الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
مَنْكُوحَةً، وَلأَِنَّ الإِْرْثَ الَّذِي ثَبَتَ مُعَامَلَةً بِنَقِيضِ الْقَصْدِ لاَ يَقْتَضِي بَقَاءَ زَوْجِيَّةٍ مُوجِبَةٍ لِلأَْسَفِ وَالْحُزْنِ وَالْحِدَادِ عَلَى الْمُتَوَفَّى (١) .
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: تَحَوُّل الْعِدَّةِ مِنَ الْقُرُوءِ أَوِ الأَْشْهُرِ إِلَى وَضْعِ الْحَمْل.
٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ بِالْقُرُوءِ أَوِ الأَْشْهُرِ أَوْ بَعْدَهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ حَامِلٌ مِنَ الزَّوْجِ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَتَحَوَّل إِلَى وَضْعِ الْحَمْل، وَسَقَطَ حُكْمُ مَا مَضَى مِنَ الْقُرُوءِ أَوِ الأَْشْهُرِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا، لأَِنَّ الْحَامِل لاَ تَحِيضُ وَلأَِنَّ وَضْعَ الْحَمْل أَقْوَى دَلاَلَةً عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ آثَارِ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي انْقَضَتْ (٢)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاَتُ الأَْحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٣)﴾ .
ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ وَانْقِضَاؤُهَا:
٣٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَبْدَأُ فِي
_________
(١) فتح القدير ٤ / ١٤٢، ١٤٣، ط. دار التراث العربي، وابن عابدين ٢ / ٦٠٥ البدائع ٣ / ٢٠٠، القوانين الفقهية ٢٤٢، الدسوقي ٣ / ٤٧٥، الحطاب ٤ / ١٥٠ - ١٥٢، روضة الطالبين ٨ / ٣٩٩، المغني لابن قدامة ٩ / ١٠٨، مغني المحتاج ٣ / ٣٩٦.
(٢) البدائع ٣ / ٢٠١، الدسوقي ٢ / ٤٧٤، نهاية المحتاج ٧ / ١٢٩، روضة الطالبين ٨ / ٣٧٧، مغني المحتاج ٣ / ٣٨٩، المغني لابن قدامة ٩ / ١٠٣.
(٣) الآية / ٤ الطلاق.
الطَّلاَقِ عَقِيبَ الطَّلاَقِ، وَفِي الْوَفَاةِ عَقِيبَ الْوَفَاةِ، لأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ الطَّلاَقُ أَوِ الْوَفَاةُ، فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالطَّلاَقِ أَوِ الْوَفَاةِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ فَقَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُهَا، لَكِنْ قَال فِي الْهِدَايَةِ: وَمَشَايِخُنَا يُفْتُونَ فِي الطَّلاَقِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ الإِْقْرَارِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ، قَال الْبَابَرْتِيُّ: لِجَوَازِ أَنْ يَتَوَاضَعَا عَلَى الطَّلاَقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيَصِحَّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ لَهَا بِالدَّيْنِ وَوَصِيَّتِهِ لَهَا بِشَيْءٍ، وَيَتَوَاضَعَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ الْعِلْمِ بِالطَّلاَقِ، فَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِطَلاَقٍ مُتَقَدِّمٍ، وَقَدْ مَضَى مِقْدَارُ الْعِدَّةِ قَبْل إِقْرَارِهِ، اسْتَأْنَفَتْ عِدَّتَهَا مِنْ وَقْتِ الإِْقْرَارِ، وَتَرِثُهُ لأَِنَّهَا فِي عِدَّتِهَا، وَلاَ يَرِثُهَا لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِإِقْرَارِهِ، إِلاَّ إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ فَتَعْتَدُّ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَتْهُ الْبَيِّنَةُ، وَهَذَا فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، أَمَّا الْبَائِنُ فَلاَ يَتَوَارَثَانِ، أَمَّا عِدَّةُ الْوَفَاةِ فَتَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ الْوَفَاةِ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَبْدَأُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، وَتَبْدَأُ عِدَّةُ الأَْقْرَاءِ مِنْ حِينِ الطَّلاَقِ،
_________
(١) الهداية ٤ / ١٥٤.
(٢) الخرشي ٤ / ١٤٦.
لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَلَوْ بَلَغَتْهَا وَفَاةُ زَوْجِهَا أَوْ طَلاَقُهَا بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ كَانَتْ مُنْقَضِيَةً، فَلاَ يَلْزَمُهَا شَيْءٌ مِنْهَا، لأَِنَّ الصَّغِيرَةَ تَعْتَدُّ مَعَ عَدَمِ قَصْدِهَا. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ أَوِ الطَّلاَقِ لاَ مِنْ يَوْمِ الْعِلْمِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ يَأْتِيهَا الْخَبَرُ (٢) .
