الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 69

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

أَمْ فَسْخٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ عَنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (١)، وَفِي التَّعْرِيضِ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خِطْبَة ف ٩ - ١٣ وَتَعْرِيض ف ٤ - ٥)

عَقْدُ الأَْجْنَبِيِّ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ:

٥٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأَْجْنَبِيِّ نِكَاحُ الْمُعْتَدَّةِ أَيًّا كَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ طَلاَقٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ شُبْهَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى أَوْ كُبْرَى (٢) . وَذَلِكَ لِحِفْظِ الأَْنْسَابِ وَصَوْنِهَا مِنَ الاِخْتِلاَطِ وَمُرَاعَاةً لِحَقِّ الزَّوْجِ الأَْوَّل، فَإِنْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ فِي عِدَّتِهَا فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٣) وَالْمُرَادُ تَمَامُ الْعِدَّةِ، وَالْمَعْنَى: لاَ تَعْزِمُوا عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ، أَوْ لاَ تَعْقِدُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَنْقَضِيَ مَا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنَ الْعِدَّةِ (٤) .

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٠٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٥ - ١٣٦، وكشاف القناع ٥ / ١٨.

(٢) البدائع للكاساني ٣ / ٢٠٤، جواهر الإكليل ١ / ٢٧٦، ٢٨٣، الفواكه الدواني ٢ / ٣٣، ٣٤، الدسوقي ٢ / ٢١٧ وما بعدها، منح الجليل ٢ / ٨ وما بعدها، روضة الطالبين ٧ / ٤٣، مغني المحتاج ٣ / ١٣٥، ١٧٤ وما بعدها، المغني لابن قدامة ٩ / ١٢٠، ١٢٦.

(٣) سورة البقرة / ٢٣٥.

(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣ / ١٩٢، ١٩٣، البدائع ٣ / ٢٠٤.

يَقُول الْكَاسَانِيُّ: وَلأَِنَّ النِّكَاحَ بَعْدَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ قَائِمٌ مِنْ كُل وَجْهٍ، وَبَعْدَ الثَّلاَثِ وَالْبَائِنِ قَائِمٌ مِنْ وَجْهٍ حَال قِيَامِ الْعِدَّةِ، لِقِيَامِ بَعْضِ الآْثَارِ، وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ كَالثَّابِتِ مِنْ كُل وَجْهٍ فِي بَابِ الْحُرُمَاتِ احْتِيَاطًا، وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الطَّلاَقُ ثَلاَثًا لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّزَوُّجِ لِلأَْجَانِبِ لاَ لِلأَْزْوَاجِ؛ لأَِنَّ عِدَّةَ الطَّلاَقِ إِنَّمَا لَزِمَتْهَا حَقًّا لِلزَّوْجِ، لِكَوْنِهَا بَاقِيَةً عَلَى حُكْمِ نِكَاحِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَهَذَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّحْرِيمِ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ لاَ عَلَى الزَّوْجِ إِذْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ حَقَّهُ (١) .

وَفِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ طُلَيْحَةَ الأَْسْدِيَةَ كَانَتْ زَوْجَةَ رَشِيدٍ الثَّقَفِيِّ وَطَلَّقَهَا، فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِخَفْقَةِ ضَرَبَاتٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَال عُمَرُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَ الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُل بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الأَْوَّل، ثُمَّ إِنْ شَاءَ كَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَل بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَْوَّل، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الآْخَرِ، ثُمَّ لاَ يَنْكِحُهَا أَبَدًا (٢) .

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٠٤.

(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٣٤.

مَكَانُ الْعِدَّةِ:

٥٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَكَانَ الْعِدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ مَوْتٍ هُوَ بَيْتُ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ قَبْل مُفَارَقَةِ زَوْجِهَا، وَقَبْل مَوْتِهِ، أَوْ عِنْدَمَا بَلَغَهَا خَبَرُ مَوْتِهِ، وَتَسْتَتِرُ فِيهِ عَنْ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا (١) . فَإِذَا كَانَتْ فِي زِيَارَةِ أَهْلِهَا، فَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ، كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهَا الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُ فِيهِ لِلاِعْتِدَادِ وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهِ، فَالسُّكْنَى فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ وَجَبَتْ بِطَرِيقِ التَّعَبُّدِ، فَلاَ تَسْقُطُ وَلاَ تَتَغَيَّرُ إِلاَّ بِالأَْعْذَارِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢)

