الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨
فَإِذَا قَبَضَ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَدَل الصُّلْحِ، وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُصَالِحِ، هَلَكَ مِنْ ضَمَانِهِ، كَمَا لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ بَعْدَ قَبْضِهِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. (انْظُرْ: صُلْح) .
الضَّمَانُ فِي عَقْدِ التَّخَارُجِ:
٤٤ - التَّخَارُجُ: اصْطِلاَحُ الْوَرَثَةِ عَلَى إِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنَ التَّرِكَةِ، بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ (١) .
وَيُعْتَبَرُ بِمَثَابَةِ تَنَازُل أَحَدِ الْوَرَثَةِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ، فِي مُقَابِل مَا يَتَسَلَّمُهُ مِنَ الْمَال، عَقَارًا كَانَ أَوْ عُرُوضًا أَوْ نُقُودًا، فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بَيْعًا، فَإِذَا قَبَضَ الْمُخْرِجُ مِنَ التَّرِكَةِ بَدَل الْمُخَارَجَةِ أَخَذَ حُكْمَ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِهِ، تَمَلُّكًا وَتَصَرُّفًا وَاسْتِحْقَاقًا، فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ مِنْ حِسَابِهِ الْخَاصِّ، كَالْمَبِيعِ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ، وَهَذَا لأَِنَّهُ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ بَيْعًا، فَكَانَ مَضْمُونًا كَضَمَانِ الْمَبِيعِ. (انْظُرْ: تَخَارُج) .
الضَّمَانُ فِي عَقْدِ الْقَرْضِ:
٤٥ - يُشْبِهُ الْقَرْضُ الْعَارِيَّةَ فِي الاِبْتِدَاءِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّلَةِ، وَالْمُعَاوَضَةِ فِي الاِنْتِهَاءِ، لِوُجُودِ رَدِّ الْمِثْل، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِتَبَرُّعٍ مَحْضٍ، لِمَكَانِ الْعِوَضِ، وَلَيْسَ جَارِيًا عَلَى حَقِيقَةِ
_________
(١) الكفاية للكولاني بهامش تكملة القدير شرح الهداية ٧ / ٥٢ الطبعة الأولى.
الْمُعَاوَضَاتِ، بِدَلِيل الرُّجُوعِ فِيهِ مَا دَامَ بَاقِيًا (١) .
وَيُمْلَكُ الْقَرْضُ بِالْقَبْضِ، كَالْمَوْهُوبِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - لأَِنَّهُ لاَ يَتِمُّ التَّبَرُّعُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، بِالتَّصَرُّفِ وَالْعَقْدِ (٢) .
فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُقْتَرِضُ، ضَمِنَهُ، كُلَّمَا هَلَكَ، بِآفَةٍ أَوْ تَعَدٍّ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، كَالْمَبِيعِ وَالْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، لأَِنَّ قَبْضَهُ قَبْضُ ضَمَانٍ، لاَ قَبْضُ حِفْظٍ وَأَمَانَةٍ كَقَبْضِ الْعَارِيَّةِ.
٤٦ - وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِقَرْضٍ فَاسِدٍ كَالْمَقْبُوضِ، بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، سَوَاءٌ، فَإِذَا هَلَكَ ضَمِنَهُ الْمُقْتَرِضُ فَيَحْرُمُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، لَكِنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ، لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ لاَ يَحِل، لأَِنَّ الْفَاسِدَ يَجِبُ فَسْخُهُ، وَالْبَيْعُ مَانِعٌ مِنَ الْفَسْخِ، فَلاَ يَحِل، كَمَا لاَ تَحِل سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْفَسْخِ (٣) .
وَالْقَرْضُ الْفَاسِدُ يُمْلَكُ بِقَبْضِهِ، وَيُضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ، كَبَيْعٍ فَسَدَ (٤) .
وَلَوْ أَقْرَضَ صَبِيًّا، فَهَلَكَ الْقَرْضُ فِي يَدِهِ،
_________
(١) حاشية عميرة على شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٦٠.
(٢) الدر المختار ٤ / ١٧٣ وقد صحح القولين. وانظر جواهر الإكليل ٢ / ٧٦، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٦٠، والشرح الكبير مع المغني ٤ / ٣٥٧.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٧٢.
(٤) جامع الفصولين ٢ / ٥٨.
لاَ يَضْمَنُ بِالاِتِّفَاقِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ.
أَمَّا لَوِ اسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضْمَنُ بِالتَّعَمُّدِ وَالاِسْتِهْلاَكِ. قَال فِي الْخَانِيَّةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ بِالْبَيْعِ، كَانَ كَالْبَائِعِ، يَضْمَنُ الْقَرْضَ، بِالْهَلاَكِ وَالاِسْتِهْلاَكِ (١) .
