الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

ح م) رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَالْقِيَامُ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ:

٧٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَل ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَيَفْعَل ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ (١) . وَعَنِ الْحَسَنِ: " أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ (٢) ".

وَكَانَ عُمَرُ " إِذَا رَأَى رَجُلًا لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَّبَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ.

قَال الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشْرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَدَمُ الرَّفْعِ.

وَقَال السُّيُوطِيُّ: الرَّفْعُ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) حديث ابن عمر: " رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢١٩ - ط السلفية) .

(٢) قول الحسن: " أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يفعلون ذلك ". أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين. ص ٨٠ - ط إدارة العلوم الأثرية - باكستان) .

مِنْ رِوَايَةِ خَمْسِينَ صَحَابِيًّا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَل فِي الصَّلاَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَال سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ (١) .

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ هِيَ عَدَمُ الرَّفْعِ.

قَال فِي الإِْنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلاَّ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، فَلاَ يُشْرَعُ رَفْعُهُمَا عِنْدَ الرُّكُوعِ أَوِ الرَّفْعِ مِنْهُ، أَوِ الْقِيَامِ لِلثَّالِثَةِ. لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعْهُمَا حَتَّى انْصَرَفَ (٢) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال:

_________

(١) حديث: " أن ابن عمر كان إذا دخل الصلاة كبر ورفع يديه ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٢٢ - ط السلفية) .

(٢) حديث البراء: " رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه حين افتتح الصلاة. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٧٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) ثم قال: هذا الحديث ليس بصحيح.

مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيَكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْل شُمْسٍ، اسْكُنُوا فِي الصَّلاَةِ (١) وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَلاَ أُصَلِّي بِكُمْ صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ فِي أَوَّل مَرَّةٍ (٢) .

(ط) كَيْفِيَّةُ الْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ وَالنُّهُوضِ مِنْهُ:

٧٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ عِنْدَ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ؛ لِمَا رَوَى وَائِل بْنُ حُجْرٍ ﵁ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْل يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ (٣) قَال التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ.

وَلأَِنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي. وَأَحْسَنُ

_________

(١) حديث جابر بن سمرة: " مالي أراكم رافعي أيديكم ". أخرجه مسلم (١ / ١٢٢ - ط الحلبي) .

(٢) تبيين الحقائق ١ / ١٢٠ وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٧ ومغني المحتاج ١ / ١٦٤ والشرقاوي على التحرير ١ / ١٩٨، ٢٠٩ كشاف القناع ١ / ٣٤٦، ٣٦٣ وحديث عبد الله بن مسعود: " ألا أصلي بكم صلاة النبي ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٤٠ - ط الحلبي) وضعفه غير واحد كما في " التلخيص الحبير " لابن حجر (١ / ٢٢٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٣) حديث وائل بن حجر: " رأيت النبي ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٥٦ - ط. الحلبي) والدارقطني (١ / ٣٤٥ - ط شركة الطباعة الفنية) وأشار الدارقطني إلي إعلاله.

فِي الشَّكْل وَرَأْيِ الْعَيْنِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَضَعُ جَبْهَتَهُ ثُمَّ أَنْفَهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: أَنْفَهُ ثُمَّ جَبْهَتَهُ. وَعِنْدَ النُّهُوضِ مِنَ السُّجُودِ يُسَنُّ الْعَكْسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَرْفَعَ جَبْهَتَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ الْمُتَقَدِّمِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الاِعْتِمَادُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ؛ لِكِبَرٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ سِمَنٍ وَنَحْوِهِ، فَيَعْتَمِدُ بِالأَْرْضِ، لِمَا رَوَى الأَْثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ قَال: مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا نَهَضَ أَنْ لاَ يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الأَْرْضِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ عَلَى يَدَيْهِ، مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى الأَْرْضِ؛ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ خُشُوعًا وَتَوَاضُعًا، وَأَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى نَدْبِ تَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ، وَتَأْخِيرِهِمَا عِنْدَ الْقِيَامِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ (١) .

_________

(١) حديث أبي هريرة: " إذا سجد أحدكم. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٥٢٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال النووي في المجموعة (٣ / ٤٢١ - ط. المنيرية): إسناده جيد.

قَالُوا: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لاَ يُقَدِّمُ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ هَوِيِّهِ لِلسُّجُودِ كَمَا يُقَدِّمُهُمَا الْبَعِيرُ عِنْدَ بُرُوكِهِ، وَلاَ يُؤَخِّرُهُمَا فِي الْقِيَامِ كَمَا يُؤَخِّرُهُمَا الْبَعِيرُ فِي قِيَامِهِ (١) .

(ى) هَيْئَةُ السُّجُودِ الْمَسْنُونَةُ:

٧٥ - كَيْفِيَّةُ السُّجُودِ الْمَسْنُونَةُ: أَنْ يَسْجُدَ الْمُصَلِّي عَلَى الأَْعْضَاءِ السَّبْعَةِ: الْجَبْهَةِ مَعَ الأَْنْفِ، وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ - مُمَكِّنًا جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الأَْرْضِ، وَيَنْشُرَ أَصَابِع يَدَيْهِ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ، وَيُفَرِّقَ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعَ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، وَيُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيَسْتَقْبِل بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الأَْرْكَانِ (٢) .

(ك) التَّشَهُّدُ الأَْوَّل وَقُعُودُهُ:

٧٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى سُنِّيَّةِ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل وَقُعُودِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْل السَّلاَمِ ثُمَّ سَلَّمَ (٣)

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٣٥، حاشية الدسوقي ١ / ٢٥٠، تبيين الحقائق ١ / ١١٦، مغني المحتاج ١ / ١٧٠، كشاف القناع ١ / ٣٥٠.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٣٩ وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٩ ومغني المحتاج ١ / ١٧٠ وكشاف القناع ١ / ٣٣٥.

(٣) حديث أن النبي ﷺ " قام من ركعتين من الظهر ولم يجلس ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٩٢ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٣٣٩ - ط. الحلبي) .

فَدَل عَدَمُ تَدَارُكِهِمَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِهِمَا كَمَا سَبَقَ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ (١) .

(ل) صِيغَةُ التَّشَهُّدِ:

٧٧ - سَبَقَ خِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ؛ فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ رُكْنٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَاجِبٌ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ، وَاخْتَلَفُوا - أَيْضًا - فِي صِيغَتِهِ الْمَسْنُونَةِ. (ر: تَشَهُّدٌ) .

(م) الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ (الصَّلاَةُ الإِْبْرَاهِيمِيَّةُ)

٧٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ سُنَّةٌ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ فِي أَنَّ الْمَشْهُورَ: هَل هِيَ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟

وَأَفْضَل صِيَغِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣١٢، حاشية الدسوقي ١ / ٢٤٣، مغني المحتاج ١ / ١٧٢، كشاف القناع ١ / ٣٤٧.

إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

وَهِيَ - أَيْضًا - أَفْضَل صِيَغِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ بِحَذْفِ (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) الأُْولَى.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ رُكْنٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.

وَقَدْ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ بِصِيغَةِ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (١)، وَهِيَ أَفْضَل الصِّيَغِ عِنْدَهُمْ. وَلَكِنْ يَتَحَقَّقُ رُكْنُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْل: (اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ) .

وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِبْدَال آلٍ بِأَهْلٍ؛ لأَِنَّ أَهْل الرَّجُل أَقَارِبُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، وَآلَهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَل الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالسُّنَّةُ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى

_________

(١) حديث كعب بن عجرة في الصلاة على النبي ﷺ. أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٥٢ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٣٠٥ - ط الحلبي) بلفظ: " خرج علينا رسول الله ﷺ. فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. كما صليت على آل إبراهيم: إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد. كم

آل إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

وَقَدْ وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ بِكُل هَذِهِ الصِّيَغِ (١) .

وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ تَسْوِيدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُصْطَلَحِ: (تَسْوِيدٌ ف ٧ " ١١ ٣٤٦ ") .

(ن) الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ:

٧٩ - يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُل: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ - إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ، أَوْ مَا أَحَبَّ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ ثُمَّ لِيَتَخَيَّرَ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ (٢) وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْدُوبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَدْعُو بِالأَْدْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْوِي الْقِرَاءَةَ إِذَا دَعَا بِأَدْعِيَةِ الْقُرْآنِ لِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٤٤، حاشية الدسوقي ١ / ٢٥١، مغني المحتاج ١ / ١٧٤، كشاف القناع ١ / ٣٨٨، مطالب أولي النهى ١ / ٤٥٩، ٤٩٩.

(٢» حديث: " إذا قعد أحدكم في الصلاة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٠١ - ٣٠٢ - ط. الحلبي) حديث ابن مسعود، ورواية البخاري في صحيحه (٢ / ٣٢٠ - ط. السلفية) .

الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ. وَلاَ يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلاَمَ النَّاسِ.

وَالأَْفْضَل الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي فَقَال: قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١)

وَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآْخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّال (٢) .

(س) كَيْفِيَّةُ الْجُلُوسِ:

٨٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَيْئَةِ الْجُلُوسِ الْمَسْنُونَةِ فِي الصَّلاَةِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَالرَّجُل يُسَنُّ لَهُ الاِفْتِرَاشُ، وَالْمَرْأَةُ يُسَنُّ لَهَا التَّوَرُّكُ.

_________

(١) حديث: قل: " اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا. . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣١٧ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٧٨ - ط. الحلبي) .

(٢) ابن عابدين ١ / ٣٥٠ وتبيين الحقائق ١ / ١٢٣ وحاشية الدسوقي ١ / ٢٥١، ٢٥٢ ومغني المحتاج ١ / ١٧٦ وكشاف القناع ١ / ٣٦٠ وحديث: " إذا فرغ أحدكم من التشهد ". أخرجه مسلم (١ / ٤١٢ - ط. الحلبي) .

لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل أَوِ الأَْخِيرِ، أَوِ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ الْمَسْنُونَةَ فِي جَمِيعِ جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ هِيَ التَّوَرُّكُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ التَّوَرُّكُ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالاِفْتِرَاشُ فِي بَقِيَّةِ جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآْخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُْخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَْرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ (١) .

وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الأَْخِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِلْسَاتِ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ فِيهَا لِلْحَرَكَةِ، بِخِلاَفِهِ فِي الأَْخِيرِ، وَالْحَرَكَةُ عَنْ الاِفْتِرَاشِ أَهْوَنُ.

وَالاِفْتِرَاشُ: أَنْ يَنْصِبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى قَائِمَةً عَلَى أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى

_________

(١) حديث أبي حميد: " كان إذا جلس في الركعتين. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٥٠ - ط. السلفية) والرواية الثانية أخرجها أبو داود (١ - ٥٩٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .