الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 47

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

مَضْمُونًا وَهَذَا مَا أَخَذَتْ بِهِ الْمَجَلَّةُ (الْمَادَّةُ: ٩٠٠)، وَلأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْقِيمَةِ، مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي الْعَيْنِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ، كَمَا كَانَتْ، وَلأَِنَّ الْغَاصِبَ إِنَّمَا يَضْمَنُ مَا غَصَبَ، وَالْقِيمَةُ لاَ تَدْخُل فِي الْغَصْبِ.

ب - وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ فَوَاتِ وَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ كَمَا لَوْ سَقَطَ عُضْوُ الْحَيَوَانِ الْمَغْصُوبِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ حَدَثَ لَهُ عِنْدَ الْغَاصِبِ عَرَجٌ أَوْ شَلَلٌ أَوْ عَمًى، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَالِكَ يَأْخُذُ الْمَغْصُوبَ، وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ النُّقْصَانَ: لِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ، أَوْ فَوَاتِ صِفَةٍ مَرْغُوبٍ فِيهَا؛ وَلأَِنَّهُ دَخَلَتْ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ بِالْغَصْبِ، فَمَا تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ، يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ.

وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ أَنْ يُقَوَّمَ صَحِيحًا، وَيُقَوَّمَ وَبِهِ الْعَيْبُ، فَيَجِبُ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا (١) .

تَصْنِيفُ الْعُقُودِ مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ:

٢٦ - يُمْكِنُ تَصْنِيفُ الْعُقُودِ مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

_________

(١) البدائع ٧ / ١٥٥، ومجمع الضمانات ص ١٣٣ والشرح الكبير للدردير ٣ / ٤٥٢ و٤٥٣ و٤٥٤، ومنح الجليل ٣ / ٥٣٧، والإقناع وحاشية البجيرمي عليه ٣ / ١٤٠ - ١٤١، وكشاف القناع ٤ / ٩١، ٩٢، ٩٣، والمغني بالشرح الكبير ٥ / ٤٠٠ - ٤٠٢.

أَوَّلًا: فَهُنَاكَ عَقْدٌ شُرِعَ لِلضَّمَانِ، أَوْ هُوَ الضَّمَانُ بِذَاتِهِ، وَهُوَ: الْكَفَالَةُ - كَمَا يُسَمِّيهَا الْحَنَفِيَّةُ - وَهِيَ - أَيْضًا -: الضَّمَانُ كَمَا يُسَمِّيهَا الْجُمْهُورُ.

ثَانِيًا: وَهُنَاكَ عُقُودٌ لَمْ تُشْرَعْ لِلضَّمَانِ، بَل شُرِعَتْ لِلْمِلْكِ وَالرِّبْحِ وَنَحْوِهِمَا، لَكِنِ الضَّمَانُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِهِ أَثَرًا لاَزِمًا لأَِحْكَامِهَا، وَتُسَمَّى: عُقُودَ ضَمَانٍ، وَيَكُونُ الْمَال الْمَقْبُوضُ فِيهَا مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ، بِأَيِّ سَبَبٍ هَلَكَ، كَعَقْدِ الْبَيْعِ، وَالْقِسْمَةِ، وَالصُّلْحِ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ، وَالْمُخَارَجَةِ، وَالْقَرْضِ، وَكَعَقْدِ الزَّوَاجِ، وَالْمُخَالَعَةِ.

ثَالِثًا: وَهُنَاكَ عُقُودٌ يَتَجَلَّى فِيهَا طَابَعُ الْحِفْظِ وَالأَْمَانَةِ، وَالرِّبْحِ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ، وَتُسَمَّى عُقُودَ أَمَانَةٍ، وَيَكُونُ الْمَال الْمَقْبُوضُ فِيهَا أَمَانَةً فِي يَدِ الْقَابِضِ، لاَ يَضْمَنُهُ إِلاَّ إِذَا تَلِفَ بِسَبَبِ تَقْصِيرِهِ فِي حِفْظِهِ، كَعَقْدِ الإِْيدَاعِ، وَالْعَارِيَّةِ، وَالشَّرِكَةِ بِأَنْوَاعِهَا، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوِصَايَةِ.

