَاتِ:

٣ - يُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَلِمَةَ اسْتِبْضَاعٍ أَيْضًا عَلَى: دَفْعِ الرَّجُل مَالًا لآِخَرَ لِيَعْمَل فِيهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَال، وَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل. فَيُقَال لِصَاحِبِ الْمَال مُسْتَبْضِعٌ، وَمُبْضِعٌ، (بِالْكَسْرِ)، وَيُقَال لِلْعَامِل مُسْتَبْضَعٌ، وَمُبْضَعٌ مَعَهُ (بِالْفَتْحِ)، وَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ هِيَ اسْتِبْضَاعٌ وَإِبْضَاعٌ (٣) .

وَلِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ (ر: إِبْضَاع) .

_________

(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩ / ١٥١ طبع المطبعة البهية المصرية سنة ١٣٤٨ هـ.

(٢) لسان العرب.

(٣) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣ / ٣٤٤ و٤ / ٤٨٩ ط١ ببولاق، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٥ / ٢٥٥ ط مطبعة النجاح - طرابلس ليبيا.

اسْتِتَابَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِتَابَةُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ التَّوْبَةِ، يُقَال: اسْتَتَبْتُ فُلاَنًا: عَرَضْتُ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ مِمَّا اقْتَرَفَ.

وَالتَّوْبَةُ هِيَ: الرُّجُوعُ وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُ، وَاسْتَتَابَهُ: سَأَلَهُ أَنْ يَتُوبَ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

صِفَتُهَا (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):

٢ - اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ فَتُزَال. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهَا: مُسْتَحَبَّةٌ؛ لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ (٢) .

اسْتِتَابَةُ الزَّنَادِقَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ:

٣ - فِي اسْتِتَابَةِ الزَّنَادِقَةِ وَفِرَقِ الْبَاطِنِيَّةِ رَأْيَانِ.

الأَْوَّل: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، لاَ يُسْتَتَابُونَ وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ، وَيُقْتَلُونَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٣)، وَالزِّنْدِيقُ لاَ تَظْهَرُ مِنْهُ عَلاَمَةٌ

_________

(١) لسان العرب ١ / ٢٣٣ ط بيروت، والمصباح المنير، والمغني ٨ / ١٥٤

(٢) فتح القدير ٤ / ٣٨٥، وابن عابدين ٣ / ٢٨٥، والدسوقي ٤ / ٣٠٤، والقليوبي ٤ / ١٧٧، والمغني ٨ / ١٢٤

(٣) سورة البقرة / ١٦٠

تُبَيِّنُ رُجُوعَهُ وَتَوْبَتَهُ؛ لأَِنَّهُ كَانَ مُظْهِرًا لِلإِْسْلاَمِ، مُسِرًّا لِلْكُفْرِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَهَا، وَهُوَ إِظْهَارُ الإِْسْلاَمِ؛ وَلأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِي الْبَاطِنِ خِلاَفَ مَا يُظْهِرُونَ.

الثَّانِي: وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ، وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، يُسْتَتَابُ؛ لأَِنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ، فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ (١) . (ر: زَنْدَقَة) .

اسْتِتَابَةُ السَّاحِرِ:

٤ - اسْتِتَابَةُ السَّاحِرِ فِيهَا رِوَايَتَانِ.

الأُْولَى: لِلْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لاَ يُسْتَتَابُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِل عَنِ الصَّحَابَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اسْتَتَابَ سَاحِرًا، لِخَبَرِ عَائِشَة: إِنَّ السَّاحِرَةَ سَأَلَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ: هَل لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَمَا أَفْتَاهَا أَحَدٌ (٢) وَلأَِنَّ السِّحْرَ مَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَلِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ.

الثَّانِيَةُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يُسْتَتَابُ. فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَلأَِنَّ اللَّهَ قَبِل تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ؛ وَلأَِنَّ السَّاحِرَ لَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ صَحَّ إِسْلاَمُهُ وَتَوْبَتُهُ، فَإِذَا صَحَّتِ التَّوْبَةُ مِنْهُمَا (أَيِ السَّاحِرِ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣١ و٣ / ٢٦٩، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٩٩ ط المكتبة الإسلامية، والجمل ٥ / ١٢٦ ط إحياء التراث، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٧٧ ط عيسى الحلبي، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٦ ط شقرون، والمغني ٦ / ٢٩٨ ط مكتبة الرياض الحديثة.

(٢) الحديث أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ١ / ٢٤٩ ط دار الأندلس.

وَالْكَافِرِ) صَحَّتْ مِنْ أَحَدِهِمَا (السَّاحِرِ الْمُسْلِمِ)، (ر: سِحْر) وَيَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ، فَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ (١) .

اسْتِتَابَةُ تَارِكِ الْفَرْضِ:

٥ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى اسْتِتَابَةِ تَارِكِ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ أَوِ اسْتِخْفَافٍ، حَيْثُ تُقْبَل تَوْبَتُهُ. فَإِنْ أَبَى أَنْ يَتُوبَ، قَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ عِنْدَهُمْ: يُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يَمُوتَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَبَى يُقْتَل، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ (٢) .

اسْتِتَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِتَارُ فِي اللُّغَةِ: التَّغَطِّي وَالاِخْتِفَاءُ. يُقَال: اسْتَتَرَ وَتَسَتَّرَ أَيْ تَغَطَّى، وَجَارِيَةٌ مُسْتَتِرَةٌ أَيْ مُخَدَّرَةٌ (٣) . وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا اسْتَعْمَلُوهُ بِمَعْنَى اتِّخَاذِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلاَةِ.

وَالسُّتْرَةُ (بِالضَّمِّ) هِيَ فِي الأَْصْل: مَا يُسْتَتَرُ بِهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ غَلَبَ فِي الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ عَلَى: مَا يُنْصَبُ أَمَامَ الْمُصَلِّي، مِنْ عَصًا أَوْ تَسْنِيمِ تُرَابٍ أَيْ

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ٣٩٨، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٦٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٥ و٢٧٨، والمغني ٨ / ١٥٣، وابن عابدين ١ / ٣١ ط بولاق الأولى.

(٢) ابن عابدين ١ / ٢٣٥، والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٠٨

(٣) المصباح المنير، والقاموس، ولسان العرب.

تَكْوِيمِهِ وَنَحْوِهِ (١)، لِمَنْعِ الْمُرُورِ أَمَامَهُ.

وَيُسَمَّى سَتْرُ الصَّدَقَةِ إِخْفَاؤُهَا

صِفَتُهُ (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):

٢ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِتَارِ تَبَعًا لِلأَْحْوَال وَالأَْفْعَال الَّتِي يَكُونُ فِيهَا، عَلَى مَا سَيَأْتِي:

الاِسْتِتَارُ (بِمَعْنَى اتِّخَاذِ الْمُصَلِّي سُتْرَةً)

٣ - اتِّخَاذُ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي مَشْرُوعٌ اتِّفَاقًا؛ لِحَدِيثِ: لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ. (٢) ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالسُّنَّةِ أَوِ الاِسْتِحْبَابِ، عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (سُتْرَةُ الْمُصَلِّي) . (٣)

الاِسْتِتَارُ حِينَ الْجِمَاعِ:

٤ - يَشْمَل الاِسْتِتَارُ هُنَا أَمْرَيْنِ:

الأَْوَّل: الاِسْتِتَارُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ حِينَ الْوَطْءِ.

الثَّانِيَ: عَدَمُ التَّجَرُّدِ حِينَ الْوَطْءِ.

أَمَّا الأَْوَّل: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي حَالَةِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، أَوْ فِي حَالَةِ عَدَمِ انْكِشَافِهَا.