٣٣ - وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ نَوْعِهَا فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْتَهِي بِوَضْعِ الْحَمْل كُلِّهِ، وَإِذَا كَانَتِ الْعِدَّةُ بِالْقُرُوءِ فَإِنَّهَا تَنْتَهِي بِثَلاَثَةِ قُرُوءٍ، وَإِذَا كَانَتِ الْعِدَّةُ بِالأَْشْهُرِ فَإِنَّهَا تُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الْفُرْقَةِ أَوِ الْوَفَاةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِمُضِيِّ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ.
وَبَيَّنَ الْكَاسَانِيُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ فَقَال: انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ نَوْعَانِ: الأَْوَّل بِالْقَوْل، وَالثَّانِي بِالْفِعْل.
أَمَّا الْقَوْل فَهُوَ: إِخْبَارُ الْمُعْتَدَّةِ بِانْقِضَاءِ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٣٩٧ - ٤٠١ ونهاية المحتاج ٧ / ١٣٩ - ١٤٣.
(٢) المغني ٩ / ١٨٨ - ١٩١.
الْعِدَّةِ فِي مُدَّةٍ يُحْتَمَل الاِنْقِضَاءُ فِي مِثْلِهَا، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً مِنْ ذَوَاتِ الأَْشْهُرِ فَإِنَّهَا لاَ تُصَدَّقُ فِي أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً مِنْ ذَوَاتِ الأَْقْرَاءِ وَمُعْتَدَّةً مِنْ وَفَاةٍ، فَإِنَّهَا لاَ تُصَدَّقُ فِي أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، أَوْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقٍ فَإِنْ أَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ تَنْقَضِي فِي مِثْلِهَا الْعِدَّةُ يُقْبَل قَوْلُهَا، وَإِنْ أَخْبَرَتْ فِي مُدَّةٍ لاَ تَنْقَضِي فِي مِثْلِهَا الْعِدَّةُ لاَ يُقْبَل قَوْلُهَا؛ لأَِنَّ قَوْل الأَْمِينِ إِنَّمَا يُقْبَل فِيمَا لاَ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ، وَالظَّاهِرُ هُنَا يُكَذِّبُهَا، فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهَا إِلاَّ إِذَا فَسَّرَتْ مَعَ يَمِينِهَا، فَيُقْبَل قَوْلُهَا مَعَ هَذَا التَّفْسِيرِ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ لاَ يُكَذِّبُهَا مَعَ التَّفْسِيرِ، وَأَقَل مَا تُصَدَّقُ فِيهِ الْمُعْتَدَّةُ بِالأَْقْرَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سِتُّونَ يَوْمًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ تِسْعَةٌ وَثَلاَثُونَ يَوْمًا.
وَأَمَّا الْفِعْل: فَيَتَمَثَّل فِي أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَنْقَضِي فِي مِثْلِهَا الْعِدَّةُ، حَتَّى لَوْ قَالَتْ: لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتِي لَمْ تُصَدَّقْ، لاَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ الأَْوَّل وَلاَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ الثَّانِي، وَنِكَاحُ الزَّوْجِ الثَّانِي جَائِزٌ؛ لأَِنَّ إِقْدَامَهَا عَلَى التَّزَوُّجِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يُحْتَمَل الاِنْقِضَاءُ فِي مِثْلِهَا دَلِيلٌ عَلَى الاِنْقِضَاءِ (١) .
_________
(١) البدائع ٣ / ١٩٨ - ٢٠٠، فتح القدير ٤ / ٣١٢، ٣٣١.
عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ:
٣٤ - الاِسْتِحَاضَةُ فِي الشَّرْعِ هِيَ: سَيَلاَنُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ مَرَضٍ وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى الْعَاذِل (١) .
فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْمُطَلَّقَةُ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ، وَاسْتَمَرَّ نُزُول الدَّمِ عَلَيْهَا بِدُونِ انْقِطَاعٍ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالْحَال لاَ يَخْلُو مِنْ أَمْرَيْنِ:
٣٥ - الأَْمْرُ الأَْوَّل: إِنِ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُمَيِّزَ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالاِسْتِحَاضَةِ بِرَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ كَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ أَوْ عَادَةٍ - وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا غَيْرَ الْمُتَحَيِّرَةِ - فَتَعْتَدُّ بِالأَْقْرَاءِ (٢) لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ وَلأَِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ لَهَا (٣) وَلأَِنَّ الدَّمَ الْمُمَيَّزَ بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ يُعَدُّ حَيْضًا، فَتَعْتَدُّ بِالأَْقْرَاءِ لاَ بِالأَْشْهُرِ (٤) .
