الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 16

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا أَحْدَث الرَّجُل وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلاَتُهُ (١) .

وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: إِذَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ أَحْدَث فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِير، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٢) فَإِنَّهُ إِنْ صَحَّ لاَ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ. ثُمَّ إِنَّهُ يَجِبُ مَرَّتَيْنِ، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ لَفْظُ " السَّلاَمُ " فَقَطْ دُونَ " عَلَيْكُمْ ".

٤٧ - إِتْيَانُ كُل فَرْضٍ أَوْ وَاجِبٍ فِي مَحَلِّهِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّهِ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَمِثَال تَأْخِيرِ الْفَرْضِ: مَا لَوْ أَتَمَّ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ مَكَثَ مُتَفَكِّرًا سَهْوًا ثُمَّ رَكَعَ.

وَمِثَال تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ: مَا لَوْ تَذَكَّرَ السُّورَةَ

_________

(١) حديث: " إذا أحدث الرجل وقد جلس آخر صلاته. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٢٦١ - ط دار الحلبي) وقال: هذا حديث إسناده ليس بذلك القوي، وقد اضطربوا في إسناده.

(٢) حديث: " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ". تقدم تخريجه ف ٢٧.

وَهُوَ رَاكِعٌ فَضَمَّهَا قَائِمًا وَأَعَادَ الرُّكُوعَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَكَذَا يَجِبُ تَرْكُ تَكْرِيرِ الرُّكُوعِ وَتَثْلِيثِ السُّجُودِ - لأَِنَّ فِي زِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي كُل رَكْعَةٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ وَسَجْدَتَانِ فَقَطْ، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا تَرْكُ وَاجِبٍ آخَرَ، وَهُوَ إِتْيَانُ الْفَرْضِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لأَِنَّ تَكْرِيرَ الرُّكُوعِ فِيهِ تَأْخِيرُ السُّجُودِ عَنْ مَحَلِّهِ وَتَثْلِيثُ السُّجُودِ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقِيَامِ أَوِ الْقَعْدَةِ، وَكَذَا الْقَعْدَةُ فِي آخِرِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى أَوِ الثَّالِثَةِ فَيَجِبُ تَرْكُهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهَا - أَيْضًا - تَأْخِيرُ الْقِيَامِ إِلَى الثَّانِيَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ عَنْ مَحَلِّهِ.

وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْقَعْدَةُ طَوِيلَةً، أَمَّا الْجِلْسَةُ الْخَفِيفَةُ الَّتِي اسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيَّةُ فَتَرْكُهَا غَيْرُ وَاجِبٍ، بَل هُوَ الأَْفْضَل.

وَهَكَذَا كُل زِيَادَةٍ بَيْنَ فَرْضَيْنِ أَوْ بَيْنَ فَرْضٍ وَوَاجِبٍ يَكُونُ فِيهَا تَرْكُ وَاجِبٍ بِسَبَبِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا تَرْكُ وَاجِبٍ آخَرَ، وَهُوَ تَأْخِيرُ الْفَرْضِ الثَّانِي عَنْ مَحَلِّهِ. وَيَدْخُل فِي الزِّيَادَةِ السُّكُوتُ، حَتَّى لَوْ شَكَّ فَتَفَكَّرَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ تَرْكَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ إِتْيَانُ كُل وَاجِبٍ أَوْ فَرْضٍ فِي مَحَلِّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَاجِبَ

لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِتَرْكِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، فَكَانَ تَرْكُهَا وَاجِبًا لِغَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الإِْخْلاَل بِهَذَا الْوَاجِبِ الإِْخْلاَل بِذَاكَ الْوَاجِبِ فَهُوَ نَظِيرُ عَدِّهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ الاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ فَإِنَّهُ فَرْضٌ لِغَيْرِهِ.

وَبَقِيَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ: قِرَاءَةُ قُنُوتِ الْوِتْرِ، وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ، وَالْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَيُسَرُّ (١) .

وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

ب - وَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:

٤٨ - تَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَال فِي مَحَلِّهَا: وَمَحَلُّهَا مَا بَيْنَ بَدْءِ الاِنْتِقَال وَانْتِهَائِهِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: فَإِذَا كَبَّرَ يَعْنِي الإِْمَامَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا. . .، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا (٢) وَهَذَا أَمْرٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَوْ شَرَعَ الْمُصَلِّي فِي التَّكْبِيرِ قَبْل انْتِقَالِهِ كَأَنْ يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْل هُوِيِّهِ إِلَيْهِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ بِأَنْ كَبَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ بَعْدَ انْتِهَاءِ هُوِيِّهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ التَّكْبِيرُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٦ وما بعدها، تبيين الحقائق ١ / ١٠٥ وما بعدها دار المعرفة مصورة من الطبعة الأميرية ١٣١٣هـ، فتح القدير ١ / ٢٤١ دار إحياء التراث العربي.

(٢) حديث أبي موسي: " فإذا كبر (يعني الإمام) وركع فكبروا واركعوا ". أخرجه مسلم (١ / ٣٠٣، ٣٠٤ - ط. الحلبي) .

يَأْتِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ.

وَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ فَوَقَعَ بَعْضُهُ خَارِجًا مِنْهُ فَهُوَ كَتَرْكِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهُ فِي مَحَلِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهُ رَاكِعًا أَوْ أَخَذَ فِي التَّشَهُّدِ قَبْل قُعُودِهِ.

قَال الْبُهُوتِيُّ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ التَّحَرُّزَ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوُ بِهِ يَكْثُرُ فَفِي الإِْبْطَال بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةُ رُكُوعِ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إِمَامَهُ رَاكِعًا، فَكَبَّرَ لِلإِْحْرَامِ ثُمَّ رَكَعَ مَعَهُ فَإِنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ رُكْنٌ، وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ هُنَا سُنَّةٌ لِلاِجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ. قَالُوا: وَإِنْ نَوَى تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاَتُهُ.

٤٩ - التَّسْمِيعُ: وَهُوَ قَوْل: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، وَهُوَ وَاجِبٌ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ دُونَ الْمَأْمُومِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول ذَلِكَ (١) . ﴿

وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِبُرَيْدَةَ يَا بُرَيْدَةُ، إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (٢) وَيَجِبُ أَنْ

_________

(١) حديث: " أنه كان يقول سمع الله لمن حمده ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٨٢ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٩٤ - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) حديث: " يا بريدة إذا رفعت رأسك في الركوع. . . ". أخرج الدارقطني (١ / ٣٣٩ - ط شركة الطباعة الفنية) وضعف إسناده السيوطي في " دفع التشنيع " (ص ٢٧ - ط دار العروبة) .

يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبَةً، فَلَوْ قَال: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.

وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ يَحْمَدُ فَقَطْ فِي حَال رَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ وَلاَ يُسْمِعْ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَال يَعْنِي الإِْمَامَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (١) . ٥٠ - التَّحْمِيدُ: وَهُوَ قَوْل: " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَقُول: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بِلاَ وَاوٍ. وَبِالْوَاوِ أَفْضَل، كَمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَقُول: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " بِلاَ وَاوٍ. وَأَفْضَل مِنْهُ مَعَ الْوَاوِ، فَيَقُول: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ".

٥١ - التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ: وَهُوَ قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقُول فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ. وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَْعْلَى (٢) .

_________

(١) حديث أبي هريرة: " إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده. . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٩٠ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٠٨ - ط. الحلبي) .

(٢) حديث حذيفة: " أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. " أخرجه الترمذي (٢ / ٤٨ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَال النَّبِيُّ ﷺ: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ. فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾ قَال: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ (١) .

٥٢ - التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ: وَهُوَ قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى "، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.

٥٣ - قَوْل: " رَبِّ اغْفِرْ لِي " فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: وَهُوَ وَاجِبٌ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي (٢) قَالُوا: وَإِنْ قَال: " رَبِّ اغْفِرْ لَنَا " أَوِ " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا " فَلاَ بَأْسَ.

_________

(١) حديث عقبة ابن عامر: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) . أخرجه أبو داود (١ / ٥٤٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٢٢٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي في أحد رواته: إياس ليس بالمعروف. وقال مرة أخري: ليس بالقوي. كما في التهذيب لابن حجر (١ / ٣٨٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٢) حديث حذيفة: أن النبي ﷺ " كان يقول: بين السجدتين. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٥٤٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.

٥٤ - التَّشَهُّدُ الأَْوَّل: لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ وَأَمَرَ بِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِينَ نَسِيَهُ. قَالُوا: وَهَذَا هُوَ الأَْصْل الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، لِسُقُوطِهَا بِالسَّهْوِ وَانْجِبَارِهَا بِالسُّجُودِ، وَالْمُجْزِئُ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) فَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، لِلاِتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي كُل الأَْحَادِيثِ.

٥٥ - الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الأَْوَّل: وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِ مَنْ قَامَ إِمَامُهُ سَهْوًا وَلَمْ يُنَبَّهْ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ حِينَئِذٍ التَّشَهُّدُ الأَْوَّل، وَيُتَابِعُ إِمَامَهُ وُجُوبًا (١) .

