الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 21

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

هَذَا الْقَيْدِ ابْنُ عَابِدِينَ.

وَلاَ يُكْرَهُ - أَيْضًا - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالأَْعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا (١) .

كَمَا لاَ يُكْرَهُ تَفْرِيقُهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ يَقْسِمُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (٢) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَنْبَغِي تَفْرِيقُ السُّورَةِ، وَلَوْ فَعَل لاَ بَأْسَ بِهِ، وَلاَ يُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيل: يُكْرَهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ تَكْرِيرِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (٣) . (ر: قِرَاءَةٌ)

٨٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى كَرَاهَةِ تَغْمِيضِ الْعَيْنَيْنِ فِي الصَّلاَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ (٤) .

_________

(١) حديث زيد بن ثابت: " أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٤٦ - ط السلفية) .

(٢) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ كان يقسم البقرة في الركعتين ". أورده ابن قدامة في المغني (١ / ٤١٠ - ط مكتبة القاهرة) وعزاه إلى الخلال.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٦٥، حاشية الدسوقي ١ / ٢٤٢، وبلغة السالك ١ / ٢٤٦، الفتاوى الهندية ١ / ٧٨، كشاف القناع ١ / ٣٧٤.

(٤) حديث: " إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١ / ٣٤ - ط وزارة الأوقاف العراقية) من حديث ابن عباس، وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد ٢ / ٨٣ - ط. اقدسي) وقال: فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وقد عنعنه.

وَاحْتَجَّ لَهُ - أَيْضًا - بِأَنَّهُ فِعْل الْيَهُودِ، وَمَظِنَّةُ النَّوْمِ. وَعَلَّل فِي الْبَدَائِعِ: بِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَرْمِيَ بِبَصَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَفِي التَّغْمِيضِ تَرْكُهَا. وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَنْزِيهِيَّةٌ.

وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ التَّغْمِيضَ لِكَمَال الْخُشُوعِ، بِأَنْ خَافَ فَوْتَ الْخُشُوعِ بِسَبَبِ رُؤْيَةِ مَا يُفَرِّقُ الْخَاطِرَ فَلاَ يُكْرَهُ حِينَئِذٍ، بَل قَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ الأَْوْلَى. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَمَحَل كَرَاهَةِ التَّغْمِيضِ مَا لَمْ يَخَفِ النَّظَرَ لِمُحَرَّمٍ، أَوْ يَكُونُ فَتْحُ بَصَرِهِ يُشَوِّشُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يُكْرَهُ التَّغْمِيضُ حِينَئِذٍ.

وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ - أَيْ تَغْمِيضُ الْعَيْنَيْنِ - إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا كُرِهَ (١) .

كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا بَال أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣٤، حاشية الدسوقي ١ / ٢٥٤، مغني المحتاج ١ / ١٨١، شرح روض الطالب ١ / ١٦٩، كشاف القناع ١ / ٣٧٠.

أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ. فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَال: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ (١) .

قَال الأَْذْرَعِيُّ: وَالْوَجْهُ تَحْرِيمُهُ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالنَّهْيِ الْمُسْتَحْضِرِ لَهُ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ - فَنَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ (٢) .

قَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ حَال التَّجَشِّي إِذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ لِئَلاَّ يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ (٣) .

وَيُكْرَهُ - أَيْضًا - النَّظَرُ إِلَى مَا يُلْهِي عَنِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي

_________

(١) حديث: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٣٣ - ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٣٢١ - ط. الحلبي) .

(٢) حديث: " أنه ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء. . ". أخرجه الحاكم (٢ / ٣٩٣ - ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وصوب الذهبي إرساله.

(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ١٩٤، ١٩٥، مجمع الأنهر ١ / ١٢٤، مغني المحتاج ١ / ٢٠١، كشاف القناع ١ / ٣٧٠.

جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي (١)؛ وَلأَِنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ إِكْمَال الصَّلاَةِ (٢) .

٩٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّخَصُّرِ - وَهُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ فِي الْقِيَامِ - لِقَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُتَخَصِّرًا (٣) .

قَال الدُّسُوقِيُّ: الْخَصْرُ: هُوَ مَوْضِعُ الْحِزَامِ مِنْ جَنْبِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لأَِنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ تُنَافِي هَيْئَةَ الصَّلاَةِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ فِي الصَّلاَةِ لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ (٤) .

٩١ - كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ مَا كَانَ مِنَ الْعَبَثِ وَاللَّهْوِ كَفَرْقَعَةِ الأَْصَابِعِ وَتَشْبِيكِهَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي (٥) . وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا تَوَضَّأَ

_________

(١) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٨٢ - ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٣٩١ - ط. الحلبي) .

(٢) مغني المحتاج ١ / ٢٠١، كشاف القناع ١ / ٣٧٠.

(٣) حديث: " نهى أن يصلي الرجل متخصرًا ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٨٨ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٣٨٧ - ط. الحلبي) .

(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣٢، حاشية الدسوقي ١ / ٢٥٤، مغني المحتاج ١ / ٢٠٢، كشاف القناع ١ / ٣٧٢.

(٥) حديث: " لا تُفَقِّع أصابعك وأنت تصلي ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣١٠ - ط. الحلبي)، من حديث علي بن أبي طالب. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ١٩٠ - ط. دار الجنان): هذا إسناد فيه الحارث بن عبد الله الأعور، وهو ضعيف. وقد اتهمه بعضهم.

أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ فَلاَ يَقُل هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (١) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ (٢) .

٩٢ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - أَيْضًا - عَلَى كَرَاهَةِ الْعَبَثِ بِاللِّحْيَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ جَسَدِهِ؛ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلاَةِ، فَقَال: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ (٣) .

وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ لِحَاجَةٍ: كَحَكِّ بَدَنِهِ لِشَيْءٍ أَكَلَهُ وَأَضَرَّهُ، وَسَلْتِ عِرْقٍ يُؤْذِيهِ وَيَشْغَل قَلْبَهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْعَمَل يَسِيرًا.

٩٣ - وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ أَوْ

_________

(١) حديث أبي هريرة: " إذا توضأ في بيته ثم أتى المسجد ". أخرجه الحاكم (١ / ٢٠٦ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣١، حاشية الدسوقي ١ / ٢٥٤، مغني المحتاج ١ / ٢٠٢، كشاف القناع ١ / ٣٧٢.

(٣) حديث: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ". عزاه السيوطي في الجامع (فيض القدير ٥ / ٣١٩ - ط. المكتبة التجارية) إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ونقل المناوي عن العراقي أن في إسناده راويًا اتفق على تضعيفه.

طَرَفُ عِمَامَتِهِ كُرِهَ لَهُ تَسْوِيَتُهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (١) .

٩٤ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ تَقْلِيبِ الْحَصَى وَمَسِّهِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلاَ يَمْسَحِ الْحَصَى (٢) كَمَا يُكْرَهُ مَسْحُ الْحَصَى وَنَحْوِهِ حَيْثُ يَسْجُدُ؛ لِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي الرَّجُل يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً (٣) .

وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ الْكَرَاهَةَ بِعَدَمِ الْعُذْرِ.

وَرَخَّصَ الْحَنَفِيَّةُ تَسْوِيَةَ الْحَصَى مَرَّةً لِلسُّجُودِ التَّامِّ، بِأَنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ تَمْكِينُ جَبْهَتِهِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ إِلاَّ بِذَلِكَ.

قَالُوا: وَتَرْكُهَا أَوْلَى. وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ وَضْعُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْجَبْهَةِ إِلاَّ بِهِ تَعَيَّنَ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فِي الصَّلاَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣٠، حاشية الدسوقي ١ / ٢٥٥، مغني المحتاج ١ / ١٨١، كشاف القناع ١ / ٣٧٢.

(٢) حديث: " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه. . . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٢٨ - ط. الحلبي)، والحميدي (١ / ٧١ - ط. عالمي برس) وعند الحميدي ذكر لجهالة الراوي عن أبي ذر.

(٣) حديث معيقيب: " إن كنت فاعلا فواحدة ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٧٩ - ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٣٨٧ - ط الحلبي) .

عَنْهُ؛ وَلِمُنَافَاتِهِ لِهَيْئَةِ الْخُشُوعِ (١) .

٩٥ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ عَدِّ الآْيِ وَالسُّوَرِ، وَالتَّسْبِيحِ بِأَصَابِعِ الْيَدِ أَوْ بِسُبْحَةٍ يُمْسِكُهَا فِي الصَّلاَةِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَتْ نَفْلًا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنِ الصَّاحِبَيْنِ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ.

وَقِيل: الْخِلاَفُ فِي الْفَرَائِضِ وَلاَ كَرَاهَةَ فِي النَّوَافِل اتِّفَاقًا. وَقِيل: فِي النَّوَافِل وَلاَ خِلاَفَ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الْفَرَائِضِ. وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَهُمْ تَنْزِيهِيَّةٌ وَعَلَّلُوهَا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَال الصَّلاَةِ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ عَدِّ الآْيِ وَالتَّسْبِيحِ بِأَصَابِعِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَعْقِدُ الآْيَ بِأَصَابِعِهِ (٣) . وَعَدُّ التَّسْبِيحِ فِي مَعْنَى عَدِّ الآْيِ.

قَال الْبُهُوتِيُّ: وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي عَدِّ التَّسْبِيحِ لأَِنَّهُ يَتَوَالَى لِقِصَرِهِ، فَيَتَوَالَى حِسَابُهُ فَيَكْثُرُ الْعَمَل بِخِلاَفِ عَدِّ الآْيِ (٤) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣١، مغني المحتاج ١ / ٢٠١، كشاف القناع ١ / ٣٧٢، ٣٧٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣٧.

