الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
بِآدَابٍ تَشْمَل مَجْمُوعَةَ أَفْعَالٍ وَتُرُوكٍ، مُجْمَلُهَا فِيمَا يَلِي: -
أَوَّلًا: مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ:
٣٨ - يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِل، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا وَيَتَجَمَّل، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا (١)، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: الْغُسْل لَهَا وَاجِبٌ.
قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ فِي بَيَانِ عِلَّةِ ذَلِكَ: لأَِنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُقِيمُ لَهَا عَلَى أَحْسَنِ وَصْفٍ (٢) كَمَا يُسَنُّ التَّبْكِيرُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْجَامِعِ وَالاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْخَطِيبُ (٣) .
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا اتَّفَقَتِ الأَْئِمَّةُ عَلَى نَدْبِهِ، وَانْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ - أَيْضًا - فَاشْتَرَطُوا فِي الْغُسْل أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِوَقْتِ الذَّهَابِ إِلَى الْجَامِعِ، قَال فِي الْجَوَاهِرِ الزَّكِيَّةِ: فَإِنِ اغْتَسَل وَاشْتَغَل بِغِذَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَعَادَ الْغُسْل عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِذَا خَفَّ الأَْكْل، أَوِ النَّوْمُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ (٤) .
_________
(١) حديث: " لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٨٥ - ط. السلفية) ومسلم (٢ / ٥٨١ - ط. الحلبي) .
(٢) بدائع الصنائع ١ / ٢٧٢، شرح الروض المربع ٢ / ٤٧٠.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٧٨، والمرجع السابق.
(٤) الجواهر الزكية ص ١٢٤.
ثَانِيًا: مَا يُسَنُّ تَرْكُهُ:
٣٩ - أَوَّلًا: أَكْل كُل ذِي رِيحٍ كَرِيهَةٍ: كَثُومٍ وَبَصَلٍ وَنَحْوِهِمَا.
٤٠ - ثَانِيًا: تَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ إِذَا كَانَ الْخَطِيبُ قَدْ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ، إِلاَّ أَنْ لاَ يَجِدَ إِلاَّ فُرْجَةً أَمَامَهُ وَلاَ سَبِيل إِلَيْهَا إِلاَّ بِتَخَطِّي الرِّقَابِ، فَيُرَخَّصُ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ (١) .
٤١ - ثَالِثًا: تَجَنُّبُ الاِحْتِبَاءِ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، حَيْثُ صَرَّحُوا بِكَرَاهَتِهِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ (٢)
وَقَال الْخَطَّابِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: نَهَى عَنْهُ لأَِنَّهُ يَجْلُبُ النَّوْمَ، فَيُعَرِّضُ طَهَارَتَهُ لِلنَّقْضِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ. وَلَمْ يَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِهِ بَأْسًا حَيْثُ صَرَّحُوا بِجَوَازِهِ (٣) (ر: احْتِبَاء) كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهَةِ تَشْبِيكِ الأَْصَابِعِ. قَال النَّوَوِيُّ: يُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ
_________
(١) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ١ / ٥٧٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٩٠.
(٢) حديث: " نهى عن الحبوة يوم الجمعة ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣٩٠، - ط. الحلبي) من حديث معاذ بن أنس، وقال: حديث حسن.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٨، حاشية الدسوقي ١ / ٣٨٥، روضة الطالبين ٢ / ٣٣، كشاف القناع ٢ / ٣٧.
أَصَابِعِهِ أَوْ يَعْبَثُ حَال ذَهَابِهِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَانْتِظَارِهِ لَهَا (١)
٤٢ - يَحْرُمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِنْشَاءُ سَفَرٍ بَعْدَ الزَّوَال (وَهُوَ أَوَّل وَقْتِ الْجُمُعَةِ) مِنَ الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، إِذَا كَانَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَنْ يُدْرِكَ أَدَاءَهَا فِي مِصْرٍ آخَرَ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ عَلَى الرَّاجِحِ مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - حَيْثُ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ السَّفَرِ بَعْدَ الزَّوَال. كَمَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ السَّفَرِ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: إِلَى أَنَّ حُرْمَةَ السَّفَرِ تَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ الْفَجْرِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَدَلِيلُهُ: أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْجُمُعَةِ مُضَافَةٌ إِلَى الْيَوْمِ كُلِّهِ لاَ إِلَى خُصُوصِ وَقْتِ الظُّهْرِ، بِدَلِيل وُجُوبِ السَّعْيِ إِلَيْهَا قَبْل الزَّوَال عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ (٣) .
صَلاَةُ الْجِنَازَةِ
انْظُرْ: جَنَائِز
_________
(١) روضة الطالبين ٢ / ٤٧.
(٢) انظر الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ١ / ٥٥٣، حاشية الدسوقي ١ / ٣٨٧، كشاف القناع ٢ / ٢٥.