(انْظُرْ: قَرْض) .
الضَّمَانُ فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ:
٤٧ - لاَ بُدَّ مِنَ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ، فَيَجْرِي فِيهِ الضَّمَانُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا، ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ عَيْنًا مُعَيَّنَةً، فَإِنَّ الزَّوْجَةَ تَمْلِكُهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُسَلِّمَهَا الْعَيْنَ، وَلَوْ لَمْ تَتَسَلَّمْهَا بَقِيَتْ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ مَا دَامَتْ فِي يَدِهِ، عَيْنًا مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا، لأَِنَّهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِمَالٍ، فَإِذَا هَلَكَتْ قَبْل تَسْلِيمِهَا إِلَى الزَّوْجَةِ:
فَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَضْمُونَ فِي هَذِهِ الْحَال، هُوَ قِيمَةُ الْعَيْنِ أَوْ مِثْلُهَا، كَسَائِرِ الأَْعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا: كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَبَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمٍ،
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٧٤، وانظر الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٦.
وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. . . وَلاَ يَبْطُل الزَّوَاجُ بِهَلاَكِ بَدَل الْمَهْرِ (١) .
وَالْمَنْصُوصُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ لَوْ أَصْدَقَ عَيْنًا، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ قَبْل قَبْضِهَا، ضَمَانَ عَقْدٍ، لاَ ضَمَانَ يَدٍ، وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهَا هُوَ، وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، لاِنْفِسَاخِ عَقْدِ الصَّدَاقِ بِالتَّلَفِ (٢) . (انْظُرْ: مَهْر) .
٤٨ - وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ، وَيَجْرِي فِيهِ الضَّمَانُ، فَلَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَلَكَتِ الْعَيْنُ قَبْل الدَّفْعِ إِلَى الزَّوْجِ:
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ عَلَيْهَا مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا.
قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَلَوْ هَلَكَ بَدَلُهُ (يَعْنِي بَدَل الْخُلْعِ) فِي يَدِهَا، قَبْل الدَّفْعِ، أَوِ اسْتُحِقَّ، فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ لَوِ الْبَدَل قِيَمِيًّا، وَمِثْلُهُ لَوْ مِثْلِيًّا، لأَِنَّ الْخُلْعَ لاَ يَقْبَل الْفَسْخَ (٣) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهَا مَهْرَ مِثْلِهَا. (انْظُرْ: خُلْع) .
ثَالِثًا: الضَّمَانُ فِي عُقُودِ الأَْمَانَةِ:
ضَمَانُ الْوَدِيعَةِ:
٤٩ - تُعْتَبَرُ الْوَدِيعَةُ مِنْ عُقُودِ الأَْمَانَةِ، وَهِيَ
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ٢٦٨.
(٢) شرح المنهج بحاشية الجمل ٤ / ٢٣٧، ٢٣٨.
(٣) الدر المختار ٢ / ٥٦١.
أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ (أَوِ الْوَدِيعِ) فَهُوَ أَمِينٌ غَيْرُ ضَامِنٍ لِمَا يُصِيبُ الْوَدِيعَةَ، مِنْ تَلَفٍ جُزْئِيٍّ أَوْ كُلِّيٍّ، إِلاَّ أَنْ يَحْدُثَ التَّلَفُ بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ أَوْ إِهْمَالِهِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ، وَلاَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ (١) .
وَالْمُغِل هُوَ: الْخَائِنُ، فِي الْمَغْنَمِ وَغَيْرِهِ (٢) .
وَمَا رُوِيَ - أَيْضًا - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (٣) .
وَمِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ فِي الْوَدِيعَةِ التَّعَدِّي أَوْ التَّقْصِيرُ أَوِ الإِْهْمَال، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَدِيعَة) .
ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ:
٥٠ - مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَأَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ - كَمَا نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ - وَقَوْل أَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّ الْعَارِيَّةَ
_________
(١) حديث: " ليس على المستعير غير المغل ضمان. . . . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ٤١) ثم ضعف راويين في إسناده وقال: (وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع) .
(٢) المصباح المنير. مادة: (غلل) .
(٣) حديث: " من أودع فلا ضمان عليه ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٠٢) وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٤٢) .
