الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ إِلَيْهِ (١) .
وَأَبَاحَ أَحْمَدُ: فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَخْذَ الضَّيْفِ مِنْ مَال مَنْ نَزَل بِهِ وَلَمْ يُقِرَّهُ بِقَدْرِ قِرَاهُ، لِظُهُورِ سَبَبِ الأَْخْذِ، وَمَتَى ظَهَرَ السَّبَبُ لَمْ يُنْسَبِ الآْخِذُ إِلَى الْخِيَانَةِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: قُلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِل بِقَوْمٍ فَلاَ يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَال لَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ (٢) .
وَقَال طَائِفَةٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا ظَهَرَ السَّبَبُ لَمْ يَجُزِ الأَْخْذُ بِغَيْرِ إِذْنٍ لإِمْكَانِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا خَفِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ وُصُول حَقِّهِ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ بِدُونِ الأَْخْذِ خُفْيَةً (٣) .
_________
(١) المغني لابن قدامة ٩ / ٣٢٥ - ٣٢٧.
(٢) حديث: " إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغى للضيف. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٣٢) ومسلم (٣ / ١٣٥٣) من حديث عقبة بن عامر.
(٣) القواعد والفوائد الأصولية ص ٣٠٩، والقواعد لابن رجب ص ٣١.
ظِلٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الظِّل فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الضِّحِّ (الشَّمْسُ أَوْ ضَوْءُهَا)، قَال الْفَيُّومِيُّ: كُل مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزَالَتْ عَنْهُ فَهُوَ ظِلٌّ، مِثْلُهُ مَا فِي اللِّسَانِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: الظِّل ضَوْءُ شُعَاعِ الشَّمْسِ إِذَا اسْتَتَرَتْ عَنْكَ بِحَاجِزٍ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ: الظِّل أَصْلُهُ السَّتْرُ، وَمِنْهُ: أَنَا فِي ظِل فُلاَنٍ، وَظِل اللَّيْل: سَوَادُهُ، وَهُوَ يَشْمَل مَا قَبْل الزَّوَال وَمَا بَعْدَهُ (٢)، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفَيْءُ:
٢ - الْفَيْءُ: هُوَ الرُّجُوعُ. وَيُطْلَقُ عَلَى الظِّل مِنَ الزَّوَال إِلَى الْغُرُوبِ (٤)، وَيُقَال لِلْفَيْءِ
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب.
(٢) مغني المحتاج ١ / ١٢٢.
(٣) ابن عابدين على الدرالمختار ١ / ٢٤٠.
(٤) المصباح المنير، وابن عابدين ١ / ٢٤٠، ومغني المحتاج ١ / ١٢٢.
التَّبَعُ، لأَِنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ (١) .
وَيُفَرِّقُ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الظِّل وَالْفَيْءِ: بِأَنَّ كُل مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزَالَتْ عَنْهُ فَهُوَ ظِلٌّ وَفَيْءٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهُوَ ظِلٌّ (٢)، وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي الْفُرُوقِ: بِأَنَّ الظِّل يَكُونُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلاَ يَكُونُ الْفَيْءُ إِلاَّ بِالنَّهَارِ (٣) .
وَقِيل: الظِّل بِالْغَدَاةِ، وَالْفَيْءُ بِالْعَشِيِّ (٤) .
وَيُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الظِّل: يَشْمَل مَا قَبْل الزَّوَال وَمَا بَعْدَهُ، وَالْفَيْءُ: مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَهُ (٥)
ب - الزَّوَال:
٣ - الزَّوَال لُغَةً: التَّنْحِيَةُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: هُوَ مَيْل الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ أَيْ وَسَطِهَا، وَيُعْرَفُ بَعْدَ تَوَقُّفِ الظِّل مِنْ الاِنْتِقَاصِ، وَإِذَا أَخَذَ الظِّل فِي الزِّيَادَةِ فَالشَّمْسُ قَدْ زَالَتْ (٦)، وَعَلَى هَذَا فَالزَّوَال سَبَبٌ لِطُول الظِّل وَالْفَيْءِ.
_________
(١) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري.
(٢) المصباح المنير مادة (ظلل) .
(٣) الفروق لأبي هلال العسكري.
(٤) لسان العرب (ظلل) .
(٥) ابن عابدين ١ / ٢٤٠، ومغني المحتاج ١ / ١٢٢.