(٣) القليوبي وعميرة ١ / ٢٧٠.
صَلاَةُ الْحَاجَةِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّلاَةُ يُنْظَرُ تَعْرِيفُهَا فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة)
وَالْحَاجَةُ فِي اللُّغَةِ: الْمَأْرَبَةُ، وَالتَّحَوُّجُ:
طَلَبُ الْحَاجَةِ بَعْدَ الْحَاجَةِ، وَالْحَوْجُ: الطَّلَبُ، وَالْحَوْجُ: الْفَقْرُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ الْحَاجَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
وَلِلأُْصُولِيَّيْنِ تَعْرِيفٌ خَاصٌّ لِلْحَاجَةِ:
فَقَدْ عَرَّفَهَا الشَّاطِبِيُّ فَقَال: هِيَ مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِذَا لَمْ تُرَاعَ دَخَل عَلَى الْمُكَلَّفِينَ - عَلَى الْجُمْلَةِ - الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ
(ر: حَاجَة ف ١ مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ج ١٦) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ الْحَاجَةِ مُسْتَحَبَّةٌ.
_________
(١) لسان العرب والمعجم الوسيط.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٦.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَل رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ، وَلْيُصَل عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَقُل: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُل بِرٍّ، وَالسَّلاَمَةَ مِنْ كُل إِثْمٍ، لاَ تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلاَّ غَفَرْتَهُ، وَلاَ هَمًّا إِلاَّ فَرَّجْتَهُ، وَلاَ حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلاَّ قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (١) .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ: ثُمَّ يَسْأَل مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ مَا شَاءَ فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ (٢) .
كَيْفِيَّةُ صَلاَةِ الْحَاجَةِ (عَدَدُ الرَّكَعَاتِ وَصِيَغُ الدُّعَاءِ):
٣ - اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ صَلاَةِ الْحَاجَةِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ
_________
(١) حديث: " من كانت له إلى الله حاجة. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣٤٤ ط الحلبي) وابن ماجه (١ / ٤٤١ - ط الحلبي) وقال الترمذي: " حديث غريب، وفي إسناده مقال، فائد بن عبد الرحمن يضعف في الحديث ".
(٢) أسنى المطالب ١ / ٢٠٥، وكشاف القناع ١ / ٤٤٣، وابن عابدين ١ / ٤٦٢، والترغيب والترهيب ١ / ٤٧٦، والدسوقي ١ / ٣١٤.
الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا رَكْعَتَانِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وَهُوَ قَوْل الْغَزَالِيِّ: إِنَّهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَنَوَّعَتْ صِيَغُ الدُّعَاءِ لِتَعَدُّدِ الرِّوَايَاتِ (١) .
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: رِوَايَاتُ الرَّكْعَتَيْنِ وَفِيهَا اخْتِلاَفُ الدُّعَاءِ:
٤ - رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَفِيهَا أَنَّ صَلاَةَ الْحَاجَةِ رَكْعَتَانِ مَعَ ذِكْرِ الدُّعَاءِ الَّذِي أَرْشَد إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي الْحُكْمِ (ف ٢) .
٥ - حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا عَلِيُّ: أَلاَ أُعَلِّمُكَ دُعَاءً إِذَا أَصَابَكَ غَمٌّ أَوْ هَمٌّ تَدْعُو بِهِ رَبَّكَ فَيُسْتَجَابُ لَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيُفْرَجُ عَنْكَ: تَوَضَّأْ وَصَل رَكْعَتَيْنِ، وَاحْمَدِ اللَّهَ وَاثْنِ عَلَيْهِ وَصَل عَلَى نَبِيِّكَ وَاسْتَغْفِرْ لِنَفْسِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ،
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٢، والترغيب والترهيب ١ / ٤٧٣ - ٤٧٨، والمراجع السابقة.
وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ كَاشِفَ الْغَمِّ، مُفَرِّجَ الْهَمِّ مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ إِذَا دَعَوْكَ، رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا، فَارْحَمْنِي فِي حَاجَتِي هَذِهِ بِقَضَائِهَا وَنَجَاحِهَا رَحْمَةً تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ (١) .
ثَانِيًا: رِوَايَةُ الأَْرْبَعِ:
٦ - وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ: إِنَّ صَلاَةَ الْحَاجَةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: يَقْرَأُ فِي الأُْولَى الْفَاتِحَةَ مَرَّةً وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ ثَلاَثًا، وَفِي كُلٍّ مِنَ الثَّلاَثِ الْبَاقِيَةِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالإِْخْلاَصَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ مَرَّةً مَرَّةً كُنَّ لَهُ مِثْلُهُنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَال مَشَايِخُنَا: صَلَّيْنَا هَذِهِ الصَّلاَةَ فَقُضِيَتْ حَوَائِجُنَا (٢) .
ثَالِثًا: رِوَايَةُ الاِثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَالدُّعَاءُ الْوَارِدُ فِيهَا:
٧ - رُوِيَ عَنْ وُهَيْبٍ بْنِ الْوَرْدِ أَنَّهُ قَال: إِنَّ مِنَ الدُّعَاءِ الَّذِي لاَ يُرَدُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَبْدُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَآيَةِ
_________
(١) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ١ / ٤٧٧، وعزاه إلى الأصفهاني في الترغيب له كذلك.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٢.
الْكُرْسِيِّ ﴿وَقُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَإِنْ فَرَغَ خَرَّ سَاجِدًا، ثُمَّ قَال: سُبْحَانَ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَقَال بِهِ، سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ بِالْمَجْدِ وَتَكَرَّمَ بِهِ، سُبْحَانَ الَّذِي أَحْصَى كُل شَيْءٍ بِعِلْمِهِ، سُبْحَانَ الَّذِي لاَ يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلاَّ لَهُ، سُبْحَانَ ذِي الْمَنِّ وَالْفَضْل، سُبْحَانَ ذِي الْعِزِّ وَالْكَرَمِ، سُبْحَانَ ذِي الطَّوْل، أَسْأَلُكَ بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ وَبِاسْمِكَ الأَْعْظَمِ وَجَدِّكَ الأَْعْلَى، وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ الْعَامَّاتِ الَّتِي لاَ يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ: ثُمَّ يَسْأَل حَاجَتَهُ الَّتِي لاَ مَعْصِيَةَ فِيهَا، فَيُجَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (١) .
صَلاَةُ الْخُسُوفِ
انْظُرْ: صَلاَةُ الْكُسُوفِ
_________
(١) إحياء علوم الدين ١ / ٢٠٦ - ٢٠٧.
صَلاَةُ الْخَوْفِ
التَّعْرِيفُ:
١ - تَعْرِيفُ الصَّلاَةِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .
أَمَّا الْخَوْفُ: فَهُوَ تَوَقُّعُ مَكْرُوهٍ عَنْ أَمَارَةٍ مَظْنُونَةٍ أَوْ مُتَحَقَّقَةٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْخَائِفِ، أَوْ بِحَذْفِ مُضَافٍ: الصَّلاَةُ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ (١) وَيُطْلَقُ عَلَى الْقِتَال، وَبِهِ فَسَّرَ اللِّحْيَانِيُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ (٢) الآْيَةَ كَمَا فَسَّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ (٣) .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِضَافَةِ الصَّلاَةِ إِلَى الْخَوْفِ أَنَّ الْخَوْفَ يَقْتَضِي صَلاَةً مُسْتَقِلَّةً كَقَوْلِنَا: صَلاَةُ الْعِيدِ، وَلاَ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي قَدْرِ الصَّلاَةِ وَوَقْتِهَا كَالسَّفَرِ، فَشُرُوطُ الصَّلاَةِ، وَأَرْكَانُهَا، وَسُنَنُهَا، وَعَدَدُ رَكَعَاتِهَا فِي الْخَوْفِ كَمَا فِي الأَْمْنِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْخَوْفَ يُؤَثِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ إِقَامَةِ الْفَرَائِضِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً، وَأَنَّ
_________
(١) البجيرمي على الخطيب ٢ / ٢٢٢، ولسان العرب.
(٢) سورة البقرة / ١٥٥.
(٣) سورة النساء / ٨٣.
الصَّلاَةَ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ تَحْتَمِل أُمُورًا لَمْ تَكُنْ تَحْتَمِلْهَا فِي الأَْمْنِ، وَصَلاَةُ الْخَوْفِ هِيَ: الصَّلاَةُ الْمَكْتُوبَةُ يَحْضُرُ وَقْتُهَا وَالْمُسْلِمُونَ فِي مُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ أَوْ فِي حِرَاسَتِهِمْ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاَةِ الْخَوْفِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، وَإِلَى أَنَّهَا لاَ تَزَال مَشْرُوعَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٢) الآْيَةَ.
وَخِطَابُ النَّبِيِّ ﷺ خِطَابٌ لأُِمَّتِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، وَتَخْصِيصُهُ بِالْخِطَابِ لاَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ، كَمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٣) وَهُوَ عَامٌّ.
وَالسُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ صَلاَّهَا، وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ،
_________
(١) البدائع ١ / ٢٤٣، وكفاية الطالب الرباني وشرحه بحاشية العدوي ١ / ٢٩٦، روضة الطالبين ٢ / ٤٩، المجموع ٤ / ٤٠٤، بجيرمي على الخطيب ٢ / ٢٢٢، المغني ٢ / ٤٠٢، كشاف القناع ٢ / ١٥.
(٢) سورة النساء / ١٠٢.
(٣) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". أخرجه البخاري (الفتح٢ / ١١١ - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث.