الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 71

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

وَالْجَهْل يَمْنَعُهُ. (١)

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَقَدْ فَصَّلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ وَقَالُوا: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُصَالَحِ بِهِ مَعْلُومًا إِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ؛ لأَِنَّ جَهَالَةَ الْبَدَل تُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَتُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ شَيْئًا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ فَلاَ يُشْتَرَطُ مَعْلُومِيَّتُهُ، مِثْل أَنْ يَدَّعِيَ حَقًّا فِي دَارِ رَجُلٍ، وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا فِي أَرْضٍ بِيَدِ الْمُدَّعِي فَاصْطَلَحَا عَلَى تَرْكِ الدَّعْوَى جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مِقْدَارَ حَقِّهِ؛ لأَِنَّ جَهَالَةَ السَّاقِطِ لاَ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ. (٢) قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ جَهَالَةَ الْبَدَل لاَ تَمْنَعُ جَوَازَ الْعَقْدِ لِعَيْنِهَا، بَل لإِفْضَائِهَا إِلَى الْمُنَازَعَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، فَإِذَا كَانَ مَالًا يُسْتَغْنَى عَنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فِيهِ، لاَ يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فَلاَ يَمْنَعُ الْجَوَازَ (٣)

آثَارُ الصُّلْحِ:

٣٤ - قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الآْثَارَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى انْعِقَادِ الصُّلْحِ هُوَ حُصُول الْبَرَاءَةِ عَنِ

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٣، المبدع ٤ / ٢٨٤، كشاف القناع ٣ / ٣٨٤.

(٢) قرة عيون الأخيار ٢ / ١٥٤، البدائع ٦ / ٤٨، وانظر م (١٠٢٩) من مرشد الحيران وم (١٥٤٧) من المجلة العدلية.

(٣) البدائع ٦ / ٤٨.

الدَّعْوَى وَوُقُوعُ الْمِلْكِ فِي بَدَل الصُّلْحِ لِلْمُدَّعِي، وَفِي الْمُصَالَحِ بِهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِل التَّمْلِيكَ، وَأَنَّ الصُّلْحَ يُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الْعُقُودِ إِلَيْهِ - إِذِ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لاَ لِلأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي - فَمَا كَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الإِْسْقَاطِ أَخَذَ حُكْمَهُ.

وَعَلَى ذَلِكَ قَالُوا: إِذَا تَمَّ الصُّلْحُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ دَخَل بَدَل الصُّلْحِ فِي مِلْكِ الْمُدَّعِي، وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُ الْمُصَالَحُ عَنْهَا، فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ الاِدِّعَاءُ بِهَا ثَانِيًا، وَلاَ يَمْلِكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اسْتِرْدَادَ بَدَل الصُّلْحِ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْمُدَّعِي. (١)

وَجَاءَ فِي م (١٥٥٦) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: إِذَا تَمَّ الصُّلْحُ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ - فَقَطْ - الرُّجُوعُ، وَيَمْلِكُ الْمُدَّعِي بِالصُّلْحِ بَدَلَهُ، وَلاَ يَبْقَى لَهُ حَقٌّ فِي الدَّعْوَى، وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ - أَيْضًا - اسْتِرْدَادُ بَدَل الصُّلْحِ.

وَأَصْل ذَلِكَ: أَنَّ الصُّلْحَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ، فَلِذَلِكَ لاَ يَمْلِكُ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ فَسْخَهُ، أَوِ الرُّجُوعَ عَنْهُ بَعْدَ تَمَامِهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَتِمَّ فَلاَ حُكْمَ لَهُ وَلاَ أَثَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

فَلَوِ

_________

(١) قرة عيون الأخيار ٢ / ١٥٧، وم (١٠٤٥) من مرشد الحيران، بدائع الصنائع ٦ / ٥٣.

ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ حَقًّا وَتَصَالَحَ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ ظَهَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ أَوِ الْمَال لاَ يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلاَ يَتِمُّ وَلاَ حُكْمَ لَهُ، وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ اسْتِرْدَادُ بَدَل الصُّلْحِ،

وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَالَحَ الْبَائِعُ مَعَ الْمُشْتَرِي عَنِ خِيَارِ الْعَيْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَدَمُ وُجُودِ الْعَيْبِ، أَوْ زَال الْعَيْبُ مِنْ نَفْسِهِ وَبِدُونِ مُعَالَجَةٍ أَوْ كُلْفَةٍ بَطَل الصُّلْحُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ بَدَل الصُّلْحِ الَّذِي أَخَذَهُ لِلْبَائِعِ. وَكَذَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا وَغَيْرَ مُحِقٍّ فِي دَعْوَاهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ دِيَانَةً بَدَل الصُّلْحِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ، وَلاَ يَطِيبُ لَهُ، مَا لَمْ يُسَلِّمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بَدَل الصُّلْحِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُصْبِحُ التَّمْلِيكُ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ.