(٦) ابن عابدين ١ / ٢٣٨، وبداية المجتهد ١ / ٤٨، ومغني المحتاج ١ / ١٢١، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٧١.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَوَّلًا - الظِّل وَأَوْقَاتُ الصَّلاَةِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ وَقْتَ صَلاَةِ الظُّهْرِ يَدْخُل بِزَوَال الشَّمْسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ.
فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ بُلُوغُ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ غَيْرُ ظِل الزَّوَال، وَهَذَا هُوَ أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ أَيْضًا (١) .
وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، سِوَى ظِل الزَّوَال، كَمَا أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ يَدْخُل بِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنَ الظِّل عِنْدَهُ (٢) .
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ ف ٨، ٩) .
ثَانِيًا - التَّبَوُّل وَالتَّخَلِّي فِي الظِّل:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّبَوُّل وَالتَّخَلِّي فِي ظِلٍّ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ (٣)، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ ﵁ قَال قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ: الْبِرَازَ فِي
_________
(١) فتح القدير ١ / ١٩٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢، ومواهب الجليل ١ / ٣٨٢، ومغني المحتاج ١ / ١٢١، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٧١ - ٣٧٥.
(٢) البدائع ١ / ١٢٣، والهداية مع فتح القدير ١ / ١٩٢.
(٣) ابن عابدين ١ / ٢٣٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٠٧، ومغني المحتاج ١ / ٤١، والمغني لابن قدامة ١ / ١٦٥.
الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّل (١) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اتَّقُوا اللَّعَّانِينَ، قَالُوا وَمَا اللَّعَّانُ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ (٢) .
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النَّهْيَ لِلْكَرَاهَةِ وَاسْتَظْهَرَ الدُّسُوقِيُّ التَّحْرِيمَ حَيْثُ قَال: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِي الْمَوْرِدِ وَالطَّرِيقِ وَالظِّل وَمَا أُلْحِقَ بِهِ حَرَامٌ (٣) .
وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ الشِّرْبِينِيُّ مِنْ كَلاَمِ النَّوَوِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي حُرْمَتُهُ لِلأَْخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَلإِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ (٤) .
وَيُلْحَقُ بِالظِّل فِي الصَّيْفِ مَحَل الاِجْتِمَاعِ فِي الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ (٥) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلاِجْتِمَاعِ عَلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ (٦) .
_________
(١) حديث معاذ: " اتقوا الملاعن الثلاث. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٩) والحاكم (١ / ١٦٧) وصححه الحاكم ووافه الذهبي. والمورد: الطريق، وقارعة الطريق: أعلاه، وقيل: صدره، وقيل: ما برز منه.
(٢) حديث: " اتقوا اللعانين؟ قالوا: وما اللعانان " أخرجه مسلم (١ / ٢٢٦) من حديث أبي هريرة.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٠٧.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٤١.
(٥) ابن عابدين ١ / ٢٢٩، والدسوقي ١ / ١٠٧، ومغني المحتاج ١ / ٤١.
(٦) ابن عابدين ١ / ٢٢٩.
ثَالِثًا: اسْتِظْلاَل الْمُحْرِمِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ اسْتِظْلاَل الْمُحْرِمِ بِمَا لاَ يُلاَمِسُ الْوَجْهَ، كَبِنَاءٍ مِنْ حَائِطٍ وَسَقْفٍ وَقَبْوٍ وَخَيْمَةٍ وَنَحْوِهَا كَالْمَحْمَل فَيَجُوزُ الاِسْتِظْلاَل بِظِلِّهِ الْخَارِجِ، كَمَا يُسْتَظَل بِالْحَائِطِ، نَازِلًا أَوْ سَائِرًا، سَوَاءٌ بِجَانِبِهِ أَوْ تَحْتِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَجَوَازُ الاِسْتِظْلاَل بِمَا إِذَا كَانَ مَا يَتَظَلَّل بِهِ ثَابِتًا فِي أَصْلٍ تَابِعٍ لَهُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَدَلِيل الْجَوَازِ هُوَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ حَيْثُ قَال فِي حَدِيثِ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ: وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَل بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ. (١) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُظِل ثَابِتًا فِي أَصْلٍ يَتْبَعُهُ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَام ف ٦٣) .
رَابِعًا: الْجُلُوسُ بَيْنَ الضِّحِّ وَالظِّل:
٧ - يُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الضِّحِّ وَالظِّل، لِحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُجْلَسَ بَيْنَ الضِّحِّ
_________
(١) المغني ٣ / ٣٨، وابن عابدين ٢ / ١٦٤، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٦، ٥٧ وحديث: " وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٩) من حديث جابر بن عبد الله.
وَالظِّل وَقَال: مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ (١) وَقَال ابْنُ مَنْصُورٍ لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الظِّل وَالشَّمْسِ؟ قَال: هَذَا مَكْرُوهٌ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَا؟ قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: صَحَّ النَّهْيُ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَال سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَال: رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبِي فِي الشَّمْسِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَوَّل إِلَى الظِّل.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَاءَ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَامَ فِي الشَّمْسِ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُوِّل إِلَى الظِّل (٢) .
_________
(١) حديث: " نهى أن يجلس بين الضح والظل " أخرجه أحمد بن حنبل (٣ / ٤١٣، ٤١٤) وحسن إسناده البوصيري في الزوائد (٢ / ٢٥١) .
(٢) الأداب الشرعية ٣ / ١٦٠ طبعة أولى - المنار. وحديث قيس بن أبي حازم: " رأى رسول الله ﷺ أبي في الشمس. . . " عزاه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣ / ١٦٠) إلى سعيد بن منصور، ونقل عن إسحاق بن راهويه أنه قال: صح النهي فيه عن النبي ﷺ، ورواية قيس عن أبيه أنه جاء ورسول الله ﷺ يخطب. أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٣) وجود إسناده ابن مفلح في الأداب الشرعية (٣ / ١٦٠) .
ظُلْمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - أَصْل الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالْجَوْرُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالْمَيْل عَنِ الْقَصْدِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى سُمِّيَ كُل عَسْفٍ ظُلْمًا (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَغْيُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الْبَغْيِ فِي اللُّغَةِ: الظُّلْمُ وَالْفَسَادُ وَالاِسْتِطَالَةُ عَلَى النَّاسِ. . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ فِي الْجُمْلَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
ب - الإِْكْرَاهُ:
٣ - الإِْكْرَاهُ لُغَةً: مِنَ الْكُرْهِ - بِالضَّمِّ -
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وجمهرة اللغة مادة: (ظلم) .
(٢) فتح القدير ٥ / ٤٣٣.
(٣) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (بغى) والموسوعة الفقهية (بغاة) ٨ / ١٣٠.
بِمَعْنَى الْقَهْرِ، أَوْ مِنَ الْكَرْهِ - بِالْفَتْحِ - بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ، وَأَكْرَهْتُهُ عَلَى الأَْمْرِ إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ قَهْرًا (١) .
وَعَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ: بِأَنَّهُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِكْرَاه ف ٩٨) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الظُّلْمِ وَالإِْكْرَاهِ: أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَكُونُ صُورَةً مِنْ صُوَرِ الظُّلْمِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - الظُّلْمُ مُحَرَّمٌ، دَل عَلَى حُرْمَتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٣) .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءٍ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ﴾ (٤) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رُوِيَ عَنِ اللَّهِ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) الفروق لأبي هلال العسكري ص ١٩٢.
(٣) سورة النساء / ١٦٨، ١٦٩.
(٤) سورة هود / ١١٣.
تَعَالَى أَنَّهُ قَال: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا. . (١) الْحَدِيثَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لأَِخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْل أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحَمَل عَلَيْهِ (٢)
. وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، قَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الظُّلْمُ يَشْتَمِل عَلَى مَعْصِيَتَيْنِ: أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمُبَارَزَةُ الرَّبِّ بِالْمُخَالَفَةِ، وَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا، لأَِنَّهُ لاَ يَقَعُ غَالِبًا إِلاَّ بِالضَّعِيفِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى الاِنْتِصَارِ، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الظُّلْمُ عَنْ ظُلْمَةِ الْقَلْبِ؛ لأَِنَّهُ لَوِ اسْتَنَارَ بِنُورِ الْهُدَى لاَعْتَبَرَ، فَإِذَا سَعَى الْمُتَّقُونَ بِنُورِهِمُ الَّذِي حَصَل لَهُمْ بِسَبَبِ التَّقْوَى اكْتَنَفَتْ ظُلُمَاتُ الظُّلْمِ الظَّالِمَ، حَيْثُ لاَ يُغْنِي عَنْهُ ظُلْمُهُ شَيْئًا (٣) .
_________
(١) حديث: " قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. . . " أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٤) من حديث أبي ذر.
(٢) حديث: " من كانت له مظلمة لأخيه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.
(٣) فتح الباري ٥ / ١٠٠.