(٣) حديث أنس: " رأيت النبي ﷺ يعقد الآي بأصابعه ". أورده البهوتي في كشاف القناع (١ / ٣٧٦ - ط. عالم الكتب) وعزاه إلى محمد بن خلف.

(٤) كشاف القناع ١ / ٣٧٦.

٩٦ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ تَرَوُّحِهِ - جَلْبُ نَسِيمِ الرِّيحِ - بِمِرْوَحَةٍ وَنَحْوِهَا، لأَِنَّهُ مِنَ الْعَبَثِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: إِلاَّ لِحَاجَةٍ كَغَمٍّ شَدِيدٍ فَلاَ يُكْرَهُ مَا لَمْ يُكْثِرْ مِنَ التَّرَوُّحِ، فَيُبْطِل الصَّلاَةَ إِنْ تَوَالَى.

وَفِي الْهِنْدِيَّةِ عَنِ التَّتَارْخَانِيَّةِ يُكْرَهُ أَنْ يَذُبَّ بِيَدِهِ الذُّبَابَ أَوِ الْبَعُوضَ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ (١) .

٩٧ - وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، لأَِنَّهُ تَكَلُّفٌ يُنَافِي الْخُشُوعَ، إِلاَّ إِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَوَجَعِ الأُْخْرَى فَلاَ كَرَاهَةَ.

كَمَا نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ رَفْعِ الرِّجْل عَنِ الأَْرْضِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَطُول الْقِيَامِ، كَمَا يُكْرَهُ عِنْدَهُمْ وَضْعُ قَدَمٍ عَلَى أُخْرَى لأَِنَّهُ مِنَ الْعَبَثِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا إِقْرَانُهُمَا. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ كَثْرَةِ الْمُرَاوَحَةِ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسْكِنْ أَطْرَافَهُ، وَلاَ يَتَمَيَّل كَمَا يَتَمَيَّل الْيَهُودُ (٢) . قَال فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَطُل قِيَامُهُ، أَمَّا قِلَّةُ الْمُرَاوَحَةِ فَتُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ

_________

(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ١٩٤، مغني المحتاج ١ / ٢٠٢، كشاف القناع ١ / ٣٧٢.

(٢) حديث: " إذا قام أحدكم لصلاته فليسكن أطرافه ". أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢ / ٦٢٠ - ط. دار الفكر) في ترجمته راو وذكر جمعًا من العلماء قد ضعفوه.

وَلاَ تُكْرَهُ (١) . لِمَا رَوَى الأَْثْرَمُ عَنْ أَبِي عُبَادَةَ قَال: رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ فَقَال: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَل، وَفِي رِوَايَةٍ: أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ.

٩٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الإِْقْعَاءِ فِي جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ.

انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِقْعَاء) .

٩٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ؟ فَقَال: هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ (٢) . وَالْكَرَاهَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ أَوِ الْعُذْرِ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ: كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِحَدِيثِ سَهْل بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَال: ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ - يَعْنِي صَلاَةَ الصُّبْحِ - فَجَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ. قَال: وَكَانَ أَرْسَل فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ (٣) .

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٢٥٤، مغني المحتاج ١ / ٢٠٢، كشاف القناع ١ / ٣٧٢.

(٢) حديث عائشة: " سألت النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٤٣٤ - ط. السلفية) .

(٣) حديث سهل بن الحنظلية: " ثوب بالصلاة ". أخرجه أبو داود (١ / ٥٦٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٢ / ٨٣ - ٨٤ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: كَانَ ﷺ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلاَ يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ (١) .

وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: الاِلْتِفَافُ بِالْوَجْهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَبِالْبَصَرِ - أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيل الْوَجْهِ أَصْلًا - مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. وَعَنِ الزَّيْلَعِيِّ وَالْبَاقَانِيِّ: أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يُلاَحِظُ أَصْحَابَهُ فِي صَلاَتِهِ بِمُوقِ عَيْنَيْهِ، أَمَّا الاِلْتِفَاتُ بِالصَّدْرِ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلصَّلاَةِ وَسَيَأْتِي.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الاِلْتِفَاتُ مَكْرُوهٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ، وَلَوْ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ، وَلاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ مَا بَقِيَتْ رِجْلاَهُ لِلْقِبْلَةِ، وَبَعْضُهُ أَخَفُّ بِالْكَرَاهَةِ مِنْ بَعْضٍ، فَالاِلْتِفَاتُ بِالْخَدِّ أَخَفُّ مِنْ لَيِّ الْعُنُقِ، وَلَيُّ الْعُنُقِ أَخَفُّ مِنْ لَيِّ الصَّدْرِ، وَالصَّدْرُ أَخَفُّ مِنْ لَيِّ الْبَدَنِ كُلِّهِ،

_________

(١) حديث ابن عباس: " كان ﷺ يلتفت في صلاة يمينًا وشمالا ". أخرجه النسائي (٣ / ٩ - ط. المكتبة التجارية)، والحاكم (١ / ٢٣٦ - ٢٣٧ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.