الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

٢١ - مَنْ شَرَعَ فِي صَلاَةٍ فَائِتَةٍ وَأُقِيمَتِ الْحَاضِرَةُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ صَلاَتَهُ، لَكِنَّهُ لَوْ خَافَ فَوْتَ جَمَاعَةِ الْحَاضِرَةِ قَبْل قَضَاءِ الْفَائِتَةِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ قَضَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقْتَدِي؛ لإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، مَعَ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ وَإِمْكَانِ تَلاَفِيهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ بَعْدَ أَنْ نَقَل ذَلِكَ عَنِ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لأَِنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا، أَوْ فِي حُكْمِ الْوَاجِبِ.

أَمَّا إِذَا شَرَعَ فِي قَضَاءِ فَرْضٍ، وَأُقِيمَتِ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ الْفَرْضِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَقْتَدِي. وَعُزِيَ لِلْخُلاَصَةِ: أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ لاَ يَقْطَعُ، هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ شَرَعَ فِي فَرِيضَةٍ، وَأُقِيمَتِ الْجَمَاعَةُ فِي غَيْرِهَا، بِأَنْ كَانَ فِي ظُهْرٍ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْعَصْرُ مَثَلًا قَطَعَ صَلاَتَهُ الَّتِي فِيهَا إِنْ خَشِيَ، بِأَنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ فَوَاتَ رَكْعَةٍ مَعَ الإِْمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ مَعَ الإِْمَامِ بِأَنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ إِدْرَاكَهُ فِي الأُْولَى عَقِبَ إِتْمَامِ مَا هُوَ فِيهِ فَلاَ يَقْطَعُ بَل يُتِمُّ صَلاَتَهُ (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٧٧.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٧٧، والحطاب ٢ / ٩٠ - ٩١.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ كَانَ يُصَلِّي فَائِتَةً، وَالْجَمَاعَةُ تُصَلِّي الْحَاضِرَةَ فَلاَ يَقْلِبُ صَلاَتَهُ نَفْلًا لِيُصَلِّيَهَا جَمَاعَةً، إِذْ لاَ تُشْرَعُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ حِينَئِذٍ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجَمَاعَةُ فِي تِلْكَ الْفَائِتَةِ بِعَيْنِهَا جَازَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لاَ يُنْدَبُ، أَيْ جَازَ قَطْعُ صَلاَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَيَقْتَدِي بِالإِْمَامِ (١) .

مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ الْجَمَاعَةَ:

٢٢ - يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُل إِذَا أَقْبَل إِلَى الصَّلاَةِ: أَنْ يُقْبِل بِخَوْفٍ وَوَجَلٍ وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَإِنْ سَمِعَ الإِْقَامَةَ لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا فِي عَجَلَةٍ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (٢) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَال: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ، قَال: فَلاَ تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ

_________

(١) أسنى المطالب ١ / ٢٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٥٢، والمجموع ٤ / ٢١٠ - ٢١١.

(٢) حديث أبي هريرة: " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٩٠ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٢٠ - ٤٢١ ط. الحلبي) .

فَأَتِمُّوا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَاقْضُوا (١) .

وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو إِسْحَاقَ: إِنْ خَافَ فَوَاتَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ إِذَا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَجَلَةً تَقْبُحُ، جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَ شَيْئًا إِذَا خَافُوا فَوَاتَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى، وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اشْتَدَّ إِلَى الصَّلاَةِ وَقَال: بَادِرُوا حَدَّ الصَّلاَةِ يَعْنِي التَّكْبِيرَةَ الأُْولَى (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ الإِْسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ لِلصَّلاَةِ فِي جَمَاعَةٍ لإِدْرَاكِ فَضْلِهَا إِسْرَاعًا يَسِيرًا بِلاَ خَبَبٍ أَيْ بِلاَ جَرْيٍ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، فَيُكْرَهُ، وَلَوْ خَافَ فَوَاتَ إِدْرَاكِهَا وَلَوْ جُمُعَةً؛ لأَِنَّ لَهَا بَدَلًا؛ وَلأَِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا أَذِنَ فِي السَّعْيِ مَعَ السَّكِينَةِ، فَانْدَرَجَتِ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِيهِ وَيَضِيقُ الْوَقْتُ، بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَهُ إِنْ لَمْ يُسْرِعْ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ (٣) .

كَذَلِكَ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ

_________

(١) حديث أبي قتادة: " بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (الفتح٢ / ١١٦ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٤٢٢ - ط. الحلبي) .

(٢) البدائع ١ / ٢١٨، والمهذب ١ / ١٠١، والمغني ١ / ٤٥٣ - ٤٥٤.

(٣) منح الجليل ١ / ٢٢٣.

وَخَشِيَ فَوَاتَهُ فَلْيُسْرِعْ، كَمَا لَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ وَكَذَلِكَ لَوِ امْتَدَّ الْوَقْتُ، وَكَانَتْ لاَ تَقُومُ إِلاَّ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُسْرِعْ لَتَعَطَّلَتْ، قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ (١) .

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَارِبَ بَيْنَ خَطْوِهِ لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ، فَإِنَّ كُل خُطْوَةٍ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَخَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَأَنَا مَعَهُ فَقَارَبَ فِي الْخُطَى ثُمَّ قَال: أَتَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَانَا فِي طَلَبِ الصَّلاَةِ (٢) .

كَيْفِيَّةُ انْتِظَامِ الْمُصَلِّينَ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ:

٢٣ - إِذَا انْعَقَدَتِ الْجَمَاعَةُ بِأَقَل مَا تَنْعَقِدُ بِهِ (وَاحِدٌ مَعَ الإِْمَامِ) فَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِ الإِْمَامِ إِذَا كَانَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا يَعْقِل، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً أَقَامَهَا خَلْفَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الإِْمَامِ اثْنَانِ، فَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَةً أَقَامَ الرَّجُل عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَ الرَّجُل.

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٢٣١.

(٢) المغني ١ / ٤٥٤، وحديث: زيد بن ثابت: " أقيمت الصلاة فخرج رسول الله ﷺ ". أخرجه عبد بن حميد (ص ١١٢ - ط عالم الكتب) وأخرجه كذلك الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد للهيثمي (٢ / ٣٢ ط القدسي) وقال الهيثمي: فيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف.

وَلَوْ كَانَتِ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةً وَفِيهِمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قَامَ الرِّجَال فِي الصُّفُوفِ الأُْولَى خَلْفَ الإِْمَامِ، ثُمَّ قَامَ الصِّبْيَانُ مِنْ وَرَاءِ الرِّجَال، ثُمَّ قَامَ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ الصِّبْيَانِ.

وَفِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ تَقِفُ الَّتِي تَؤُمُّ النِّسَاءَ وَسَطَهُنَّ.

وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ الإِْمَامُ عَنِ الْمَأْمُومِينَ فِي الْمَوْقِفِ، وَلاَ يَكُونُ مَوْقِفُ الإِْمَامِ أَعْلَى مِنْ مَوْقِفِ الْمُقْتَدِينَ (١) .

وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: مُصْطَلَحِ (إِمَامَةُ الصَّلاَةِ ج ٦ ف ٢٠ - ٢١ - ٢٢) .

أَفْضَلِيَّةُ الصُّفُوفِ وَتَسْوِيَتُهَا:

٢٤ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّاسُ فِي الصَّفِّ الأَْوَّل؛ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى التَّقَدُّمِ إِلَى الصَّفِّ الأَْوَّل، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَْوَّل لَكَانَتْ قُرْعَةً (٢) وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الصَّفُّ الأَْوَّل عَلَى مِثْل صَفِّ الْمَلاَئِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ

_________

(١) البدائع ١ / ١٥٨ - ١٥٩، والدسوقي ١ / ٣٤٤، والمهذب ١ / ١٠٦ - ١٠٧، وكشاف القناع ١ / ٤٨٥ - ٤٨٦ - ٤٨٧.

(٢) حديث: " لو تعلمون (أو يعلمون) ما في الصف الأول. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٢٦ ط الحلبي) .

فَضِيلَتَهُ لاَبْتَدَرْتُمُوهُ (١) .

كَمَا يُسْتَحَبُّ إِتْمَامُ الصُّفُوفِ، وَلاَ يَشْرَعُ فِي صَفٍّ حَتَّى يُتِمَّ مَا قَبْلَهُ، فَيَبْدَأُ بِإِتْمَامِ الصَّفِّ الأَْوَّل، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ الصُّفُوفِ، فَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ (٢) .

وَيُسْتَحَبُّ الاِعْتِدَال فِي الصُّفُوفِ، فَإِذَا وَقَفُوا فِي الصَّفِّ لاَ يَتَقَدَّمُ بَعْضُهُمْ بِصَدْرِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَلاَ يَتَأَخَّرُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَيُسَوِّي الإِْمَامُ بَيْنَهُمْ فَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ الْبَرَاءِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي نَاحِيَةَ الصَّفِّ وَيُسَوِّي بَيْنَ صُدُورِ الْقَوْمِ وَمَنَاكِبِهِمْ، وَيَقُول: لاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُْوَل (٣) .

_________

(١) حديث أبي بن كعب: " الصف الأول مثل صف الملائكة. . ". أخرجه النسائي (٢ / ١٠٥ ط المكتبة التجارية) والحاكم (١ / ٢٤٨ ط. دائرة المعارف العثمانية) ونقل الذهبي في تلخيصه عن جمع من العلماء أنهم صححوا هذا الحديث.

(٢) حديث أنس: " أتموا الصف المقدم. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٣٥ تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص ٤١٤ - ط المكتب الإسلامي) .

(٣) حديث البراء: " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم. . . ". أخرجه ابن خزيمة (٣ / ٢٦ - ط المكتب الإسلامي) وإسناده صحيح.

وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَال: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُْوَل، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ (١) وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَال: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي وَكَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ (٢) .