_________
(١) رسائل ابن عابدين ١ / ٧٤، القوانين الفقهية ص ٥٦، الفواكه الدواني ٢ / ٩٢، مغني المحتاج ١ / ١٠٨، كشاف القناع ١ / ١٩٦.
(٢) البدائع ٣ / ١٩٣، فتح القدير ٤ / ٣١٢، ٣٣٥، الدسوقي ٢ / ٤٧٠، الفواكه الدواني ٢ / ٩٢، جواهر الإكليل ١ / ٣٨٥، مغني المحتاج ٣ / ٣٨٥، ٣٨٦، روضة الطالبين ٨ / ٣٦٩، المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٩ / ١٠١.
(٣) فتح القدير ٤ / ٣٣٥، روضة الطالبين ٨ / ٣٦٩.
(٤) الفواكه الدواني ٢ / ٩٢.
٣٦ - الأَْمْرُ الثَّانِي الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ الَّتِي لَمْ تَسْتَطِعِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَنَسِيَتْ قَدْرَ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَمْ غَيْرَهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِدَّتِهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُسْتَحَاضَةِ هُنَا ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ نُزُول الْحَيْضِ مَرَّةً فِي كُل شَهْرٍ، أَوْ لاِشْتِمَال كُل شَهْرٍ عَلَى طُهْرٍ وَحَيْضٍ غَالِبًا، وَلِعِظَمِ مَشَقَّةِ الاِنْتِظَارِ إِلَى سِنِّ الْيَأْسِ، وَلأَِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُرْتَابَةٌ، فَدَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (١) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ تَلَجَّمِي وَتَحَيَّضِي فِي كُل شَهْرٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ (٢) فَجَعَل لَهَا حَيْضَةً فِي كُل شَهْرٍ تَتْرُكُ فِيهَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ، وَيَثْبُتُ فِيهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، فَيَجِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ.
الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي
_________
(١) سورة الطلاق / ٤.
(٢) حديث حمنة بنت جحش. أخرجه الترمذي (١ / ٢٢٣) وابن ماجه (١ / ٢٠٥) واللفظ لابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
قَوْلٍ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ؛ لأَِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا وَلاَ تَدْرِي مَا رَفَعَهَا، وَلأَِنَّهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ لَهَا حَيْضًا مَعَ أَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا سَنَةً، كَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً لِزَوَال الرِّيبَةِ؛ لأَِنَّهَا مُدَّةُ الْحَمْل غَالِبًا، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، وَتَحِل لِلأَْزْوَاجِ بَعْدَ السَّنَةِ، وَقِيل: بِأَنَّ السَّنَةَ كُلَّهَا عِدَّةٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِلاَفَ لَفْظِيٌّ عِنْدَهُمْ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: بِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ الْمُتَحَيِّرَةَ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ سِنِّ الْيَأْسِ، أَوْ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِلاِحْتِيَاطِ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَبَاعَدَ حَيْضُهَا وَطَال طُهْرُهَا، أَوْ لأَِنَّهَا قَبْل الْيَأْسِ مُتَوَقِّعَةٌ لِلْحَيْضِ الْمُسْتَقِيمِ (١) .
عِدَّةُ الْمُرْتَابَةِ أَوْ مُمْتَدَّةِ الطُّهْرِ:
٣٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَابَةَ أَوِ الْمُمْتَدَّ طُهْرُهَا هِيَ: الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا دُونَ حَمْلٍ وَلاَ يَأْسٍ، فَإِذَا فَارَقَهَا زَوْجُهَا، وَانْقَطَعَ دَمُ حَيْضِهَا لِعِلَّةٍ تُعْرَفُ،
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٣١٢، ٣٣٥، الدسوقي ٢ / ٤٧٠، جواهر الإكليل ١ / ٣٨٥، الفواكه الدواني ٢ / ٩٢، مغني المحتاج ٣ / ٣٨٥، روضة الطالبين ٨ / ٣٦٩، المغني لابن قدامة ٩ / ١٠٢.
كَرَضَاعٍ وَنِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَإِنَّهَا تَصْبِرُ وُجُوبًا، حَتَّى تَحِيضَ، فَتَعْتَدُّ بِالأَْقْرَاءِ، أَوْ تَبْلُغُ سِنَّ الْيَأْسِ فَتَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ كَالآْيِسَةِ، وَلاَ تُبَالِي بِطُول مُدَّةِ الاِنْتِظَارِ، لأَِنَّ الاِعْتِدَادَ بِالأَْشْهُرِ جُعِل بَعْدَ الْيَأْسِ بِالنَّصِّ، فَلَمْ يَجُزْ الاِعْتِدَادُ بِالأَْشْهُرِ قَبْلَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ فِي الْمُرْضِعِ.
