الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
التَّحْرِيمَةِ لِكُل رَكْعَتَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُمْ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ إِنْ تَعَمَّدَ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُتَوَارَثَ، وَتَصْرِيحُهُمْ بِكَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَانٍ فِي صَلاَةِ مُطْلَقِ التَّطَوُّعِ فَهُنَا أَوْلَى.
وَقَالُوا: إِذَا لَمْ يَقْعُدْ فِي كُل رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلاَ تَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهَا تَجُوزُ عَنْ تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَكُونَ الشَّفْعُ الأَْوَّل كَامِلًا، وَكَمَالُهُ بِالْقَعْدَةِ وَلَمْ تُوجَدْ، وَالْكَامِل لاَ يَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ لِمَنْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ التَّسْلِيمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ التَّسْلِيمِ بَعْدَ كُل أَرْبَعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَل عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَالأَْفْضَل لَهُ السَّلاَمُ بَعْدَ كُل رَكْعَتَيْنِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ صَلَّى فِي التَّرَاوِيحِ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَصِحَّ، فَتَبْطُل إِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا، وَإِلاَّ صَارَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّرَاوِيحَ أَشْبَهَتِ الْفَرَائِضَ فِي طَلَبِ الْجَمَاعَةِ فَلاَ تُغَيَّرُ عَمَّا وَرَدَ (٣) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَابِلَةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
_________
(١) رد المحتار ١ / ٤٧٤، بدائع الصنائع ١ / ٢٨٩.
(٢) حاشية العدوي على كفاية الطالب ١ / ٣٥٣
(٣) نهاية المحتاج ٢ / ١٢٣، أسنى المطالب ١ / ٢٠١، القليوبي ١ / ٢١٧
الْقُعُودُ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ:
١٤ - جَاءَ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ قَاعِدًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ تَنْزِيهًا لأَِنَّهُ خِلاَفُ السُّنَّةِ الْمُتَوَارَثَةِ (١) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: يُكْرَهُ لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَقْعُدَ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، فَإِذَا أَرَادَ الإِْمَامُ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِظْهَارَ التَّكَاسُل فِي الصَّلاَةِ وَالتَّشَبُّهَ بِالْمُنَافِقِينَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (٢) فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِكَسَلٍ بَل لِكِبَرٍ وَنَحْوِهِ لاَ يُكْرَهُ (٣)، وَلَمْ نَجِدْ مِثْل هَذَا لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقْتُ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ:
١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ مِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَقَبْل الْوِتْرِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِنَقْل الْخَلَفِ عَنِ السَّلَفِ، وَلأَِنَّهَا عُرِفَتْ بِفِعْل الصَّحَابَةِ فَكَانَ وَقْتُهَا مَا صَلَّوْا فِيهِ، وَهُمْ صَلَّوْا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْل الْوِتْرِ؛ وَلأَِنَّهَا سُنَّةٌ تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ فَكَانَ وَقْتُهَا قَبْل الْوِتْرِ.
وَلَوْ صَلاَّهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَقَبْل الْعِشَاءِ
_________
(١) الاختيار ١ / ٦٩، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١ / ٤٧٥، وبدائع الصنائع ١ / ٢٩٠.
(٢) سورة النساء / ١٤٢.
(٣) رد المحتار ١ / ٤٧٥.
فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ عَنِ التَّرَاوِيحِ، وَتَكُونُ نَافِلَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تَصِحُّ؛ لأَِنَّ جَمِيعَ اللَّيْل إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْل الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا وَقْتٌ لِلتَّرَاوِيحِ؛ لأَِنَّهَا سُمِّيَتْ قِيَامَ اللَّيْل فَكَانَ وَقْتُهَا اللَّيْل.
وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ الصِّحَّةِ بِأَنَّهَا تُفْعَل بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ وَهِيَ الْعِشَاءُ فَلَمْ تَصِحَّ قَبْلَهَا كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّ التَّرَاوِيحَ تُصَلَّى بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ سُنَّتِهَا، قَال الْمَجْدُ: لأَِنَّ سُنَّةَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ، فَكَانَ إِتْبَاعُهَا لَهَا أَوْلَى.
وَلَوْ صَلاَّهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ الْوِتْرِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تُجْزِئُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّرَاوِيحِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل أَوْ نِصْفِهِ، وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي أَدَائِهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل، فَقِيل يُكْرَهُ؛ لأَِنَّهَا تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ كَسُنَّتِهَا، وَالصَّحِيحُ لاَ يُكْرَهُ لأَِنَّهَا مِنْ صَلاَةِ اللَّيْل وَالأَْفْضَل فِيهَا آخِرُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَتَهَا أَوَّل اللَّيْل أَفْضَل؛ لأَِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوَّلَهُ، وَقَدْ قِيل
لأَِحْمَد: يُؤَخَّرُ الْقِيَامُ أَيْ فِي التَّرَاوِيحِ إِلَى آخِرِ اللَّيْل؟ قَال: سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ (١) .
الْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ؛ لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا سَبَقَ، وَلِفِعْل الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - وَمَنْ تَبِعَهُمْ مُنْذُ زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁؛ وَلاِسْتِمْرَارِ الْعَمَل عَلَيْهِ حَتَّى الآْنِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ بِالْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي الأَْصَحِّ، فَلَوْ تَرَكَهَا الْكُل أَسَاءُوا، أَمَّا لَوْ تَخَلَّفَ عَنْهَا رَجُلٌ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ فَقَدْ تَرَكَ الْفَضِيلَةَ، وَإِنْ صَلَّى فِي الْبَيْتِ بِالْجَمَاعَةِ لَمْ يَنَل فَضْل جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تُنْدَبُ صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ فِي الْبُيُوتِ إِنْ لَمْ تُعَطَّل الْمَسَاجِدُ، وَذَلِكَ لِخَبَرِ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ
_________
(١) رد المحتار ١ / ٤٧٣، ومواهب الجليل ٣ / ٧٠، شرح الزرقاني ١ / ٢٨٣، أسنى المطالب ١ / ٢٠٣، فتح القدير ١ / ٣٣٤، المغني ٣ / ١٧٠، كشاف القناع ١ / ٤٢٦.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٧٣ - ٤٧٦.
الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ (١) وَلِخَوْفِ الرِّيَاءِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا صَلاَّهَا فِي بَيْتِهِ، هَل يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ أَوْ مَعَ أَهْل بَيْتِهِ؟ قَوْلاَنِ، قَال الزَّرْقَانِيُّ: لَعَلَّهُمَا فِي الأَْفْضَلِيَّةِ سَوَاءٌ.
وَنَدْبُ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ - فِي الْبُيُوتِ عِنْدَهُمْ - مَشْرُوطٌ بِثَلاَثَةِ أُمُورٍ: أَنْ لاَ تُعَطَّل الْمَسَاجِدُ، وَأَنْ يَنْشَطَ لِفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ، وَلاَ يَقْعُدَ عَنْهَا، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ آفَاقِيٍّ بِالْحَرَمَيْنِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل، وَقَال الزَّرْقَانِيُّ: يُكْرَهُ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ الاِنْفِرَادُ بِهَا عَنِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي يُصَلُّونَهَا فِيهِ، وَأَوْلَى إِذَا كَانَ انْفِرَادُهُ يُعَطِّل جَمَاعَةَ الْمَسْجِدِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ؛ وَلِلأَْثَرِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلِعَمَل النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الاِنْفِرَادَ بِصَلاَةِ التَّرَاوِيحِ أَفْضَل كَغَيْرِهَا مِنْ صَلاَةِ اللَّيْل لِبُعْدِهِ
_________
(١) حديث: " عليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ". أخرجه مسلم (١ / ٥٤٠ - ط. الحلبي) من حديث أبي ذر.
(٢) شرح الزرقاني ١ / ٢٨٣، حاشية الدسوقي ١ / ٣١٥.
عَنِ الرِّيَاءِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهَا فُرَادَى، قَال أَحْمَدُ: كَانَ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ﵃ يُصَلُّونَهَا فِي الْجَمَاعَةِ (٢) .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ، وَقَال: إِنَّ الرَّجُل إِذَا صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ (٣) .
وَقَالُوا: إِنْ تَعَذَّرَتِ الْجَمَاعَةُ صَلَّى وَحْدَهُ لِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٤)
الْقِرَاءَةُ وَخَتْمُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي التَّرَاوِيحِ:
١٧ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ الصَّلاَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ الْخَتْمُ مَرَّةً، فَلاَ يَتْرُكُ الإِْمَامُ الْخَتْمَ لِكَسَل الْقَوْمِ، بَل يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ عَشَرَ آيَاتٍ أَوْ نَحْوَهَا، فَيَحْصُل بِذَلِكَ الْخَتْمُ؛ لأَِنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِ التَّرَاوِيحِ فِي
_________
(١) شرح المحلى ١ / ٢١٧ - ٢١٨.
(٢) كشاف القناع ١ / ٤٢٥، المغني ٢ / ١٦٩.
(٣) حديث أبي ذر: " من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام تلك الليلة ". تقدم ف ٦.
(٤) حديث: " من قام رمضان. . . . ". تقدم تخريجه ف ٦.
شَهْرِ رَمَضَانَ سِتُّمِائَةِ رَكْعَةٍ، أَوْ خَمْسُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ، وَآيُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ سِتُّ آلاَفٍ وَشَيْءٌ.
وَيُقَابِل قَوْل هَؤُلاَءِ مَا قِيل: الأَْفْضَل أَنْ يَقْرَأَ قَدْرَ قِرَاءَةِ الْمَغْرِبِ لأَِنَّ النَّوَافِل مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ خُصُوصًا بِالْجَمَاعَةِ، وَمَا قِيل: يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ ثَلاَثِينَ آيَةً لأَِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَرَ بِذَلِكَ، فَيَقَعُ الْخَتْمُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي رَمَضَانَ؛ لأَِنَّ لِكُل عَشْرٍ فَضِيلَةً كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ.
