الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 66

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

الْقُنُوتُ لِصَرْفِ الطَّاعُونِ:

٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اسْتِحْبَابَ الْقُنُوتِ فِي الصَّلاَةِ لِصَرْفِ الطَّاعُونِ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ أَشَدِّ النَّوَازِل (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ لِرَفْعِ الطَّاعُونِ؛ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ وَلَمْ يَقْنُتُوا لَهُ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ الصَّلاَةِ لِدَفْعِ الطَّاعُونِ؛ لأَِنَّهُ عُقُوبَةٌ مِنْ أَجْل الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً لِغَيْرِهِمْ (٣) .

وَفِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُقْنَتُ فِيهَا لِلنَّوَازِل وَفِي الإِْسْرَارِ أَوِ الْجَهْرِ بِهِ، تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (قُنُوت) .

الْقُدُومُ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ:

٣ - يَرَى جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَنْعَ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ وَمَنْعَ الْخُرُوجِ مِنْهُ فِرَارًا مِنْ ذَلِكَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ ﷿ بِهِ أُنَاسًا مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٤٥١ وتحفة المحتاج ٢ / ٦٨، ونهاية المحتاج ١ / ٤٨٧ (نشر المكتبة الإسلامية) .

(٢) كشاف القناع ١ / ٤٢١، ونهاية المحتاج ١ / ٤٨٧.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ٣٠٨ (نشر دار الفكر) .

بِهِ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَفِرُّوا مِنْهُ (١) .

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَل سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَال أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْهُ، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هُوَ عَذَابٌ أَوْ رِجْزٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَوْ نَاسٍ كَانُوا قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَهَا عَلَيْكُمْ فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا (٢) .

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَال: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الإِْبِل، الْمُقِيمُ فِيهَا كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ (٣) .

٤ - قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَفِي الْمَنْعِ مِنَ الدُّخُول إِلَى الأَْرْضِ الَّتِي قَدْ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ عِدَّةُ حِكَمٍ:

إِحْدَاهَا: تَجَنُّبُ الأَْسْبَابِ الْمُؤْذِيَةِ، وَالْبُعْدُ مِنْهَا.

_________

(١) حديث: " الطاعون آية الرجز. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٧٩)، ومسلم (٤ / ١٧٣٨) من حديث أسامة بن زيد واللفظ لمسلم.

(٢) حديث أسامة بن زيد: " هو عذاب أو رجز. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٥١٣)، ومسلم (٤ / ١٧٣٨)، واللفظ لمسلم.

(٣) حديث عائشة: " قلت: يا رسول الله، فما الطاعون. . . " أخرجه أحمد (٦ / ١٤٥)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ٣١٤)، وقال: رجال أحمد ثقات.

الثَّانِيَةُ: الأَْخْذُ بِالْعَافِيَةِ الَّتِي هِيَ مَادَّةُ الْمَعَاشِ وَالْمُعَادِ.

الثَّالِثَةُ: أَنْ لاَ يَسْتَنْشِقُوا الْهَوَاءَ الَّذِي قَدْ عَفَنَ وَفَسَدَ فَيُصِيبُهُمُ الْمَرَضُ.

الرَّابِعَةُ: أَنْ لاَ يُجَاوِرُوا الْمَرْضَى الَّذِينَ قَدْ مَرِضُوا بِذَلِكَ، فَيَحْصُل لَهُمْ بِمُجَاوِرَتِهِمْ مِنْ جِنْسِ أَمْرَاضِهِمْ.

الْخَامِسَةُ: حَمَايَةُ النُّفُوسِ عَنِ الطِّيَرَةِ وَالْعَدْوَى؛ فَإِنَّهَا تَتَأَثَّرُ بِهِمَا، فَإِنَّ الطِّيَرَةَ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ بِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي النَّهْيِ عَنِ الدُّخُول فِي أَرْضِهِ الأَْمْرُ بِالْحَذَرِ وَالْحَمِيَّةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لأَِسْبَابِ التَّلَفِ، وَفِي النَّهْيِ عَنِ الْفِرَارِ مِنْهُ الأَْمْرُ بِالتَّوَكُّل وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ، فَالأَْوَّل: تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ، وَالثَّانِي تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ.

وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَبُو عَبِيدَةُ بْنُ الْجَرَّاحِ ﵁ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَقَال لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ادْعُ لِيَ الْمُهَاجِرِينَ الأَْوَّلِينَ، قَال: فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَال لَهُ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لأَِمْرٍ، فَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَال آخَرُونَ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلاَ نَرَى أَنْ تُقَدِّمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ،

فَقَال عُمَرُ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَال: ادْعُ لِيَ الأَْنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيل الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَال: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَال: ادْعُ لِي مَنْ هَاهذُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلاَنِ، قَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقَدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَأَذَّنَ عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ قَال: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهَا خِصْبَةٌ، وَالأُْخْرَى جَدْبَةٌ أَلَسْتَ إِنْ رَعَيْتَهَا الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ رَعَيْتَهَا الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَال: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَاتِهِ، فَقَال: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ (١) .