وَأَمَّا إِذَا حَاضَتْ ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا دُونَ عِلَّةٍ تُعْرَفُ، فَقَدْ ذَهَبَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَابَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَتَرَبَّصُ غَالِبَ مُدَّةِ الْحَمْل: تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، لِتَتْبِينِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلِزَوَال الرِّيبَةِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْحَمْل لاَ يَمْكُثُ فِي الْبَطْنِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، فَهَذِهِ سَنَةٌ تَنْقَضِي بِهَا عِدَّتُهَا وَتَحِل لِلأَْزْوَاجِ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا لاَ يُدْرَى مَا رَفَعَهُ: تَجْلِسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِنْ بِهَا حَمْلٌ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، فَذَلِكَ سَنَةٌ، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، وَقَال الأَْثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَل عَنِ الرَّجُل يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَتَحِيضُ حَيْضَةً ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا قَال: أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: إِذَا رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا فَلَمْ تَدْرِ مِمَّا ارْتَفَعَتْ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ سَنَةً؛ لأَِنَّ الْعِدَّةَ لاَ تُبْنَى عَلَى عِدَّةٍ أُخْرَى (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ: بِأَنَّهَا تَصْبِرُ حَتَّى تَحِيضَ فَتَعْتَدُّ بِالأَْقْرَاءِ أَوْ تَيْأَسُ فَتَعْتَدُّ بِالأَْشْهُرِ، كَمَا لَوِ انْقَطَعَ الدَّمُ لِعِلَّةٍ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَل الاِعْتِدَادَ بِالأَْشْهُرِ إِلاَّ لِلَّتِي لَمْ تَحِضْ وَالآْيِسَةِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا؛ لأَِنَّهَا تَرْجُو عَوْدَ الدَّمِ، فَأَشْبَهَتْ مَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعَارِضٍ مَعْرُوفٍ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ: أَنَّ الْمُرْتَابَةَ تَتَرَبَّصُ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل: أَرْبَعَ سِنِينَ لِتَعْلَمَ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ بِيَقِينٍ، وَقِيل فِي الْقَدِيمِ أَيْضًا: تَتَرَبَّصُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل، فَحَاصِل الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ: أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ مُدَّةَ الْحَمْل
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٩٥، ابن عابدين ٢ / ٦٠٦، حاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٠، القوانين الفقهية ٢٤١، جواهر الإكليل ج١ / ٣٨٥، الفواكه الدواني ٢ / ٩٢، مغني المحتاج ٣ / ٣٨٧، روضة الطالين ٨ / ٣٧١، المغني لابن قدامة ٩ / ١٠٠.
غَالِبَهُ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ أَقَلَّهُ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ فِي حَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ حَمْلٍ.
وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ وَفْقًا لِلْمَذْهَبِ الْجَدِيدِ - وَهُوَ التَّرَبُّصُ لِسِنِّ الْيَأْسِ -: لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَأْسِ فِي الأَْشْهُرِ الثَّلاَثَةِ وَجَبَتِ الأَْقْرَاءُ، لِلْقُدْرَةِ عَلَى الأَْصْل قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْبَدَل، وَيُحْسَبُ مَا مَضَى قُرْءًا قَطْعًا؛ لأَِنَّهُ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِدَمَيْنِ، أَوْ بَعْدَ تَمَامِ الأَْشْهُرِ فَأَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا: إِنْ نَكَحَتْ بَعْدَ الأَْشْهُرِ فَقَدْ تَمَّتِ الْعِدَّةُ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَإِلاَّ فَالأَْقْرَاءُ وَاجِبَةٌ فِي عِدَّتِهَا، لأَِنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ آيِسَةً، وَقِيل: تَنْتَقِل إِلَى الأَْقْرَاءِ مُطْلَقًا تَزَوَّجَتْ أَمْ لاَ، وَقِيل: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، لاِنْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا، قِيَاسًا عَلَى الصَّغِيرَةِ الَّتِي حَاضَتْ بَعْدَ الأَْشْهُرِ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْيَأْسِ يَأْسُ عَشِيرَتِهَا، وَفِي قَوْلٍ: يَأْسُ كُل النِّسَاءِ لِلاِحْتِيَاطِ وَطَلَبًا لِلْيَقِينِ (١) .
عِدَّةُ زَوْجَةِ الصَّغِيرِ أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِ:
٣٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ عِدَّةَ زَوْجَةِ الصَّغِيرِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، كَعِدَّةِ زَوْجَةِ الْكَبِيرِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ مَاتَ عَنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ عَلَى قَوْلَيْنِ:
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٣٨٧، ٣٨٨، وروضة الطالبين ٨ / ٣٧١ - ٣٧٣.