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: مَا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ مِنْ بَابِ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَهَذَا فِي زَمَانِهِمْ، وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالأَْفْضَل أَنْ يَقْرَأَ الإِْمَامُ عَلَى حَسَبِ حَال الْقَوْمِ، فَيَقْرَأُ قَدْرَ مَا لاَ يُنَفِّرُهُمْ عَنِ الْجَمَاعَةِ؛ لأَِنَّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل مِنْ تَطْوِيل الْقِرَاءَةِ.
وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنَ اسْتَحَبَّ الْخَتْمَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ رَجَاءَ أَنْ يَنَالُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِذَا خَتَمَ قَبْل آخِرِهِ. . قِيل: لاَ يُكْرَهُ لَهُ التَّرَاوِيحُ فِيمَا بَقِيَ، قِيل: يُصَلِّيهَا وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا يَشَاءُ (١) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ
_________
(١) فتح القدير ١ / ٣٣٥، بدائع الصنائع ١ / ٢٨٩.
لِلإِْمَامِ الْخَتْمُ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَقِرَاءَةُ سُورَةٍ فِي تَرَاوِيحِ جَمِيعِ الشَّهْرِ تُجْزِئُ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ سُورَةٍ فِي كُل رَكْعَةٍ، أَوْ كُل رَكْعَتَيْنِ مِنْ تَرَاوِيحِ كُل لَيْلَةٍ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ تُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ خِلاَفَ الأَْوْلَى إِذَا كَانَ يَحْفَظُ غَيْرَهَا أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ غَيْرَهُ، قَال ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ: وَلَيْسَ الْخَتْمُ بِسُنَّةٍ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ التَّرَاوِيحَ فِي أَوَّل لَيْلَةٍ بِسُورَةِ الْقَلَمِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لأَِنَّهَا أَوَّل مَا نَزَل مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِذَا سَجَدَ لِلتِّلاَوَةِ قَامَ فَقَرَأَ مِنَ الْبَقَرَةِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْقَلَمِ فِي عِشَاءِ الآْخِرَةِ مِنَ اللَّيْلَةِ الأُْولَى مِنْ رَمَضَانَ.
قَال الشَّيْخُ: وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا نُقِل عَنْهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهَا التَّرَاوِيحَ وَيَخْتِمُ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنَ التَّرَاوِيحِ قَبْل رُكُوعِهِ وَيَدْعُو، نَصَّ عَلَيْهِ (٢) .
الْمَسْبُوقُ فِي التَّرَاوِيحِ:
١٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّرَاوِيحِ وَقَامَ الإِْمَامُ إِلَى الْوِتْرِ أَوْتَرَ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّى مَا فَاتَهُ (٣) .
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٣١٥، وأسنى المطالب ١ / ٢٠١.
(٢) كشاف القناع ١ / ٤٢٦ - ٤٢٧، المغني ٢ / ١٦٩، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٦٦.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٤٧٣.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِْمَامِ رَكْعَةً فَلاَ يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الأَْخِيرَتَيْنِ مِنَ التَّرْوِيحَةِ أَوْ مِنَ الأُْولَيَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الأَْخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُ بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ فِي أَثْنَاءِ فَتْرَةِ الرَّاحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يُسَلِّمُ سَلاَمَهُ وَلَكِنْ يَقُومُ فَيَصْحَبُ الإِْمَامَ فَإِذَا قَامَ الإِْمَامُ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى مِنَ الأُْخْرَيَيْنِ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَل مَعَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْخْرَيَيْنِ فَصَلَّى مِنْهُمَا رَكْعَةً ثُمَّ قَضَى الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا حِينَ انْفِرَادِهِ بِالتَّنَفُّل (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: سُئِل أَحْمَدُ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ تَرْوِيحَةٍ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّي إِلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ؟ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ، وَقَال: هِيَ تَطَوُّعٌ (٢) .
قَضَاءُ التَّرَاوِيحِ:
١٩ - إِذَا فَاتَتْ صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ عَنْ وَقْتِهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِهِمْ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُقْضَى؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِآكَدَ مِنْ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَتِلْكَ لاَ تُقْضَى فَكَذَلِكَ هَذِهِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ قَضَاهَا كَانَتْ نَفْلًا مُسْتَحَبًّا لاَ تَرَاوِيحَ كَرَوَاتِبِ اللَّيْل؛ لأَِنَّهَا مِنْهَا،
_________
(١) المنتقى ١ / ٢١٠.
(٢) المغني ٢ / ١٧٠.
وَالْقَضَاءُ عِنْدَهُمْ مِنْ خَوَاصِّ الْفَرْضِ وَسُنَّةُ الْفَجْرِ بِشَرْطِهَا.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ التَّرَاوِيحَ فِي وَقْتِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا وَحْدَهُ مَا لَمْ يَدْخُل وَقْتُ تَرَاوِيحَ أُخْرَى، وَقِيل: مَا لَمْ يَمْضِ الشَّهْرُ (١) .
وَلَمْ نَجِدْ تَصْرِيحًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
لَكِنْ قَال النَّوَوِيُّ: لَوْ فَاتَ النَّفَل الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَْظْهَرِ (٢) .
_________
(١) رد المحتار ١ / ٤٧٣، وكشاف القناع ١ / ٤٢٦.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٢٢٤.