فَفِي حَالَةِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى فَرْضِيَّةِ الاِسْتِتَارِ، أَمَّا فِي حَالَةِ عَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنَ الْعَوْرَةِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِتَارَ سُنَّةٌ. وَأَنَّ مَنْ يَتَهَاوَنُ فِيهِ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿

_________

(١) الطحاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠٠، والدردير على خليل ١ / ٢٤٤، والمغني ٢ / ٢٣٧

(٢) حديث " ليستتر. . . " أخرجه الحاكم ١ / ٢٥٢ ط دائرة المعارف العثمانية، وحكم عليه المناوي في فيض القدير بالإرسال ١ / ٤٨٦ ط المكتبة التجارية الكبرى.

(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠٠، والدردير على خليل ١ / ٢٤٤، والمغني ٢ / ٢٣٧

إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ. (١) وَحَمَلُوا الأَْمْرَ عَلَى النَّدْبِ

وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدَّنَاءَةِ وَالإِْخْلاَل بِالْمُرُوءَةِ (٢) .

وَأَمَّا الثَّانِي: (عَدَمُ التَّجَرُّدِ حِينَ الْجِمَاعِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا أَحَدٌ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (٣) إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يُجَرِّدَ زَوْجَتَهُ لِلْجِمَاعِ، وَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِكَوْنِ الْبَيْتِ صَغِيرًا، وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَال احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ قَال: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاَّ تُرِيَهَا أَحَدًا فَلاَ تُرِيَنَّهَا. قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَال: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ (٤)

_________

(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب: التستر عند الجماع

(٢) البحر الرائق ٣ / ٢٣٧ ط المطبعة العلمية، وفتاوى قاضي خان ٣ / ٤٠٨ ط ٢ بولاق / ١٣١٠، والجيرمي على منهج الطلاب ٣ / ٤٣٦ ط مصطفى محمد، وروضة الطالبين ٧ / ٤٠٦ ط المكتب الإسلامي، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٧٥ ط مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٧، وحاشية الشررواني على التحفة ٦ / ٥٠٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٣٥ ط المنار، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٢٩ ط دار الجيل، والشرح الكبير على متن الخرقي ٨ / ١٤٣ ط المنار، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمتن خليل ٤ / ٤٦ - ٤٧ ط بولاق ١٣٠٦، وحاشية محمد بن المدني على كنون على شرح الزرقاني لمتن خليل ٤ / ٤٧

(٣) نيل الأوطار ٦ / ١٩٥، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوى ص ٥٧، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٤، والقليوبي ٣ / ٢١٣، والبجيرمي على المنهج ٣ / ٣١٦، والمغني والشرح الكبير ٨ / ١٣٥، والقواعد الفقهية ٢٩٤

(٤) حديث " احفظ عورتك. . . " أخرجه أبو داود في الحمام، وابن ماجه في النكاح، والترمذي في الأدب، وأحمد بن حنبل ٥ / ٣.

وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّي، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُمْ إِلاَّ عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُل إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ. (١)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ، لِحَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ، وَلاَ يَتَجَرَّدَا تَجَرُّدَ الْعِيرَيْنِ. (٢)

٥ - مَا يُخِل بِالاِسْتِتَارِ:

أ - يُخِل بِالاِسْتِتَارِ وُجُودُ شَخْصٍ مُمَيِّزٍ مُسْتَيْقِظٍ مَعَهُمَا فِي الْبَيْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ زَوْجَةً، أَمْ سُرِّيَّةً، أَمْ غَيْرَهُمَا (٣)، يَرَى أَوْ يَسْمَعُ الْحِسَّ (٤)، وَبِهِ قَال الْجُمْهُورُ، وَقَدْ سُئِل الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ الرَّجُل يَكُونُ لَهُ امْرَأَتَانِ فِي بَيْتٍ، قَال: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَطَأَ إِحْدَاهُمَا وَالأُْخْرَى تَرَى أَوْ تَسْمَعُ (٥) .

ب - وَيُخِل بِالاِسْتِتَارِ وُجُودُ نَائِمٍ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، فَقَال الرَّهُونِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ لِمَتْنِ خَلِيلٍ: لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يُصِيبَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَمَعَهُ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ يَقْظَانُ أَوْ نَائِمٌ (٦)، لأَِنَّ النَّائِمَ قَدْ يَسْتَيْقِظُ فَيَرَاهُمَا عَلَى تِلْكَ الْحَال.