(١) وَعَلَى أَسَاسِ مَا تَقَدَّمَ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَصَالِحَيْنِ بَعْدَ تَمَامِ الصُّلْحِ، فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ فَسْخُهُ. (٢)

_________

(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ٤ / ٤٧، وانظر شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٥٧٠ وما بعدها، مجمع الأنهر ٢ / ٣١٢ شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٣.

(٢) درر الحكام ٤ / ٤٩، وانظر م (١٠٤٦) من مرشد الحيران. وقد استثنى الحنفية من ذلك ما لو كان الصلح في معنى الإجارة، ومات أحدهما قبل مضي المدة، وقالوا ببطلانه فيما بقي. (انظر الفتاوى الهندية ٤ / ٢٨٠) قرة عيون الأخيار ٢ / ١٥٩. وخالفهم في ذلك الإمام الشافعي فقال: " وإن ادعى رجل حقا في دار أو أرض، فأقر له المدعى عليه، وصالحه من دعواه على خدمة عبد أو ركوب دابة أو زراعة أرض أو سكنى دار أو شيء مما تكون فيه الإجارات، ثم مات المدعي والمدعى عليه أو أحدهما، فالصلح جائز ولورثة المد

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ حَقًّا، فَأَنْكَرَهُ، فَصَالَحَهُ، ثُمَّ ثَبَتَ الْحَقُّ بَعْدَ الصُّلْحِ بِاعْتِرَافٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الصُّلْحِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ وَلَمْ يَقُمْ بِهَا، فَالصُّلْحُ لَهُ لاَزِمٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُتَصَالِحَيْنِ قَدْ أَشْهَدَ قَبْل الصُّلْحِ إِشْهَادَ تَقِيَّةٍ: أَنَّ صُلْحَهُ إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ إِنْكَارِ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الصُّلْحَ لاَ يَلْزَمُهُ إِذَا ثَبَتَ أَصْل حَقِّهِ. (١)

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى انْحِلاَل الصُّلْحِ:

٣٥ - إِذَا بَطَل الصُّلْحُ بَعْدَ صِحَّتِهِ، أَوْ لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا فَيَرْجِعُ الْمُدَّعِي إِلَى أَصْل دَعْوَاهُ إِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ. وَإِنْ كَانَ عَنْ إِقْرَارٍ فَيَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمُدَّعَى لاَ غَيْرِهِ، إِلاَّ فِي الصُّلْحِ عَنِ الْقِصَاصِ إِذَا لَمْ يَصِحَّ فَإِنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَاتِل بِالدِّيَةِ دُونَ الْقِصَاصِ، إِلاَّ أَنْ يَصِيرَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْغُرُورِ أَيْضًا. (٢)

_________

(١) القوانين الفقهية (ط. الدار العربية للكتاب) ص ٣٤٣.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٥٥، ٥٦.

صِلَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الصِّلَةُ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، يُقَال: وَصَل الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ وَصْلًا وَوَصْلَةً وَصِلَةً: ضَمَّهُ بِهِ وَجَمَعَهُ وَلأَمَهُ. وَعَنِ ابْنِ سِيدَهْ: الْوَصْل خِلاَفُ الْفَصْل.

كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْعَطِيَّةِ وَالْجَائِزَةِ، وَعَلَى الاِنْتِهَاءِ وَالْبُلُوغِ، وَعَلَى ضِدِّ الْهِجْرَانِ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تُطْلَقُ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ، وَصِلَةِ السُّلْطَانِ.

قَال الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الصِّلَةُ هِيَ صِلَةُ الأَْرْحَامِ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الإِْحْسَانِ إِلَى الأَْقْرَبِينَ مِنْ ذَوِي النَّسَبِ وَالأَْصْهَارِ، وَالتَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ وَالرِّعَايَةِ لأَِحْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ بَعُدُوا وَأَسَاءُوا، وَقَطْعُ الرَّحِمِ قَطْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ.

وَقَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَال الْعُلَمَاءُ: وَحَقِيقَةُ الصِّلَةِ الْعَطْفُ وَالرَّحْمَةُ.

فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ

_________

(١) لسان العرب ومتن اللغة والنهاية في غريب الحديث. مادة (وصل) .

قَال: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَال: نَعَمْ. أَمَّا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى. قَال: فَذَاكَ لَكِ.

(١) وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ: أَنَّ صِلَةَ اللَّهِ ﷾ لِعِبَادِهِ عِبَارَةٌ عَنْ لُطْفِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ وَعَطْفِهِ بِإِحْسَانِهِ وَنِعَمِهِ. وَيَعْتَبِرُ الْفُقَهَاءُ الصِّلَةَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْهِبَاتِ وَالْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ. كَمَا يُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَطَايَا السَّلاَطِينِ: صِلاَتِ السَّلاَطِينِ. (٢)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - قَطِيعَةٌ:

٢ - مِنْ مَعَانِي الْقَطِيعَةِ فِي اللُّغَةِ: الْهِجْرَانُ، يُقَال: قَطَعْتُ الصَّدِيقَ قَطِيعَةً: هَجَرْتُهُ.

_________

(١) حديث أبي هريرة ﵁: " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٤٦٥ - ٤٦٦ - ط. السلفية) ومسلم (صحيح مسلم ٤ / ١٩٨٠ - ١٩٨١ ط. عيسى الحلبي) .

(٢) عمدة القاري شرح البخاري (٢٢ / ٨١ ط. المنيرية) صحيح مسلم بشرح النووي (١٦ / ١١٣ ط. المطبعة المصرية بالأزهر. ١٩٣٠) فتح العلي المالك (٢ / ٢٧٠ ط. مصطفى الحلبي ١٩٥٨) تحرير الكلام في مسائل الالتزام (١٦٦ ط. دار الغرب الإسلامي ١٩٨٤ م) .

وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ ضِدُّ صِلَةِ الرَّحِمِ. وَهِيَ: قَطْعُ مَا أَلِفَ الْقَرِيبُ مِنْهُ مِنْ سَابِقِ الْوَصْلَةِ وَالإِْحْسَانِ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ. (١)

ب - عَطِيَّةٌ:

٣ - الْعَطِيَّةُ وَالْعَطَاءُ: اسْمٌ لِمَا يُعْطَى، وَالْجَمْعُ عَطَايَا وَأَعْطِيَةٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ: أُعْطِيَاتٌ. وَالْعَطِيَّةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ مَا تُفْرَضُ لِلْمُقَاتِلَةِ. وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الْعَطِيَّةَ - أَيْضًا - بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ. (٢)

ج - هِبَةٌ:

٤ - الْهِبَةُ لُغَةً: الْعَطِيَّةُ الْخَالِيَةُ عَنِ الأَْعْوَاضِ وَالأَْغْرَاضِ.

وَفِي الْكُلِّيَّاتِ: الْهِبَةُ مَعْنَاهَا: إِيصَال الشَّيْءِ إِلَى الْغَيْرِ بِمَا يَنْفَعُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ، وَيُقَال: وَهَبَ لَهُ مَالًا وَهْبًا وَهِبَةً، وَوَهَبَ اللَّهُ فُلاَنًا وَلَدًا صَالِحًا. وَالْهِبَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلاَ شَرْطِ الْعِوَضِ. (٣)

_________

(١) المصباح المنير مادة (قطع)، الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢ / ٦٥ ط. المطبعة الأزهرية المصرية ١٣٢٥ هـ) .

(٢) لسان العرب مادة (عطا)، والكليات ٣ / ٢٧٩، والفتاوى الكبرى لابن حجر الهيثمي ٣ / ٣٧١.

(٣) لسان العرب مادة (وهب)، والكليات ٥ / ٧٩، ٨٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٨.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا: فِي صِلَةِ الرَّحِمِ:

٥ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَطْعِيَّتَهَا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَْرْحَامَ﴾ . (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَصِل رَحِمَهُ. (٢)

وَالصِّلَةُ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهُ تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْكَلاَمِ وَلَوْ بِالسَّلاَمِ. وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الْقُدْرَةِ وَالْحَاجَةِ: فَمِنْهَا وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبٌّ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الرَّحِمِ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا فَقِيل: هِيَ كُل رَحِمٍ مَحْرَمٍ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالآْخَرُ أُنْثَى حُرِّمَتْ مُنَاكَحَتُهُمَا، وَعَلَى هَذَا لاَ يَدْخُل أَوْلاَدُ الأَْعْمَامِ وَلاَ أَوْلاَدُ الأَْخْوَال. وَقِيل: الرَّحِمُ عَامٌّ فِي كُلٍّ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ فِي الْمِيرَاثِ يَسْتَوِي الْمَحْرَمُ وَغَيْرُهُ. (٣)

قَال النَّوَوِيُّ: وَالْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وَمِمَّا يَدُل عَلَيْهِ حَدِيثُ: إِنَّ أَبَرَّ

_________

(١) سورة النساء / ١.