مَضْمُونَةٌ، سَوَاءٌ أُتْلِفَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَمْ تَلِفَتْ بِفِعْل الْمُسْتَعِيرِ، بِتَقْصِيرٍ أَوْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ (١) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ، وَاسْتَدَلُّوا: بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَدْرُعًا، يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَال: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَال: بَل عَارِيَّةً مَضْمُونَةً وَفِي رِوَايَةٍ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، أَعَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ، قَال: نَعَمْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ (٢) .
وَحَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٣) .
وَلأَِنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ، لِنَفْعِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلاَ إِذْنٍ، فَكَانَ مَضْمُونًا، كَالْغَاصِبِ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ.
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٣٨٢ (ط: الثانية. دار الكتب الإسلامية. القاهرة: ١٤٠٣ هـ. ١٩٨٣) م. والقوانين الفقهية ص ٢٤٥ وروضة الطالبين ٤ / ٤٣١ والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٣٥٥.
(٢) حديث جابر بن عبد الله: " أن النبي ﷺ استعار من صفوان ابن أمية أدرعا. . . . ". أخرجه الحاكم ٣ / ٤٩، وصححه ووافقه الذهبي، والرواية الأخرى أخرجها أبو داود (٣ / ٨٢٦) من حديث صفوان بن أمية، وقال ابن حزم في المحلي (٩ / ١٧٣) حديث حسن.
(٣) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". تقدم تخريجه ف ٦.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ، فَلاَ تُضْمَنُ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلاَ تَقْصِيرٍ (١) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ (٢) .
وَلأَِنَّ عَقْدَ الْعَارِيَّةِ تَمْلِيكٌ أَوْ إِبَاحَةٌ لِلْمَنْفَعَةِ، وَلاَ تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْعَيْنِ، وَلَيْسَ فِي قَبْضِهَا تَعَدٍّ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَانْتَفَى سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ.
وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ حَال الْعَارِيَّةِ مِنَ الأَْمَانَةِ إِلَى الضَّمَانِ، بِمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حَال الْوَدِيعَةِ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَضْمِينِ الْمُسْتَعِيرِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَارِيَّةِ، وَهُوَ: مَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ كَالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْكُتُبِ، إِلاَّ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَلاَكِهَا أَوْ ضَيَاعِهَا بِلاَ سَبَبٍ مِنْهُ فَلاَ يَضْمَنُ حِينَئِذٍ، خِلاَفًا لأَِشْهَبَ الْقَائِل: إِنَّ ضَمَانَ الْعَوَارِيِّ ضَمَانُ عَدَاءٍ، لاَ يَنْتَفِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا ذَهَبُوا إِلَى عَدَمِ تَضْمِينِهِ مَا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ، كَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، فَلاَ يَضْمَنُهُ الْمُسْتَعِيرُ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْمُعِيرُ الضَّمَانَ، وَلَوْ كَانَ لأَِمْرٍ خَافَهُ، مِنْ طَرِيقٍ
_________
(١) الدر المختار ٤ / ٥٠٣، والاختيار ٣ / ٥٦، وانظر حاشية عميرة على شرح المحلي ٣ / ٢٠، وإعانة الطالبين ٤ / ٤٣١.
(٢) حديث: " ليس على المستعير غير المغل ضمان ". تقدم تخريجه ف (٤٩) .
(٣) العناية والكفاية على الهداية ٧ / ٤٦٩، وانظر بدائع الصنائع ٦ / ٢١٧.
مَخُوفٍ أَوْ لُصُوصٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَرَّرَهُ الدُّسُوقِيُّ.
أَمَّا لَوْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ نَفْيَ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَلَهُمْ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِالشُّرُوطِ، وَيَضْمَنُ، لأَِنَّ الشَّرْطَ يَزِيدُهُ تُهْمَةً، وَلأَِنَّهُ مِنْ إِسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْل وُجُوبِهِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ.
الآْخَرُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الشَّرْطُ، وَلاَ يَضْمَنُ، لأَِنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: فَالْعَارِيَّةُ مَعْرُوفٌ، وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ آخَرُ، وَلأَِنَّ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ (١) كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ (٢) .
وَفِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ وَوَقْتِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (إِعَارَة ف ١٧) .
الضَّمَانُ فِي الشَّرِكَةِ:
٥١ - الشَّرِكَةُ قِسْمَانِ - كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ - شَرِكَةُ أَمْلاَكٍ وَشَرِكَةُ عَقْدٍ (٣) .
فَالأُْولَى يُعْتَبَرُ فِيهَا كُلٌّ مِنَ الشُّرَكَاءِ، كَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ
_________
(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٤٣٦، وانظر جواهر الإكليل ٢ / ١٤٥ و١٤٦ وقارن بكفاية الطالب ٢ / ٢٥٢.