ج - وَيُخِل بِالاِسْتِتَارِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ وُجُودُ صَغِيرٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، اتِّبَاعًا لاِبْنِ عُمَرَ الَّذِي كَانَ يُخْرِجُ الصَّبِيَّ

_________

(١) أخرجه الترمذي في الأدب.

(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح. باب التستر عند الجماع.

(٣) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج شرح المنهاج ٦ / ٥٠٠

(٤) الرهوني ٤ / ٤٦ - ٤٧، والمغني ٨ / ١٣٧

(٥) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة ١ / ٢٣٠

(٦) حاشية الرهوني ٤ / ٤٦ - ٤٧

فِي الْمَهْدِ عِنْدَمَا يُرِيدُ الْجِمَاعَ (١) . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ وُجُودَ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لاَ يُخِل بِالاِسْتِتَارِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مَشَقَّةٍ وَحَرَجٍ.

الآْثَارُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى تَرْكِ الاِسْتِتَارِ فِي الْجِمَاعِ:

٦ - مِنْ حَقِّ الْمَرْأَةِ الاِمْتِنَاعُ عَنْ إِجَابَةِ طَلَبِ زَوْجِهَا إِلَى فِرَاشِهِ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَتِرُ عَنِ النَّاسِ حِينَ الْجِمَاعِ، وَلاَ تَصِيرُ نَاشِزًا بِهَذَا الاِمْتِنَاعِ؛ لأَِنَّهُ امْتِنَاعٌ بِحَقٍّ؛ وَلأَِنَّ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ يَأْبَيَانِ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ (٢)، وَقَوَاعِدُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ تَأْبَاهُ.

الاِسْتِتَارُ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ:

٧ - يَشْمَل هَذَا أَمْرَيْنِ: الاِسْتِتَارُ عَنِ النَّاسِ، وَالاِسْتِتَارُ عَنِ الْقِبْلَةِ إِنْ كَانَ خَارِجَ الْبُنْيَانِ. أَمَّا الأَْوَّل، فَالأَْصْل وُجُوبُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، بِحُضُورِ مَنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَة)، كَمَا أَنَّهُ يُسَنُّ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ اسْتِتَارُ شَخْصِ الإِْنْسَانِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْغَائِطِ.

وَأَمَّا الاِسْتِتَارُ عَنِ الْقِبْلَةِ بِسَاتِرٍ فَإِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَرَى جَوَازَ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، إِنِ اسْتَتَرَ عَنِ الْقِبْلَةِ بِسَاتِرٍ. وَيَرَى بَعْضُهُمْ تَحْرِيمَ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا مُطْلَقًا، وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالاِسْتِتَارِ عَنِ الْقِبْلَةِ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءُ الْحَاجَةِ) .

_________

(١) حاشيية الرهوني ٤ / ٤٦ - ٤٧

(٢) البحر الرائق ٣ / ٢٣٧، وشرح البجيرمي على منهج الطلاب ٣ / ٤٣٦ ط مصطفى محمد، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٧٥ ط مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٧

الاِسْتِتَارُ حِينَ الاِغْتِسَال:

أ - وُجُوبُ الاِسْتِتَارِ عَمَّنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ:

٨ - الأَْمْرُ الَّذِي لاَ خِلاَفَ فِيهِ هُوَ: افْتِرَاضُ الاِسْتِتَارِ حِينَ الاِغْتِسَال، بِحَضْرَةِ مَنْ لاَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَةِ الْمُغْتَسِل (١)، لِقَوْلِهِ ﷺ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. (٢) وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِل، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَال: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. (٣) (ر: عَوْرَة)

فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الاِغْتِسَال إِلاَّ بِكَشْفِ عَوْرَتِهِ أَمَامَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حِينَئِذٍ لاَ يُسْقِطُ وُجُوبَ الْغُسْل عَلَيْهِ - إِنْ كَانَ رَجُلًا بَيْنَ رِجَالٍ، أَوِ امْرَأَةً بَيْنَ نِسَاءٍ - لأَِمْرَيْنِ: الأَْوَّل: نَظَرُ الْجِنْسِ إِلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْجِنْسِ الآْخَرِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْغُسْل فَرْضٌ فَلاَ يُتْرَكُ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ.

أَمَّا إِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ، أَوْ رَجُلٌ بَيْنَ نِسَاءٍ، أَوْ خُنْثَى بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ، أَوْ هُمَا مَعًا، فَلاَ يَجُوزُ لِهَؤُلاَءِ الْكَشْفُ عَنْ عَوْرَاتِهِمْ لِلْغُسْل، بَل يَتَيَمَّمُونَ، لَكِنْ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَمْ يُسَلِّمْ بِهَذَا التَّفْصِيل؛ لأَِنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْل

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٠٥ و٢٢٥، وحاشية الجمل ١ / ٨٧، والخرشي على خليل ١ / ١٤٦، والمغني ١ / ٢٣١، وحديث " احفظ عورتك " أخرجه ابن ماجه ١ / ٦١٨ ط عيسى الحلبي، وأحمد ٥ / ٣ ط الميمنية، وحسنه ابن حجر في الفتح ١ / ٣٨٦ ط السلفية.

(٢) حديث: " احفظ عورتك. . . . . " تقدم تخريجه في فقرة (٤)

(٣) أخرج الحديث البخاري في الغسل، باب من اغتسل عريانا. فتح الباري ١ / ٣٠٦ و٣٠٨

الْمَأْمُورِ، وَلِلْغُسْل خَلَفٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ (١) .

وَعُمُومُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، فِي تَحْرِيمِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ الاِغْتِسَال بِحُضُورِ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ إِلَيْهَا، يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْحَنَفِيَّةَ.

وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ تَرَتَّبَ عَلَى الْقِيَامِ بِالطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَإِنَّهُ يُصَارُ إِلَى التَّيَمُّمِ؛ لأَِنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ لاَ بَدَل لَهُ؛ وَلأَِنَّهُ وَاجِبٌ لِلصَّلاَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْعُيُونِ، وَيُبَاحُ فِعْل الْمَحْظُورِ مِنْ أَجْلِهِ، كَاسْتِتَارِ الرَّجُل بِالْحَرِيرِ إِذَا تَعَيَّنَ. أَمَّا الطَّهَارَةُ الْمَائِيَّةُ فَلَهَا بَدَلٌ، وَلاَ يُبَاحُ فِعْل الْمَحْظُورِ مِنْ أَجْلِهَا (٢) وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ وَالأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ يَتَشَدَّدُونَ فِي الْمَنْعِ مِنْ دُخُول الْحَمَّامِ إِلاَّ بِمِئْزَرٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي ذَلِكَ آثَارًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، حَتَّى بَلَغَ الأَْمْرُ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ: لاَ يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ الْحَمَّامَ إِلاَّ بِمِئْزَرٍ، وَبِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَصْرَةِ أَمَّا بَعْدُ: فَمُرْ مَنْ قِبَلَكَ أَلاَّ يَدْخُلُوا الْحَمَّامَ إِلاَّ بِمِئْزَرٍ، وَأَخَذَ يَفْرِضُ الْعُقُوبَاتِ الرَّادِعَةَ عَلَى مَنْ دَخَل الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَعَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ الَّذِي أَدْخَلَهُ. وَعَنْ عُبَادَةَ قَال: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَضْرِبُ صَاحِبَ الْحَمَّامِ وَمَنْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إِزَارٍ (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٠٥ و٢٢٥، والمغني ١ / ٢٣٣

(٢) منح الجليل ١ / ٨٧، والمجموع ٢ / ٢٧٥

(٣) ابن أبي شيبة ١ / ١٩ مخطوط اسطنبول - متحف طول قبوسراي مكتبة مدينة برقم ٣٣٣، ٣٣٤، ونهاية المحتاج ١ / ٢١٤ ط المكتبة الإسلامية بالرياض، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٢ ط دار العروبة.