٥ - وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ

_________

(١) زاد المعاد (٤ / ٤٤ - ٤٥) . وحديث: " أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٧٩)، ومسلم (٤ / ١٧٤٠) .

الْبَلَدِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ حِكَمًا: مِنْهَا: أَنَّ الطَّاعُونَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ عَامًّا فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ فَإِذَا وَقَعَ فَالظَّاهِرُ مُدَاخَلَةُ سَبَبِهِ لِمَنْ بِهَا، فَلاَ يُفِيدُهُ الْفِرَارُ، لأَِنَّ الْمَفْسَدَةَ إِذَا تَعَيَّنَتْ - حَتَّى لاَ يَقَعَ الاِنْفِكَاكُ عَنْهَا - كَانَ الْفِرَارُ عَبَثًا فَلاَ يَلِيقُ بِالْعَاقِل.

وَمِنْهَا: أَنَّ النَّاسَ لَوْ تَوَارَدُوا عَلَى الْخُرُوجِ لَصَارَ مَنْ عَجَزَ عَنْهُ - بِالْمَرَضِ الْمَذْكُورِ أَوْ بِغَيْرِهِ - ضَائِعَ الْمَصْلَحَةِ لِفَقْدِ مَنْ يَتَعَهَّدُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا. وَأَيْضًا فَلَوْ شُرِعَ الْخُرُوجُ فَخَرَجَ الأَْقْوِيَاءُ لَكَانَ فِي ذَلِكَ كَسْرُ قُلُوبِ الضُّعَفَاءِ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ حِكْمَةَ الْوَعِيدِ فِي الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ مَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ مَنْ لَمْ يَفِرَّ وَإِدْخَال الرُّعْبِ عَلَيْهِ بِخِذْلاَنِهِ (١) .

وَمِنْهَا: حَمْل النُّفُوسِ عَلَى الثِّقَةِ بِاللَّهِ، وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَقْضِيَتِهِ وَالرِّضَا بِهَا (٢) .

وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي قَوْلَهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْقُدُومَ عَلَيْهِ (أَيْ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ) وَالْخُرُوجَ مِنْهُ فِرَارًا، قَال الْقَاضِي: وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَأَنَّهُ نَدِمَ عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ سَرْغَ، وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ وَمَسْرُوقٍ وَالأَْسْوَدِ بْنِ هِلاَلٍ أَنَّهُمْ فَرُّوا

_________

(١) فتح الباري (١٠ / ١٨٩) .

(٢) زاد المعاد (٤ / ٤٣) .

مِنَ الطَّاعُونِ، وَقَال عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فِرُّوا عَنْ هَذَا الرِّجْزِ فِي الشِّعَابِ وَالأَْوْدِيَةِ وَرُءُوسِ الْجِبَال فَقَال مُعَاذٌ: بَل هُوَ شَهَادَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَيَتَأَوَّل هَؤُلاَءِ النَّهْيَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنِ الدُّخُول عَلَيْهِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ غَيْرُ الْمُقَدَّرِ، لَكِنْ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَى النَّاسِ، لِئَلاَّ يَظُنُّوا أَنَّ هَلاَكَ الْقَادِمِ إِنَّمَا حَصَل بِقُدُومِهِ، وَسَلاَمَةُ الْفَارِّ إِنَّمَا كَانَتْ بِفِرَارِهِ، وَقَالُوا: وَهُوَ مِنْ نَحْوِ النَّهْيِ عَنِ الطِّيَرَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ الْمَجْذُومِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَالْفَارِّ، أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُول: فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُول: أَقَمْتُ فَمُتُّ، وَإِنَّمَا فَرَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ أَجَلُهُ، وَأَقَامَ مَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ.

قَال النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ وَالْفِرَارِ مِنْهُ لِظَاهِرِ الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (١) . قَال الْعُلَمَاءُ: وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا (٢) .

هَذَا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْخُرُوجِ بِشُغْلٍ وَغَرَضٍ غَيْرِ الْفِرَارِ، وَدَلِيلُهُ صَرِيحُ الأَْحَادِيثِ (٣) .

_________

(١) صحيح مسلم بشرح النووي (١٤ / ٢٠٥ - ٢٠٧) .

(٢) حديث: " لا تتمنوا لقاء العدو. . . " أخرجه البخاري (٦ / ١٥٦)، ومسلم (٣ / ١٣٦٢)، واللفظ لمسلم.

(٣) صحيح مسلم بشرح النووي (١٤ / ٢٠٧)، وعمدة القاري (٢١ / ٢٥٩) .

أَجْرُ الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعُونِ:

٦ - جَاءَ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ اسْتِوَاءُ شَهِيدِ الطَّاعُونِ وَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ السُّلَمِيِّ رَفْعَهُ يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفُّونَ بِالطَّاعُونِ، فَيَقُول أَصْحَابُ الطَّاعُونِ: نَحْنُ الشُّهَدَاءُ، فَيُقَال: انْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيل دَمًا وَرِيحُهَا كَرِيحِ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ (١) .

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْل أَجْرِ الشَّهِيدِ (٢) . وَيُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُصُول أَجْرِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ يَمُوتُ بِالطَّاعُونِ مُقَيَّدٌ بِمَا يَلِي:

أ - أَنْ يَمْكُثَ صَابِرًا غَيْرَ مُنْزَعِجٍ بِالْمَكَانِ

_________

(١) حديث عتبة بن عبد السلمي: " يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون. . . " أخرجه أحمد (٤ / ١٨٥)، وحسنه ابن حجر في فتح الباري (١٠ / ١٩٤) .

(٢) حديث عائشة: " أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون. . . ". أخرجه البخاري (١٠ / ١٩٢) .

الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّاعُونُ فَلاَ يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ.

ب - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ.

فَلَوْ مَكَثَ وَهُوَ قَلِقٌ أَوْ نَادِمٌ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ ظَانًّا أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمَا وَقَعَ بِهِ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَأَنَّهُ بِإِقَامَتِهِ يَقَعُ بِهِ، فَهَذَا لاَ يَحْصُل لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ وَلَوْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ، هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ، كَمَا اقْتَضَى مَنْطُوقُهُ أَنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَحْصُل لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِالطَّاعُونِ (١) .

وَالْمُرَادُ بِشَهَادَةِ الْمَيِّتِ بِالطَّاعُونِ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ فِي الآْخِرَةِ ثَوَابُ الشَّهِيدِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (٢) .

قَال الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ، أَوْ بِوَجَعِ الْبَطْنِ مُلْحَقٌ بِمَنْ قُتِل فِي سَبِيل اللَّهِ لِمُشَارَكَتِهِ إِيَّاهُ فِي بَعْضِ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْكَرَامَةِ بِسَبَبِ مَا كَابَدَهُ، لاَ فِي جُمْلَةِ الأَْحْكَامِ وَالْفَضَائِل (٣) .

_________

(١) فتح الباري (١٠ / ١٩٣ - ١٩٤) .

(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (١٣ / ٦٣) .

(٣) عمدة القاري (٢١ / ٢٦١) .

طَالِبُ الْعِلْمِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الطَّالِبُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الطَّلَبِ، وَالطَّلَبُ لُغَةً: مُحَاوَلَةُ وُجْدَانِ الشَّيْءِ وَأَخْذِهِ (١) .

وَالْعِلْمُ لُغَةً: نَقِيضُ الْجَهْل، وَالْمَعْرِفَةُ، وَالْيَقِينُ.

وَاصْطِلاَحًا: هُوَ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ.

وَقَال صَاحِبُ التَّعْرِيفَاتِ: هُوَ الاِعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ.

وَقَال الْحُكَمَاءُ: هُوَ حُصُول صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْل (٢) .

فَضْل طَالِبِ الْعِلْمِ:

٢ - لِطَالِبِ الْعِلْمِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وَمِيزَةٌ خَاصَّةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْخَلاَئِقِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الأَْدِلَّةُ الْمُسْتَفِيضَةُ بِذَلِكَ.

فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ

_________

(١) لسان العرب، مادة (طلب)، والكليات ٣ / ١٥٣.

(٢) لسان العرب والمصباح المنير، مادة (علم)، والتعريفات ١٩٩، والكليات ٣ / ٢٠٧.

قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَْرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْل الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَْنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَْنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ (١) .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ أَوْ عَالِمًا وَمُتَعَلِّمًا (٢) .

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيل اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ (٣) .

_________

(١) حديث أبي الدرداء: " من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٤٨ - ٤٩)، وقال: ليس هو عندي بمتصل. وأخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: " من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ".

(٢) حديث أبي هريرة: " الدنيا ملعونة ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٣٧٧)، والترمذي (٤ / ٥٦١)، وحسنه.

(٣) المجموع ١ / ٨١ (ط. المكتبة السلفية المدينة المنورة)، إحياء علوم الدين ١ / ١١، ١٥، (ط. مصطفى الحلبي ١٩٣٩)، جامع بيان العلم وفضله ١ / ٥٥ (ط. المنيرية)، الآداب الشرعية ٢ / ٣٩ (ط. مكتبة الرياض) . وحديث أنس بن مالك: " من خرج في طلب العلم ". أخرجه الترمذي (٥ / ٢٩)، وأعله المناوي براو متكلم فيه، كما في فيض القدير (٦ / ١٢٤) .