رَابِعًا: وَهُنَاكَ عُقُودٌ ذَاتُ وَجْهَيْنِ، تُنْشِئُ الضَّمَانَ مِنْ وَجْهٍ، وَالأَْمَانَةَ مِنْ وَجْهٍ، وَتُسَمَّى لِهَذَا، عُقُودٌ مُزْدَوَجَةُ الأَْثَرِ، كَعَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَالرَّهْنِ وَالصُّلْحِ عَنْ مَالٍ بِمَنْفَعَةٍ.

٢٧ - وَمَنَاطُ التَّمْيِيزِ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - بَيْنَ عُقُودِ الضَّمَانِ، وَبَيْنَ عُقُودِ الأَْمَانَةِ، يَدُورُ مَعَ

الْمُعَاوَضَةِ: فَكُلَّمَا كَانَ فِي الْعَقْدِ مُعَاوَضَةٌ، كَانَ عَقْدَ ضَمَانٍ، وَكُلَّمَا كَانَ الْقَصْدُ مِنَ الْعَقْدِ غَيْرَ الْمُعَاوَضَةِ، كَالْحِفْظِ وَنَحْوِهِ، كَانَ الْعَقْدُ عَقْدَ أَمَانَةٍ.

وَيَسْتَنِدُ هَذَا الضَّابِطُ الْمُمَيَّزُ، إِلَى قَوْل الْمَرْغِينَانِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَعْلِيل كَوْنِ يَدِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي مَال الشَّرِكَةِ، يَدَ أَمَانَةٍ: لأَِنَّهُ قَبَضَ الْمَال بِإِذْنِ الْمَالِكِ، لاَ عَلَى وَجْهِ الْبَدَل وَالْوَثِيقَةِ، فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ (١) .

وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْقَبْضَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الضَّمَانَ، هُوَ: مَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، كَالْمَغْصُوبِ، وَمَا كَانَ بِسَبِيل الْمُبَادَلَةِ، أَيِ الْمُعَاوَضَةِ، أَوْ مَا كَانَ بِسَبِيل التَّوْثِيقِ، كَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ.

وَالرَّهْنُ - فِي الْوَاقِعِ - يُؤَوَّل إِلَى الْمُعَاوَضَةِ، لأَِنَّهُ تَوْثِيقٌ لِلْبَدَل، وَكَذَا الْكَفَالَةُ، فَكَانَ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ فِي ضَمَانِ الْعُقُودِ، هُوَ الْمُبَادَلَةَ، وَفِي غَيْرِ الْعُقُودِ، هُوَ عَدَمَ الإِْذْنِ، وَمَا الْمُبَادَلَةُ إِلاَّ الْمُعَاوَضَةُ، فَهِيَ مَنْشَأُ التَّمْيِيزِ، بَيْنَ عُقُودِ الضَّمَانِ، وَبَيْنَ عُقُودِ الْحِفْظِ وَالأَْمَانَةِ.

وَبَيَانُ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ فِيمَا يَلِي:

_________

(١) الهداية بشروحها ٥ / ٤٠٤، وانظر أيضا في التعليل نفسه، تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي عليه ٣ / ٣٢٠ نقلا عن الإتقاني.

أَوَّلًا: الضَّمَانُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي شُرِعَتْ لِلضَّمَانِ:

الضَّمَانُ فِي عَقْدِ الْكَفَالَةِ:

٢٨ - إِذَا صَحَّ الضَّمَانُ - أَوِ الْكَفَالَةُ بِاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهَا - لَزِمَ الضَّامِنَ أَدَاءُ مَا ضَمِنَهُ، وَكَانَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ (الدَّائِنِ) مُطَالَبَتُهُ، وَلاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ، وَهُوَ فَائِدَةُ الضَّمَانِ (١) ثُمَّ:

إِذَا كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِ الْمَدِينِ، وَهُوَ الْمَكْفُول عَنْهُ، رَجَعَ عَلَيْهِ الْكَفِيل بِمَا أَدَّى عَنْهُ بِالاِتِّفَاقِ - عَلَى مَا يَقُول ابْنُ جُزَيٍّ - فِي الْجُمْلَةِ.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَكْفُول عَنْهُ، فَفِي الرُّجُوعِ خِلاَفٌ:

فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ الرُّجُوعِ، إِذِ اعْتُبِرَ مُتَبَرِّعًا فِي هَذِهِ الْحَال (٢) .

وَالْمَالِكِيَّةُ قَرَّرُوا الرُّجُوعَ فِي هَذِهِ الْحَال إِنْ ثَبَتَ دَفْعُ الْكَفِيل بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَعَلَّلُوهُ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ بِذَلِكَ (٣) .

وَالشَّافِعِيَّةُ فَصَّلُوا، وَقَالُوا:

إِنْ أَذِنَ الْمَكْفُول عَنْهُ، فِي الضَّمَانِ

_________

(١) المغني - بالشرح الكبير - ٥ / ٧٣.

(٢) الدر المختار ٤ / ٢٧١ و٢٧٢، والهداية بشروحها ٦ / ٣٠٤ و٣٠٥.

(٣) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٣٣٥ و٣٣٦، والقوانين الفقهية ص ٢١٤.

وَالأَْدَاءِ فَأَدَّى الْكَفِيل، رَجَعَ.

وَإِنِ انْتَفَى إِذْنُهُ فِيهِمَا فَلاَ رُجُوعَ.

وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي الأَْدَاءِ، رَجَعَ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِ الْغُرْمِ.

وَإِنْ أَذِنَ فِي الأَْدَاءِ فَقَطْ، مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ، لاَ يَرْجِعُ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّ الْغُرْمَ فِي الضَّمَانِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ (١) .

وَاعْتَبَرَ الْحَنَابِلَةُ نِيَّةَ الرُّجُوعِ عِنْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنِ الْمَكْفُول عَنْهُ، فَقَرَّرُوا أَنَّهُ:

إِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا، لاَ يَرْجِعُ، سَوَاءٌ أَضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لأَِنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِذَلِكَ.

وَإِنْ قَضَاهُ نَاوِيًا الرُّجُوعَ، يَرْجِعُ لأَِنَّهُ قَضَاهُ مُبْرِئًا مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ.

وَلَوْ قَضَاهُ ذَاهِلًا عَنْ قَصْدِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ، لاَ يَرْجِعُ، لِعَدَمِ قَصْدِ الرُّجُوعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الضَّمَانُ أَوِ الأَْدَاءُ بِإِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، أَمْ بِغَيْرِ إِذْنٍ (٢) .

وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ رُبَاعِيٌّ فِي نِيَّةِ الرُّجُوعِ يَقْرُبُ مِنْ تَفْصِيل الشَّافِعِيَّةِ (٣) . (يُرَاجَعُ فِيهِ مُصْطَلَح: كَفَالَة) .

_________

(١) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي عليه ٢ / ٣٣١.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٣٧١.

(٣) المغني - بالشرح الكبير ٥ / ٨٦ - ٨٩.

٢٩ - إِذَا مَاتَ الْكَفِيل قَبْل حُلُول أَجَل الدَّيْنِ، فَفِي حُلُول الدَّيْنِ وَمُطَالَبَةِ الْوَرَثَةَ بِهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي: (مُصْطَلَحِ: كَفَالَة) .

ضَمَانُ الدَّرَكِ:

٣٠ - قَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ ضَمَانَ الدَّرَكِ، عَلَى ضَمَانِ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ (١)، وَقَالُوا:

هُوَ: الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ (٢) .

وَالدَّرَكُ هُوَ: الْمُطَالَبَةُ وَالتَّبَعَةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ (٣) . وَيُقَال لَهُ: ضَمَانُ الْعُهْدَةِ، عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) .

وَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ: ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي، إِنْ ظَهَرَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا أَوْ نَاقِصًا، بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ (٥) وَضَمَانُ الدَّرَكِ صَحِيحٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ وَذَلِكَ (٦):.

أ - لأَِنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمَالِيَّةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ (٧)، وَالْمَضْمُونُ - كَمَا يَقُول الْعَدَوِيُّ - فِي الْمَعِيبِ قِيمَةُ الْعَيْبِ، وَفِي الْمُسْتَحَقِّ

_________

(١) رد المحتار ٤ / ٢٨١.

(٢) المرجع السابق ٤ / ٢٦٤.

(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٣٧٩.

(٤) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ٣٢٥، وانظر كشاف القناع ٣ / ٣٦٩.

(٥) المرجعان السابقان.

(٦) كشاف القناع ٣ / ٣٦٩.

(٧) الهداية بشروحها ٦ / ٢٩٨، وما بعدها و٩ / ٨٦ وما بعدها.

الثَّمَنُ (١)، وَهُوَ جَائِزٌ بِلاَ نِزَاعٍ (٢) .

ب - وَلأَِنَّ الضَّمَانَ هُنَا، كَفَالَةٌ، وَالْكَفَالَةُ لاِلْتِزَامِ الْمُطَالَبَةِ، وَالْتِزَامُ الأَْفْعَال يَصِحُّ مُضَافًا إِلَى الْمَآل، كَمَا فِي الْتِزَامِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ بِالنَّذْرِ (٣) .

ج - وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي تَعْلِيل جَوَازِهِ: لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْوَثِيقَةِ، وَهِيَ: ثَلاَثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ، فَالأُْولَى لاَ يَسْتَوْفِي مِنْهَا الْحَقَّ، وَالثَّانِيَةُ مَمْنُوعَةٌ، لأَِنَّهُ يَلْزَمُ حَبْسُ الرَّهْنِ إِلَى أَنْ يُؤَدَّى، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَيُؤَدِّي إِلَى حَبْسِهِ أَبَدًا، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الضَّمَانِ.

د - وَقَالُوا: وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لاَمْتَنَعَتِ الْمُعَامَلاَتُ مَعَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، رَافِعٌ لأَِصْل الْحِكْمَةِ، الَّتِي شُرِعَ مِنْ أَجْلِهَا الْبَيْعُ (٤) .

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ ضَمَانِ الدَّرَكِ ثُبُوتُ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ بِالْقَضَاءِ (٥)، فَلَوِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ قَبْل الْقَضَاءِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، لاَ يُؤْخَذُ ضَامِنُ الدَّرَكِ، إِذْ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِحْقَاقِ لاَ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ عَلَى الظَّاهِرِ، إِذْ يُعْتَبَرُ الْبَيْعُ مَوْقُوفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِهَذَا لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيْعَ قَبْل الْفَسْخِ جَازَ وَلَوْ بَعْدَ

_________

(١) حاشية العدوي على شرح الخرشي ٦ / ٢٤.

(٢) المرجع السابق والهداية - بشروحها ٦ / ٢٩٨.

(٣) الهداية وشروحها في الموضع نفسه.

(٤) كشاف القناع ٣ / ٣٦٩.

(٥) رد المحتار ٤ / ٢٦٤.

قَبْضِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَمَا لَمْ يُقْضَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ لاَ يَجِبُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الأَْصِيل، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْكَفِيل (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَضْمَنُ مَا دَخَل فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَقِيل: يَصِحُّ قَبْل قَبْضِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، بِأَنْ لاَ يُسَلِّمَ الثَّمَنَ إِلاَّ بَعْدَهُ (٢) .

ثَانِيًا: الْعُقُودُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ لِلضَّمَانِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الضَّمَانُ:

الضَّمَانُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ:

٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، إِلَى أَنَّ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي، مَعَ رِوَايَةِ تَفْرِقَةِ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَ الْمَكِيلاَتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَنَحْوِهَا، وَبَيْنَ غَيْرِهَا (٣) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِل إِلَى الْمُشْتَرِي - كَمَا يَقُول ابْنُ جُزَيٍّ - بِنَفْسِ الْعَقْدِ، إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: مَا بِيعَ عَلَى الْخِيَارِ، وَمَا بِيعَ مِنَ الثِّمَارِ قَبْل كَمَال طِيبِهِ (٤) . . .

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ٢٨٢.

(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٣٢٦.

(٣) البدائع ٥ / ٢٣٨، وروضة الطالبين ٣ / ٤٩٩، والشرح الكبير مع المغني ٤ / ١١٦ و١١٧.

(٤) القوانين الفقهية ص ١٦٤.

وَأَهَمُّ مَا يَسْتَوْجِبُ الضَّمَانَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ: هَلاَكُ الْمَبِيعِ، وَهَلاَكُ الثَّمَنِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْمَبِيعِ، وَظُهُورُ عَيْبٍ قَدِيمٍ فِيهِ.

وَيُلْحَقُ بِهِ: ضَمَانُ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَضَمَانُ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ النَّظَرِ، وَضَمَانُ الدَّرَكِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا يَلِي:

هَلاَكُ الْمَبِيعِ:

٣٢ - يُفَرَّقُ فِي الْحُكْمِ فِيهِ، تَبَعًا لأَِحْوَال هَلاَكِهِ: هَلاَكُ كُلِّهِ، وَهَلاَكُ بَعْضِهِ، وَهَلاَكُ نَمَائِهِ، وَهَلاَكُهُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَالْفَاسِدِ، وَالْبَاطِل، وَهَلاَكُهُ وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ: أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (بَيْع ف ٥٩ وَمُصْطَلَحِ: هَلاَك)

هَلاَكُ نَمَاءِ الْمَبِيعِ:

٣٣ - الأَْصْل الْمُقَرَّرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ زَوَائِدَ الْمَبِيعِ مَبِيعَةٌ - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْل، كَغَلَّةِ الْمَبَانِي وَالْعَقَارَاتِ، فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَحْدُثَ فِي الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَهُ:

أ - فَقَبْل الْقَبْضِ، إِذَا أَتْلَفَ الْبَائِعُ الزِّيَادَةَ يَضْمَنُهَا، فَتَسْقُطُ حِصَّتُهَا مِنَ الثَّمَنِ عَنِ الْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنَ الْمَبِيعِ، وَكَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ.

وَإِذَا هَلَكَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، كَمَا لَوْ هَلَكَ الثَّمَرُ، فَلاَ تُضْمَنُ، لأَِنَّهَا كَالأَْوْصَافِ، لاَ يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَبِيعَةً، لَكِنَّهَا مَبِيعَةٌ تَبَعًا لاَ قَصْدًا.

ب - أَمَّا لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهَا. الْمُشْتَرِي، أَوْ أَتْلَفَهَا هُوَ، فَهِيَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ بِقَبْضِهِ، وَلَهَا حِصَّتُهَا مِنَ الثَّمَنِ، فَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الأَْصْل يَوْمَ الْعَقْدِ وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ (١) . وَلَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ، ضَمِنَهَا بِلاَ خِلاَفٍ، لَكِنِ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ:

إِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْجَانِي بِضَمَانِ الْجِنَايَةِ.

وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْجَانِيَ بِالضَّمَانِ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الأَْصْل (٢) .

الضَّمَانُ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِل:

٣٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي قَوَاعِدِهِمُ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْبَيْعِ الْبَاطِل، وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْحَنَفِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا.

وَالْبَيْعُ الْبَاطِل لاَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ أَصْلًا، وَلاَ حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ، لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْمَوْجُودِ، وَلاَ وُجُودَ لِهَذَا الْبَيْعِ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ.

_________

(١) البدائع ٥ / ٢٥٦.

(٢) البدائع ٥ / ٢٥٦، ٢٥٧.