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ أَضَافَ الْبَيْتَ إِلَيْهَا، وَالْبَيْتُ الْمُضَافُ إِلَيْهَا هُوَ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ قَبْل مُفَارَقَةِ زَوْجِهَا أَوْ مَوْتِهِ، وَبِحَدِيثِ الْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ ﵂

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٠٥، فتح القدير ٤ / ٣٤٤ - ط - الحلبي، ابن عابدين ٢ / ٦٢١، جواهر الإكليل ١ / ٣٩١ وما بعدها، الدسوقي ٢ / ٤٨٤، الفواكه الدواني ٢ / ٩٧ - ٩٩، منح الجليل ٢ / ٣٩٤، روضة الطالبين ٨ / ٤١٠، مغني المحتاج ٣ / ٤٠١ وما بعدها، المغني لابن قدامة ١٧٠ وما بعدها، نيل الأوطار للشوكاني ٧ / ١٠٠ وما بعدها. ط الجيل، سبل السلام ٣ / ٢٠٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣ / ١٧٧ وما بعدها.

(٢) سورة الطلاق / ١.

أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُ بِطَرَفِ الْقَدُومِ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلاَ نَفَقَةَ؟ فَقَالَتْ: قَال الرَّسُول ﷺ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ نَادَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيتُ لَهُ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ قُلْتِ؟ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَال: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَل إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ (١) .

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ أَلْزَمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَيَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَبِهِ قَضَى عُثْمَانُ، فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵃ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَجِبُ الاِعْتِدَادُ عَلَيْهَا فِي الْمَنْزِل الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ بِهِ، أَوْ طَلَّقَهَا (٢) .

_________

(١) حديث: الفريعة بنت مالك أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٥٩١) وأعله ابن القطان وغيره بجهالة راوية فيه كما في التخليص الحبير لابن حجر (٣ / ٢٤٠) .

(٢) المغني ٩ / ١٧٠ - ١٧١.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ الْمَبْتُوتَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ (١) .

وَقَال جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ مِنَ التَّابِعِينَ: إِنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ ﵃، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) نَسَخَتِ الآْيَةَ الَّتِي جَعَلَتِ الْعِدَّةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا حَوْلًا كَامِلًا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٣) وَالنَّسْخُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، فَبَقِيَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، وَتَعَلَّقَ حَقُّهَا بِالتَّرِكَةِ، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ (٤) .

خُرُوجُ أَوْ إِخْرَاجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ مَكَانِ الْعِدَّةِ:

٥٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ مَوْتٍ مُلاَزَمَةُ السَّكَنِ فِي الْعِدَّةِ، فَلاَ تَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ لِحَاجَةٍ أَوْ عُذْرٍ، فَإِنْ

_________

(١) المغني ٩ / ١٨٢.

(٢) سورة البقرة / ٢٣٤.

(٣) سورة البقرة / ٢٤٠.

(٤) المغني ٩ / ١٧٠.

خَرَجَتْ أَثِمَتْ وَلِلزَّوْجِ فِي حَال الطَّلاَقِ أَوِ الْفَسْخِ مَنْعُهَا، وَلِوَرَثَتِهِ كَذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَوْ وَرَثَتِهِ إِخْرَاجُهَا مِنْ مَسْكَنِ النِّكَاحِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِلاَّ أَثِمُوا بِذَلِكَ لإِضَافَةِ الْبُيُوتِ إِلَيْهِنَّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ﴾ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَقًّا عَلَى الأَْزْوَاجِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ﴾ يَقْتَضِي أَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الزَّوْجَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلأَِزْوَاجِهِنَّ، فَالْعِدَّةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَقُّ الَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى لاَ يَسْقُطُ بِالتَّرَاضِي، لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِ لِلإِْسْقَاطِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل، إِلاَّ لِلأَْعْذَارِ وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ (١) كَمَا سَيَأْتِي.

وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَدَى جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ، وَذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ أَحْوَالِهَا وَبِاخْتِلاَفِ الأَْوْقَاتِ وَالأَْعْذَارِ.

خُرُوجُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ:

٥٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لاَ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ مِنْ مَسْكَنِ الْعِدَّةِ لاَ لَيْلًا وَلاَ نَهَارًا (٢) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي ١٨ / ١٥٤ وما بعدها، البدائع ٣ / ٢٠٥، فتح القدير ٤ / ٣٤٣. ط - الحلبي، جواهر الإكليل ١ / ٣٩١ - ٣٩٣، الفواكه الدواني ٢ / ٩٨، مغني المحتاج ٣ / ٤٠٢، روضة الطالبين ٨ / ٤١٥، المغني ٩ / ١٧٠ وما بعدها، ١٧٦، نيل الأوطار للشوكاني ٧ / ١٠٠.

(٢) البدائع ٣ / ٢٠٥، فتح القدير ٤ / ٣٤٤، المبسوط للسرخسي ٦ / ٣٢ - ٣٦، روضة الطالبين ٨ / ١٤٦، مغني المحتاج ٣ / ٤٠٣ - ٤٠٤.

تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ. . .﴾ إِلَخْ. فَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الأَْزْوَاجَ عَنِ الإِْخْرَاجِ وَالْمُعْتَدَّاتِ عَنِ الْخُرُوجِ، إِلاَّ إِذَا ارْتَكَبْنَ فَاحِشَةً، أَيِ: الزِّنَا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وَالأَْمْرُ بِالإِْسْكَانِ نَهْيٌ عَنِ الإِْخْرَاجِ وَالْخُرُوجِ.

قَال النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَهِيَ زَوْجَتُهُ، فَعَلَيْهِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهَا، فَلاَ تَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (١) .

وَقَال الْكَاسَانِيُّ: وَلأَِنَّهَا زَوْجَتُهُ بَعْدَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ لِقِيَامِ مِلْكِ النِّكَاحِ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَلاَ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ كَمَا قَبْل الطَّلاَقِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْدَ الطَّلاَقِ لاَ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا بِهِ، بِخِلاَفِ مَا قَبْل الطَّلاَقِ؛ لأَِنَّ حُرْمَةَ الْخُرُوجِ بَعْدَ الطَّلاَقِ لِمَكَانِ الْعِدَّةِ وَفِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ يَمْلِكُ إِبْطَالَهُ، بِخِلاَفِ مَا قَبْل الطَّلاَقِ، لأَِنَّ الْحُرْمَةَ ثَمَّةَ لِحَقِّ الزَّوْجِ خَاصَّةً فَيَمْلِكُ إِبْطَال حَقِّ نَفْسِهِ بِالإِْذْنِ بِالْخُرُوجِ (٢) .

وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا بِجَوَازِ خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ نَهَارًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، وَتَلْزَمُ مَنْزِلَهَا بِاللَّيْل لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ

_________

(١) روضة الطالبين ٨ / ٤١٦.

(٢) البدائع ٣ / ٢٠٥.

الْفَسَادِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلاَثًا، فَخَرَجَتْ تَجِدُّ نَخْلًا لَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ فَنَهَاهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَال لَهَا: اخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَكِ لَعَلَّكِ أَنْ تَصَدَّقِي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا (١) .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَدَّةِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا يَجُوزُ لَهَا فِي الأَْوْقَاتِ الْمَأْمُونَةِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبِلاَدِ وَالأَْزْمِنَةِ، فَفِي الأَْمْصَارِ وَسَطَ النَّهَارِ، وَفِي غَيْرِهَا فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَلَكِنْ لاَ تَبِيتُ إِلاَّ فِي مَسْكَنِهَا.

خُرُوجُ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ:

٥٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى جَوَازِ خُرُوجِهَا نَهَارًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، أَوْ طَرَفَيِ النَّهَارِ لِشِرَاءِ مَا يَلْزَمُهَا مِنْ مَلْبَسٍ وَمَأْكَلٍ وَدَوَاءٍ أَوْ بَيْعِ غَزْلٍ، أَوْ كَانَتْ تَتَكَسَّبُ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ مَحَلِّهَا كَالْقَابِلَةِ وَالْمَاشِطَةِ أَوْ لأَِدَاءِ عَمَلِهَا سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً

_________

(١) حديث: جابر: " طلقت خالتي ثلاثا. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١١٢١) وأبو داود (٢ / ٧٢٠) واللفظ لأبي داود.

صُغْرَى أَمْ كُبْرَى، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ السَّابِقِ: طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلاَثًا: فَخَرَجَتْ. . . إِلَخْ قَال الشَّافِعِيُّ: وَالْجِدَادُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ نَهَارًا غَالِبًا، وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ: كُل مُعْتَدَّةٍ لاَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَقْضِيهَا حَاجَتَهَا لَهَا الْخُرُوجُ، أَمَّا مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا فَلاَ تَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنٍ أَوْ ضَرُورَةٍ كَالزَّوْجَةِ، لأَِنَّهُنَّ مَكْفِيَّاتٌ بِنَفَقَةِ أَزْوَاجِهِنَّ.

بَل أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ لِلْبَائِنِ الْخُرُوجَ لَيْلًا إِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا نَهَارًا، وَكَذَا إِلَى دَارِ جَارَةٍ لَهَا لِغَزْلٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِمَا لِلتَّأَنُّسِ، بِشَرْطِ: أَنْ تَأْمَنَ الْخُرُوجَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يُؤْنِسُهَا، وَأَنْ تَرْجِعَ وَتَبِيتَ فِي بَيْتِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال: اسْتَشْهَدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَآمَ نِسَاؤُهُمْ وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِي دَارٍ فَجِئْنَ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْنَ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْل فَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا فَإِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّرْنَا إِلَى بُيُوتِنَا فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ، فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَؤُبْ كُل امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا (١) .

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٤٨٦، ٤٨٧، جواهر الإكليل ١ / ٣٩٣ الفواكه الدواني ٣ / ٩٩، تفسير القرطبي ١٨ / ١٥٤ - ١٥٥ مغني المحتاج ٤٠٣، روضة الطالبين ٨ / ٤١٦، وصحيح مسلم ١٠ / ١٠٨ - إحياء التراث، وسبل السلام ٣ / ٢٠٣، نيل الأوطار للشوكاني ٧ / ٩٧ - ١٠٠. وحديث: " استشهد رجال يوم أحد. . . ". أخرجه البيهقي (٧ / ٤٣٦) من حديث مجاهد مرسلا.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ الثَّلاَثِ أَوِ الْبَائِنِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، لِعُمُومِ النَّهْيِ وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى تَحْصِينِ الْمَاءِ (١) .

خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا:

٥٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لاَ تَخْرُجُ لَيْلًا، وَلاَ بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ نَهَارًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا (٢) . قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الْخُرُوجِ بِالنَّهَارِ لاِكْتِسَابِ مَا تُنْفِقُهُ، لأَِنَّهُ لاَ نَفَقَةَ لَهَا مِنَ الزَّوْجِ الْمُتَوَفَّى بَل نَفَقَتُهَا عَلَيْهَا، فَتَحْتَاجُ إِلَى الْخُرُوجِ لِتَحْصِيل النَّفَقَةِ، وَلاَ تَخْرُجُ بِاللَّيْل لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْخُرُوجِ بِاللَّيْل، وَإِذَا خَرَجَتْ بِالنَّهَارِ فِي حَوَائِجِهَا لاَ تَبِيتُ خَارِجَ مَنْزِلِهَا الَّذِي تَعْتَدُّ فِيهِ (٣) .

وَقَال الْمُتَوَلِّي: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، فَلاَ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (٤) وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْفُرَيْعَةِ السَّابِقِ (٥)، وَبِمَا رَوَى عَلْقَمَةُ أَنَّ نِسْوَةً مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، فَسَأَلْنَ

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٠٥.

(٢) البدائع ٣ / ٢٠٥، فتح القدير ٤ / ٣٤٤، جواهر الإكليل ١ / ٣٩٣، الدسوقي ٢ / ٤٨٦، منح الجليل ٢ / ٣٩٦، الفواكه الدواني ٢ / ٩٩، مغني المحتاج ٣ / ٤٠٣، روضة الطالبين ٨ / ٤١٦، المغني ٩ / ١٧٦، تفسير القرطبي ١٨ / ١٥٤، ١٥٥، سبل السلام ٣ / ٢٠٣، نيل الأوطار ٧ / ١٠٢، صحيح مسلم ١٠ / ١٠٨.

(٣) البدائع ٣ / ٢٠٥، وانظر الدسوقي ٢ / ٤٨٦.

(٤) روضة الطالبين ٨ / ٤١٦.

(٥) حديث الفريعة تقدم تخريجه ف ٥٧.