(٢) حديث: " المسلمون عند شروطهم ". أخرجه الدارقطني في سننه (٣ / ٢٧) من حديث عمرو بن عوف، وفي إسناده ضعف، ولكن ذكر ابن حجر في التعليق (٣ / ٢٨١ - ٢٨٢) شواهد قواه بها.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٤٩٦.
فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَل ضَمِنَ (١) .
وَالثَّانِيَةُ شَرِكَةُ أَمْوَالٍ، وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ يَدَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي مَال الشَّرِكَةِ، يَدُ أَمَانَةٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، لاَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَادَلَةِ، كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَلاَ عَلَى وَجْهِ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ (٢) .
فَإِنْ قَصَّرَ فِي شَيْءٍ أَوْ تَعَدَّى، فَهُوَ ضَامِنٌ (٣) .
وَكَذَلِكَ كُل مَا كَانَ إِتْلاَفًا لِلْمَال، أَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لِلْمَال بِغَيْرِ عِوَضٍ، لأَِنَّ الشَّرِكَةَ - كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ - وُضِعَتْ لِلاِسْتِرْبَاحِ وَتَوَابِعِهِ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لاَ يَنْتَظِمُهُ عَقْدُهَا، فَيَكُونُ مَضْمُونًا (٤) .
وَكَذَا إِذَا مَاتَ مُجْهِلًا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، إِذَا كَانَ مَال الشَّرِكَةِ دُيُونًا عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، كَمَا يَضْمَنُ لَوْ مَاتَ مُجْهِلًا عَيْنَ مَال الشَّرِكَةِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الأَْمَانَاتِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ وَارِثَهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلاَ يَضْمَنُ (٥) .
وَلَوْ هَلَكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَال الشَّرِكَةِ فِي يَدِهِ
_________
(١) البدائع بتصرف ٦ / ٦٥، والدر المختار ورد المحتار ٣ / ٣٣٣.
(٢) تبيين الحقائق ٣ / ٣٢٠، والاختيار ٣ / ١٧، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٩ والإقناع بحاشية البجيرمي عليه ٣ / ١١٠، وكشاف القناع ٣ / ٥٠٠
(٣) الدر المختار ٣ / ٣٤٦، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٩.
(٤) الدر المختار ٣ / ٣٤٥ بتصرف.
(٥) الدر المختار مع رد المحتار ٣ / ٣٤٦.
مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ، لاَ يَضْمَنُهُ لأَِنَّهُ أَمِينٌ.
أَمَّا لَوْ هَلَكَ مَال الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ مَال أَحَدِهِمَا قَبْل التَّصَرُّفِ فَتَبْطُل الشَّرِكَةُ، لأَِنَّ الْمَال هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِيهَا (١) .
الضَّمَانُ فِي عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ:
٥٢ - يُعْتَبَرُ الْمُضَارِبُ أَمِينًا فِي مَال الْمُضَارَبَةِ وَأَعْيَانِهَا، لأَِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، عَلَى وَجْهٍ لاَ يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، فَكَانَ أَمِينًا، كَالْوَكِيل، وَفَارَقَ الْمُسْتَعِيرَ، لأَِنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِ الْعَارِيَّةِ (٢) .
وَهَذَا مَا لَمْ يُخَالِفْ مَا قَيَّدَهُ بِهِ رَبُّ الْمَال، فَيُصْبِحُ عِنْدَئِذٍ غَاصِبًا (٣) .
وَمَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَقْيِيدِ الْمُضَارِبِ بِبَعْضِ الْقُيُودِ، لأَِنَّهُ مُفِيدٌ، كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ، وَفِي عَدَمِ الْجَوَازِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّحْجِيرِ الْخَارِجِ عَنْ سُنَّةِ الْقِرَاضِ (٤) كَمَا يَقُول الدَّرْدِيرُ، كَالاِتِّجَارِ بِالدَّيْنِ، وَالإِْيدَاعِ، لَكِنْ هُنَاكَ قُيُودًا، لاَ تَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَتُهَا، مِنْهَا:
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٣ / ٣٤٣، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه، نقلا عن الإتقاني ٣ / ٣١٩، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٩، وانظر الشرح الكبير للدردير ٣ / ٣٥٠.
(٢) كشاف القناع ٣ / ٥٢٢ و٤٢٣.
(٣) الدر المختار ٤ / ٤٨٤، وانظر كشاف القناع ٣ / ٥٠٨.
(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١٠٠، وانظر المغني ٥ / ١٨٤، ١٨٥، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٥١٩، وشرح المحلي على المنهاج ٣ / ٥٣.