كَمَا يُسْتَحَبُّ سَدُّ الْفُرَجِ، وَالإِْفْسَاحُ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُول فِي الصَّفِّ (٣) . فَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَل، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلاَ تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَل صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ (٤) .

_________

(١) حديث " ألا تصفون كما تصف الملائكة ". أخرجه مسلم (١ / ٣٢٢ - ط الحلبي) .

(٢) حديث أنس: " أقيموا صفوفكم. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢١١ - ط. السلفية) .

(٣) فتح القدير ١ / ٣١١، نشر إحياء التراث العربي، والمجموع ٤ / ٢٢٦، ٢٢٧، ٣٠١ نشر المكتبة السلفية، والمغني ٢ / ٢١٩، وشرح الزرقاني ٢ / ١٧.

(٤) حديث ابن عمر: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب. . ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٣٣، تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن خزيمة والحاكم كما في فتح الباري (٢ / ٢١١ - ط. السلفية) .

قَال النَّوَوِيُّ: وَاسْتِحْبَابُ الصَّفِّ الأَْوَّل ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ إِلَى آخِرِهَا - هَذَا الْحُكْمُ مُسْتَمِرٌّ فِي صُفُوفِ الرِّجَال بِكُل حَالٍ، وَكَذَا فِي صُفُوفِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ بِجَمَاعَتِهِنَّ عَنْ جَمَاعَةِ الرِّجَال، أَمَّا إِذَا صَلَّتِ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَال جَمَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ فَأَفْضَل صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا (١) .

لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَال أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا (&# x٦٦٢ ;) .

صَلاَةُ الرَّجُل وَحْدَهُ خَلْفَ الصُّفُوفِ:

٢٥ - الأَْصْل فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُونَ صُفُوفًا مُتَرَاصَّةً كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ - وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَاحِدٌ مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصُّفُوفِ دُونَ عُذْرٍ، وَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِوُجُودِ الْعُذْرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - وَالأَْصْل فِيهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَى

_________

(١) المجموع ٤ / ٣٠١.

(٢) حديث: " خير صفوف الرجال أولها. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٢٦ ط. الحلبي) .

الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ (١) .

قَال الْفُقَهَاءُ: يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ لُزُومِ الإِْعَادَةِ، وَأَنَّ الأَْمْرَ الَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاَةَ (٢) . هَذَا الأَْمْرُ بِالإِْعَادَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ (٣) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَبْطُل صَلاَةُ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ رَكْعَةً كَامِلَةً خَلْفَ الصَّفِّ مُنْفَرِدًا دُونَ عُذْرٍ؛ لِحَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ.

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَانْصَرَفَ، وَرَجُلٌ فَرْدٌ خَلْفَ الصَّفِّ، قَال: فَوَقَفَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ قَال: اسْتَقْبِل صَلاَتَكَ، لاَ صَلاَةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ (٤) .

_________

(١) حديث أبي بكرة: " أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع. . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٦٧ - ط السلفية) .

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف. . ". أخرجه الترمذي (١ / ٤٤٥ - ٤٤٦ - ط الحلبي) وقال: حديث حسن.

(٣) البدائع ١ / ٢١٨، وفتح القدير ١ / ٣٠٩، نشر دار إحياء التراث، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٧، والحطاب مع المواق ٢ / ١٣١، وجواهر الإكليل ١ / ٨٠.

(٤) حديث علي بن شيبان: " استقبل صلاتك ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٢٠ ط - الحلبي) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ١٩٥ - ط دار الجنان): هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات.

فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَاهُ فَقَال: لاَ تُعِدْ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَعُذْرُهُ فِيمَا فَعَلَهُ لِجَهْلِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وَلِلْجَهْل تَأْثِيرٌ فِي الْعَفْوِ (١) .

وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ كَيْفِيَّةِ تَصَرُّفِ الْمَأْمُومِ لِيَجْتَنِبَ الصَّلاَةَ مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ، حَتَّى تَنْتَفِيَ الْكَرَاهَةُ، كَمَا يَقُول جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَتَصِحُّ كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ:

٢٦ - مَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الْجَمَاعَةُ، فَإِنْ وَجَدَ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ الأَْخِيرِ وَقَفَ فِيهَا، أَوْ وَجَدَ الصَّفَّ غَيْرَ مَرْصُوصٍ وَقَفَ فِيهِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ (٢) .

وَإِنْ وَجَدَ الْفُرْجَةَ فِي صَفٍّ مُتَقَدِّمٍ فَلَهُ أَنْ يَخْتَرِقَ الصُّفُوفَ لِيَصِل إِلَيْهَا لِتَقْصِيرِ الْمُصَلِّينَ فِي تَرْكِهَا، يَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ نَظَرَ إِلَى فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ فَلْيَسُدَّهَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل، فَمَرَّ مَارٌّ، فَلْيَتَخَطَّ

_________

(١) المغني ٢ / ٢١١ - ٢١٢.

(٢) حديث: " إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف ". أخرجه ابن حبان (الإحسان ٥ / ٥٣٦ - ط الرسالة) من حديث عائشة، وإسناده حسن.