الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 18

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى مَا دُونَ ذَلِكَ (١) .

وَكُل مَا حَرُمَ نَظَرُهُ حَرُمَ مَسُّهُ، لأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ (٢) . وَتَجُوزُ الْخَلْوَةُ بِالْمَحَارِمِ بِاتِّفَاقٍ (٣) . وَتَفَاصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ تَأْتِي فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

وِلاَيَةُ الأَْرْحَامِ لِلنِّكَاحِ:

٢٢ - الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الأَْرْحَامَ - غَيْرَ الْعَصَبَةِ - لَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ.

وَالأَْصَحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَلُونَ عَقْدَ النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ (٤) .

وَبَيَانُهُمْ وَتَرْتِيبُهُمْ فِي الْوِلاَيَةِ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ نِكَاح (وِلاَيَتُهُ) .

الرَّحِمِيَّةُ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ:

٢٣ - أَحْيَانًا تَكُونُ الرَّحِمِيَّةُ سَبَبًا فِي تَشْدِيدِ الْعُقُوبَةِ، كَمَا فِي قَتْل ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَأَحْيَانًا تَكُونُ سَبَبًا فِي رَفْعِهَا، كَمَا لَوْ قَتَل الأَْبُ وَلَدَهُ أَوْ قَذَفَهُ، وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ اُنْظُرْ: (قِصَاص، زِنا، قَذْف، سَرِقَة) .

_________

(١) البدائع ٥ / ١٢٢، وشرح الروض ٣ / ١١٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٥، وبلغة السالك ١ / ١٠٦، والحطاب ١ / ٥٠١، والمغني ٦ / ٥٦٣ ط الرياض.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) بلغة السالك ١ / ١٠٦، وشرح الروض ٣ / ١١٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٢

(٤) ابن عابدين ٢ / ٣١٢، ٣١٣، والفواكه الدواني ٢ / ٣١، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٩، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٤٢، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٦١

شَهَادَةُ ذَوِي الأَْرْحَامِ وَالْقَضَاءُ لَهُمْ:

٢٤ - لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ أَصْلٍ لِفَرْعِهِ، وَلاَ فَرْعٍ لأَِصْلِهِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمِيل بِطَبْعِهِ لِلآْخَرِ، وَلِحَدِيثِ: فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا. (١)

أَمَّا بَقِيَّةُ الأَْرْحَامِ فَتُقْبَل شَهَادَتُهُمْ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا لِقَبُول شَهَادَةِ الأَْخِ أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ، وَأَلاَّ يَكُونَ فِي عِيَال مَنْ يَشْهَدُ لَهُ، وَأَلاَّ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي جُرْحٍ فِيهِ قِصَاصٌ (٢) .

وَلاَ يَقْضِي الْقَاضِي لِمَنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَيَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِبَاقِي أَقَارِبِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لاَ يَقْضِي لِلْعَمِّ، إِلاَّ إِنْ كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ (٣) . وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ الْقَضَاءِ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَقِيل: يَجُوزُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ (٤) .

عِتْقُ الأَْرْحَامِ

٢٥ - الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الْوَالِدَيْنِ - وَإِنْ عَلَوْا - يُعْتَقُونَ عَلَى الْمَوْلُودِينَ بِالتَّمَلُّكِ، وَأَنَّ الْمَوْلُودِينَ - وَإِنْ نَزَلُوا - يُعْتَقُونَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى، وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ

_________

(١) حديث " فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٣٢٧ ط السلفية) .

(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٨٠، والفتاوى الهندية ٣ / ٣٧٠، والدسوقي ٤ / ١٦٨، ١٦٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٤٤، والمحرر ٢ / ٣٠٣، ومطالب أولي النهى ٦ / ٦٢٥

(٣) المراجع السابقة، وتبصرة الحكام ١ / ٨١

(٤) الإنصاف ١١ / ٢١٦

؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَرَابَةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْجَمِيعُ (١) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِ إِعْتَاقِ الْوَالِدَيْنِ بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٢) الآْيَةَ، وَلاَ يَتَأَتَّى خَفْضُ الْجَنَاحِ مَعَ الاِسْتِرْقَاقِ، وَعَلَى عِتْقِ الْمَوْلُودِينَ بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُل مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٣) الآْيَةَ.

وَيَقُول سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ (٤) الآْيَةَ، دَل كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ اجْتِمَاعِ الْوَلَدِيَّةِ وَالْعَبْدِيَّةِ (٥) .

أَمَّا بَقِيَّةُ الأَْرْحَامِ غَيْرِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي عِتْقِهِمْ عِنْدَ تَمَلُّكِهِمْ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ.

الأَْوَّل: عِتْقُ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَمَنْ مَلَكَ قَرِيبًا ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ. وَصِفَةُ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا حَرُمَ نِكَاحُهُ (٦) . وَالْمَحْرَمُ بِلاَ رَحِمٍ كَأَنْ يَمْلِكَ زَوْجَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ لاَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الرَّحِمُ بِلاَ مَحْرَمٍ، كَبَنِي الأَْعْمَامِ وَالأَْخْوَال.

الثَّانِي: الاِقْتِصَارُ عَلَى الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ، وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَوْلاَدِ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ وَالأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَقُ أَحَدٌ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٨، والخرشي ٨ / ١٢١، ومغني المحتاج ٤ / ٤٩٩، ٥٠٠، وشرح الروض ٤ / ٤٤٦، ومطالب أولي النهى ٤ / ٦٩٦

(٢) سورة الإسراء / ٢٤

(٣) سورة مريم / ٩٢، ٩٣

(٤) سورة مريم / ٨٨

(٥) شرح الروض ٤ / ٤٤٦

(٦) الفتاوى الهندية ٢ / ٨٠٧

مِنْ هَؤُلاَءِ بِالْمِلْكِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (١) .

الثَّالِثُ: الاِقْتِصَارُ عَلَى الأُْصُول وَالْفُرُوعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .

إِرْدَافٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْرْدَافُ: مَصْدَرُ أَرْدَفَ، وَأَرْدَفَهُ: أَرْكَبَهُ خَلْفَهُ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَجُوزُ إِرْدَافُ الرَّجُل لِلرَّجُل، وَالْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى فَسَادٍ أَوْ إِثَارَةِ شَهْوَةٍ؛ لإِرْدَافِ الرَّسُول ﷺ لِلْفَضْل بْنِ الْعَبَّاسِ (٤) .

وَيَجُوزُ إِرْدَافُ الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ، وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، لإِرْدَافِ الرَّسُول ﷺ لِزَوْجَتِهِ صَفِيَّةَ ﵂ (٥) . وَإِرْدَافُ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ ذَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ جَائِزٌ مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ. وَأَمَّا إِرْدَافُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ، وَالرَّجُل لِلْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، سَدًّا لِلذَّرَائِعِ، وَاتِّقَاءً لِلشَّهْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ.

_________

(١) الخرشي ٨ / ١٢١

(٢) شرح الروض ٤ / ٤٤٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٩٩، ٥٠٠

(٣) المصباح ولسان العرب (ردف)

(٤) حديث " إردافه الفضل " أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الحج من صحيحيهما (اللؤلؤ والمرجان ص ٢٩٥)

(٥) حديث " إردافه صفية " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٦٩ ط السلفية)

الضَّمَانُ بِالإِْرْدَافِ.

٣ - إِذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا، وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا، فَهَلَكَتْ الدَّابَّةُ بِسَبَبِ الإِْرْدَافِ، ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ، وَيَضْمَنُ الْكُل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

إِرْسَالٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْرْسَال لُغَةً: مَصْدَرُ (أَرْسَل) يُقَال: أَرْسَل الشَّيْءَ: أَطْلَقَهُ وَأَهْمَلَهُ، وَيُقَال: أَرْسَل الْكَلاَمَ أَيْ أَطْلَقَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَأَرْسَل الرَّسُول: بَعَثَهُ بِرِسَالَةٍ، وَأَرْسَل عَلَيْهِ شَيْئًا: سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٢) .

وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ الإِْرْسَال بِإِطْلاَقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا مَا يَلِي:

الإِْرْخَاءُ، كَإِرْسَال الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ، وَإِرْسَال طَرَفِ الْعِمَامَةِ، وَإِرْسَال الشَّعْرِ بِعَدَمِ رَبْطِهِ. وَالتَّوْجِيهُ، كَإِرْسَال شَخْصٍ إِلَى آخَرَ بِمَالٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ

_________

(١) فتح القدير ٧ / ١٦٩ ط دار صادر، وتحفة المحتاج ٦ / ١٨٣ - ١٨٤ ط دار صادر، والإنصاف ٦ / ٥٤ ط حامد الفقي، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٧ - ٣٨ - ط دار الفكر، والبخاري وشرحه فتح الباري١٠ / ٣٢٧، والقرطبي ٥ / ٢١٤ ط دار الكتب، وابن عابدين ١ / ٢٧٢ ط الأولى، والقليوبي ٣ / ٨٢، وابن عابدين ٥ / ٢٣٥، ٢٣٨، والمجموع للنووي ٢ / ٢٨، ٣١

(٢) سورة مريم / ٨٣

نَحْوِ ذَلِكَ. وَالتَّخْلِيَةُ، وَذَلِكَ كَإِرْسَال الْمُحْرِمِ مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ صَيْدٍ. وَالإِْهْمَال، كَإِرْسَال الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْحَيَوَانِ. وَالتَّسْلِيطُ، كَإِرْسَال الْحَيَوَانِ أَوِ السَّهْمِ عَلَى الصَّيْدِ.

وَبِمَعْنَى عَدَمِ الإِْضَافَةِ وَعَدَمِ الإِْطْلاَقِ، وَمِثَال ذَلِكَ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِيمَا إِذَا جَرَى الْخُلْعُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ فَإِلَيْهَا الْقَبُول، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَدَل مُرْسَلًا أَمْ مُطْلَقًا، أَمْ مُضَافًا إِلَى الْمَرْأَةِ أَوِ الأَْجْنَبِيِّ إِضَافَةَ مِلْكٍ أَوْ ضَمَانٍ. وَمَتَى جَرَى الْخُلْعُ بَيْنَ الأَْجْنَبِيِّ وَالزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَ الْبَدَل مُرْسَلًا (أَيْ مُعَيَّنًا بِغَيْرِ الإِْضَافَةِ) فَالْقَبُول إِلَيْهَا كَقَوْلِهَا: اخْلَعْنِي عَلَى هَذِهِ الدَّارِ، فَإِنْ قَدَرَتْ عَلَى تَسْلِيمِهَا سَلَّمَتْهَا، وَإِلاَّ فَالْمِثْل فِيمَا لَهُ مِثْلٌ، وَالْقِيمَةُ فِي الْقِيَمِيِّ، وَتَتِمَّةُ هَذَا فِي الْخُلْعِ (١) . وَالْمُطْلَقُ كَقَوْلِهَا: خَالَعَنِي عَلَى ثَوْبٍ. وَالْمُضَافُ كَقَوْلِهَا: خَالَعَنِي عَلَى دَارِي (٢) .

وَيَسْتَعْمِل عُلَمَاءُ الأُْصُول الإِْرْسَال فِي الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ؛ لأَِنَّهَا كُل مَصْلَحَةٍ أَطْلَقَهَا الشَّارِعُ فَلَمْ يَعْتَبِرْهَا وَلَمْ يُلْغِهَا.

وَالإِْرْسَال فِي الْحَدِيثِ لَهُ إِطْلاَقٌ خَاصٌّ سَيَأْتِي فِيمَا يَلِي:

الإِْرْسَال فِي الْحَدِيثِ:

٢ - يُطْلَقُ لَفْظُ الإِْرْسَال عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى تَرْكِ التَّابِعِيِّ الْوَاسِطَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُول ﷺ بِأَنْ رَفَعَ التَّابِعِيُّ الْحَدِيثَ لِلرَّسُول ﷺ سَوَاءٌ أَكَانَ

_________

(١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ٤ / ١٠١ للعلامة زين الدين بن نجيم، دار المعرفة. بيروت.

(٢) حاشية منحة الخالق على البحر الرائق ٤ / ١٠١ للعلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين.

كَبِيرًا أَمْ صَغِيرًا، بِأَنْ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ كَذَا، أَوْ فَعَل كَذَا، أَوْ فُعِل بِحَضْرَتِهِ كَذَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَبَعْضُهُمْ خَصَّهُ بِرَفْعِ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَجَالَسَهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَمْثَالِهِمَا.

أَمَّا إِذَا انْقَطَعَ الإِْسْنَادُ قَبْل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيِّ، بِأَنْ كَانَ فِيهِ رَاوٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْمَذْكُورِينَ فَوْقَهُ، فَلَيْسَ بِمُرْسَلٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْل الْحَدِيثِ، بَل يُسَمَّى مُنْقَطِعًا، إِنْ كَانَ السَّاقِطُ وَاحِدًا فَحَسْبُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ سُمِّيَ مُعْضَلًا، وَأَمَّا عِنْدَ أَهْل الأُْصُول فَكُل ذَلِكَ يُسَمَّى مُرْسَلًا. وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْخَطِيبُ وَقَطَعَ بِهِ. (١) وَجَاءَ فِي مُسْلِمِ الثُّبُوتِ: الأَْوْلَى أَنْ يُقَال: مَا رَوَاهُ الْعَدْل مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ لِيَشْمَل الْمُنْقَطِعَ. وَأَمَّا عِنْدَ أَهْل الْحَدِيثِ فَالْمُرْسَل قَوْل التَّابِعِيِّ: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ كَذَا، وَالْمُعْضَل مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ اثْنَانِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَالْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ وَاحِدٌ مِنْهَا، وَالْمُعَلَّقُ مَا رَوَاهُ مَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ مِنْ غَيْرِ سَنَدٍ، وَالْكُل دَاخِلٌ فِي الْمُرْسَل عِنْدَ أَهْل الأُْصُول، وَلَمْ يَظْهَرْ لِكَثِيرِ الاِصْطِلاَحِ وَالأَْسَامِي فَائِدَةٌ.

أَقْسَامُ وَحُكْمُ الْحَدِيثِ الْمُرْسَل:

٣ - يَنْقَسِمُ الْمُرْسَل إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ هِيَ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ: حُكْمُهُ أَنَّهُ مَقْبُولٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَذَلِكَ لِلإِْجْمَاعِ عَلَى عَدَالَةِ

_________

(١) حاشية الرهاوي على المنار ص٦٤٣ - ٦٤٤ ليحيى الرهاوي المصري المطبعة العثمانية.

الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ (١) .

الْقِسْمُ الثَّانِي: إِرْسَال الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَيِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ فِي الاِحْتِجَاجِ بِهِ، إِذْ أَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَشْهَرِ رِوَايَتَيِ الْحَنَابِلَةِ، إِذَا كَانَ الْمُرْسِل عَدْلًا.

أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلاَ يَعْتَبِرُهُ حُجَّةً إِلاَّ إِذَا تَأَيَّدَ بِآيَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ، أَوْ مُوَافَقَةِ قِيَاسٍ صَحِيحٍ، أَوْ قَوْل صَحَابِيٍّ، أَوْ تَلَقَّتْهُ الأُْمَّةُ بِالْقَبُول، أَوِ اشْتَرَكَ فِي إِرْسَالِهِ عَدْلاَنِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ شَيْخَاهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ، أَوْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ، بِأَنْ أَسْنَدَهُ غَيْرُ مُرْسِلِهِ، أَوْ أَسْنَدَهُ مُرْسِلُهُ مُرَّةً أُخْرَى.

وَلِثُبُوتِ الاِتِّصَال بِوَجْهٍ آخَرَ قُبِلَتْ مَرَاسِيل سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ لأَِنَّهَا بِالتَّتَبُّعِ وُجِدَتْ مُسْنَدَةً (أَيْ مُتَّصِلَةً مَرْفُوعَةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَكْثَرُهَا مِمَّا سَمِعَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْمُرْسَل أَوْ عَدَمِهِ (٢) .

وَأَمَّا رَأْيُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ فَيَتَّضِحُ بِمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ شَرْحِ رَوْضَةِ النَّاظِرِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ لِلإِْمَامِ رِوَايَتَيْنِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ حُجَّةٌ (٣) .

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا أَرْسَلَهُ الْعَدْل مِنْ غَيْرِ الْقُرُونِ الثَّلاَثَةِ: وَيُعْتَبَرُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَرَاسِيل حُجَّةً عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ؛ لأَِنَّ إِرْسَال الْعَدْل يُقْبَل فِي كُل عَصْرٍ، إِذْ أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تُوجِبُ قَبُول مَرَاسِيل

_________

(١) أنوار الحلك على شرح المنار لابن ملك ص ٦٤٤ لشيخ الإسلام محمد بن إبراهيم الشهير بابن الحلبي / المطبعة العثمانية.

(٢) شرح المنار ص ٦٤٤ لعز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز بن الملك / المطبعة العثمانية.

(٣) نزهة الخاطر العاطر في شرح روضة الناظر وجنة المناظر ١ / ٣٢٣ لعبد القادر بن بدران الحنبلي / المطبعة السلفية.

الْقُرُونِ الثَّلاَثَةِ وَهِيَ الْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ، تَشْمَل سَائِرَ الْقُرُونِ (١) .

الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا أُرْسِل مِنْ وَجْهٍ وَاتَّصَل مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الأَْكْثَرِ؛ لأَِنَّ الْمُرْسِل سَاكِتٌ عَنْ حَال الرَّاوِي، وَالْمُسْنِدُ نَاطِقٌ، وَالسَّاكِتُ لاَ يُعَارِضُ النَّاطِقَ، مِثْل حَدِيثِ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ رَوَاهُ إِسْرَائِيل بْنُ يُونُسَ مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ مُرْسَلًا. وَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لاَ يُقْبَل هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَرَاسِيل؛ لأَِنَّ سُكُوتَ الرَّاوِي عَنْ ذِكْرِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَرْحِ فِيهِ، وَإِسْنَادُ الآْخَرِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْدِيل، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْجُرْحُ وَالتَّعْدِيل يُعْمَل بِالْجَرْحِ (٢) .

أَوَّلًا: الإِْرْسَال بِمَعْنَى الإِْرْخَاءِ

كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ:

٤ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رِوَايَةُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ السُّنَّةُ (٣) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا يَلِي:

أ - مَا رَوَاهُ سَهْل بْنُ سَعْدٍ قَال: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاَةِ. قَال أَبُو حَازِمٍ: لاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنْمِي (٤)

_________

(١) كشف الأسرار ٣ / ٧

(٢) شرح المنار ص ٦٤٤

(٣) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٢ / ٥٣٣ للعلامة علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي - مطبعة الإمام بالقاهرة، ومغني المحتاج ١ / ١٥٢ للخطيب الشربيني - دار الفكر بيروت، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٣٣ للعلامة منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، الناشر مكتبة النصر الحديثة / الرياض.

(٤) أي يسند ذلك ويرفعه.

ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. (١)

ب - مَا رُوِيَ عَنْ وَائِل بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ صَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ. (٢)

ج - مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَال: مَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا وَاضِعٌ يَدِي الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى فَأَخَذَ بِيَدِي الْيُمْنَى فَوَضَعَهَا عَلَى الْيُسْرَى. (٣)

الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ الإِْرْسَال وَكَرَاهِيَةُ الْقَبْضِ فِي الْفَرْضِ، وَالْجَوَازُ فِي النَّفْل، قِيل: مُطْلَقًا، وَقِيل: إِنْ طَوَّل. وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُ مَتْنِهِ كَالدَّرْدِيرِ وَالدُّسُوقِيِّ، وَعُلِّلَتِ الْكَرَاهَةُ فِي الْفَرْضِ بِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ اعْتِمَادٌ عَلَى الْيَدَيْنِ فَأَشْبَهَ الاِسْتِنَادَ، وَلِذَلِكَ قَال الدَّرْدِيرُ: فَلَوْ فَعَلَهُ لاَ لِلاِعْتِمَادِ بَل اسْتِنَانًا لَمْ يُكْرَهْ، ثُمَّ قَال: وَهَذَا التَّعْلِيل هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ فِي النَّفْل مُطْلَقًا، بِجَوَازِ الاِعْتِمَادِ فِيهِ بِلاَ ضَرُورَةٍ.

الثَّالِثُ: إِبَاحَةُ الْقَبْضِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَل، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ.

وَذَكَرَ الْحَطَّابُ نَقْلًا عَنِ ابْنِ فَرْحُونَ: وَأَمَّا إِرْسَالُهُمَا " أَيِ الْيَدَيْنِ " بَعْدَ رَفْعِهِمَا فَقَال سَنَدٌ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالأَْظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يُرْسِلَهُمَا حَال التَّكْبِيرِ،

_________

(١) صحيح البخاري ١ / ٢٩٦ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري نشر دار الطباعة المنيرة / بالقاهرة.

(٢) صحيح مسلم ١ / ٣٠١ للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري / طبع دار إحياء الكتب العربية - عيسى الحلبي / القاهرة، ونيل الأوطار ٢ / ٢٠٧، ٢٠٨ للشيخ محمد ابن علي الشوكاني / مطبعة مصطفى الحلبي.

(٣) سنن ابن ماجه ١ / ٢٦٦ للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني / مطبعة عيسى الحلبي / القاهرة.