(٢) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٣٢ ط. السلفية) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٤، عمدة القاري ٢٢ / ٩٠، شرح النووي على صحيح مسلم ١٦ / ١١٣.

الْبِرِّ صِلَةُ الرَّجُل أَهْل وُدِّ أَبِيهِ. (١)

وَتَفْصِيل مَسَائِل صِلَةِ الرَّحِمِ فِي مُصْطَلَحِ (أَرْحَام ٣ ٨١) .

الْهِبَةُ لِذِي الرَّحِمِ:

٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ إِذَا كَانَتْ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (٢) أَيْ مَا لَمْ يُعَوَّضْ. وَصِلَةُ الرَّحِمِ عِوَضٌ مَعْنًى؛ لأَِنَّ التَّوَاصُل سَبَبُ التَّنَاصُرِ وَالتَّعَاوُنِ فِي الدُّنْيَا، فَيَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى اسْتِيفَاءِ النُّصْرَةِ، وَسَبَبَ الثَّوَابِ فِي الدَّارِ الآْخِرَةِ، فَكَانَ أَقْوَى مِنَ الْمَال. (٣)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (هِبَة) .

ثَانِيًا: صِلاَتُ السُّلْطَانِ:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ عَطَايَا

_________

(١) حديث: " إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه ". أخرجه مسلم (٤ / ١٩٧٩) في حديث ابن عمر.

(٢) حديث: " الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٨، ط. الحلبي) والدارقطني (سنن الدارقطني ٣ / ٤٤ ط. دار المحاسن) من حديث أبي هريرة ﵁ وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف. ورواه الدارقطني (سنن الدارقطني ٣ / ٤٤ ط. دار المحاسن) من حديث ابن عباس ﵁ بلفط " من وهب هبة فارتجع بها فهو أحق بها ما لم يثب منها، ولكنه كالكلب يعود في قيئه ". وقال المناوي نقلا عن ابن حجر: إسناده صحيح (فيض القدير ٦ / ٣٧١ ط. المكتبة التجارية) .

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٣٢.

السُّلْطَانِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا حَرَامٌ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ قَبُول عَطَايَا السُّلْطَانِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا حَرَامٌ، قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: الْخُلَفَاءُ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فَعَطَايَاهُمْ يَجُوزُ قَبُولُهَا عِنْدَ جَمِيعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: وَمَعَ الْجَوَازِ يَكُونُ الأَْخْذُ تَحْتَ خَطَرِ احْتِمَال الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، فَيَتَأَثَّرُ قَلْبُهُ بِهِ، بَل وَيُطَالَبُ بِهِ فِي الآْخِرَةِ إِنْ كَانَ الْمُعْطِي غَيْرَ مُسْتَقِيمِ الْحَال.

وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ أُمَرَاءِ الْجَوْرِ وَغَيْرِهِمْ، فَلاَ يَجُوزُ قَبُول عَطَايَا أُمَرَاءِ الْجَوْرِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ فِي مَالِهِمُ الْحُرْمَةُ، إِلاَّ إِذَا عَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَالِهِ حَلاَلٌ، وَأَمَّا أُمَرَاءُ غَيْرِ الْجَوْرِ فَيَجُوزُ الأَْخْذُ مِنْهُمْ.

وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ إِلَى كَرَاهَةِ الأَْخْذِ. أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا حَرَامٌ فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهَا. (١)

وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ (جَائِزَة) ف ٧ (١٥ / ٢٧٨)

صِلَةُ الرَّحِمِ

انْظُرْ: أَرْحَام، صِلَةٌ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٢، فتح العلي المالك ٢ / ٢٦٩، الفتاوى الكبرى لابن حجر ٣ / ٣٧٣، المغني لابن قدامة ٦ / ٤٤٣.