أَنْوَاعُ السُّنَنِ فِي الصَّلاَةِ:

٥٦ - قَسَّمَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - سُنَنَ الصَّلاَةِ بِاعْتِبَارِ تَأَكُّدِهَا وَعَدَمِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهَا إِلَى نَوْعَيْنِ:

فَقَسَّمَهَا الْحَنَفِيَّةُ إِلَى: سُنَنٍ وَآدَابٍ، وَالْمَقْصُودُ بِالسُّنَنِ: هِيَ السُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٣٤٧ وما بعدها، مطالب أولي النهى١ / ٥٠٢.

وَاظَبَ عَلَيْهَا الرَّسُول ﷺ أَوِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَرْكُهَا يُوجِبُ الإِْسَاءَةَ، وَالإِْثْمَ إِذَا أَصَرَّ عَلَى التَّرْكِ.

وَالآْدَابُ: وَهِيَ السُّنَنُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ، وَتَرْكُهَا لاَ يُوجِبُ إِسَاءَةً وَلاَ عِتَابًا لَكِنْ فِعْلُهَا أَفْضَل.

كَمَا قَسَّمَهَا الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: سُنَنٍ وَمَنْدُوبَاتٍ.

فَالسُّنَنُ: هِيَ السُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ.

وَالْمَنْدُوبَاتُ: هِيَ السُّنَنُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ وَيُسَمُّونَهَا - أَيْضًا - نَوَافِل وَفَضَائِل وَمُسْتَحَبَّاتٍ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَنْقَسِمُ إِلَى: أَبْعَاضٍ، وَهَيْئَاتٍ.

فَالأَْبْعَاضُ: هِيَ السُّنَنُ الْمَجْبُورَةُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَسُمِّيَتْ أَبْعَاضًا لِتَأَكُّدِ شَأْنِهَا بِالْجَبْرِ تَشْبِيهًا بِالْبَعْضِ حَقِيقَةً، وَالْهَيْئَاتُ: هِيَ السُّنَنُ الَّتِي لاَ تُجْبَرُ.

وَلَمْ يُقَسِّمْهَا الْحَنَابِلَةُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ وَإِنَّمَا قَسَّمُوهَا بِاعْتِبَارِ الْقَوْل وَالْفِعْل، فَهِيَ تَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ إِلَى: سُنَنِ أَقْوَالٍ، وَسُنَنِ أَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ (١) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣١٨، حاشية الدسوقي ١ / ٢٤٢، ٢٤٧، حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٥، مغني المحتاج ١ / ١٤٨، شرح روض الطالب ١ / ١٤٠، كشاف القناع ١ / ٣٩٠، ٣٨٥.

سُنَنُ الصَّلاَةِ:

(أ) رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:

٥٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُول ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ (١) .

وَقَدْ نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الرَّفْعِ.

٥٨ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَبِرُءُوسِ الأَْصَابِعِ فُرُوعَ أُذُنَيْهِ، وَيَسْتَقْبِل بِبُطُونِ كَفَّيْهِ الْقِبْلَةَ، وَيَنْشُرَ أَصَابِعَهُ وَيَرْفَعَهُمَا، فَإِذَا اسْتَقَرَّتَا فِي مَوْضِعِ مُحَاذَاةِ الإِْبْهَامَيْنِ شَحْمَتَيِ الأُْذُنَيْنِ يُكَبِّرُ؛ فَالرَّفْعُ يَكُونُ قَبْل التَّكْبِيرِ.

وَهَذَا فِي الرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ يَدَيْهَا حِذَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ، قَالُوا: وَلاَ يُطَأْطِئُ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ؛ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ.

وَلَوْ رَفَعَ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ كُل الضَّمِّ، وَلاَ يُفَرِّجُ كُل التَّفْرِيجِ بَل يَتْرُكُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَيْنَ الضَّمِّ وَالتَّفْرِيجِ.

وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ

_________

(١) حديث ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢١٨ - ط السلفية) .

مِنَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُْخْرَى رَفَعَهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إِلاَّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا.

كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوِ اعْتَادَ الْمُصَلِّي تَرْكَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، وَإِثْمُهُ لاَ لِنَفْسِ التَّرْكِ، بَل؛ لأَِنَّهُ اسْتِخْفَافٌ وَعَدَمُ مُبَالاَةٍ بِسُنَّةٍ وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ مُدَّةَ عُمُرِهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الاِسْتِخْفَافُ بِمَعْنَى التَّهَاوُنِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ، لاَ بِمَعْنَى الاِسْتِهَانَةِ وَالاِحْتِقَارِ، وَإِلاَّ كَانَ كُفْرًا.

٥٩ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الإِْحْرَامِ، فَيُكْرَهُ رَفْعُهُمَا قَبْل التَّكْبِيرِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالرَّفْعُ يَكُونُ بِحَيْثُ تَكُونُ ظُهُورُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا إِلَى الأَْرْضِ وَبِحَيْثُ يَنْتَهِي رَفْعُهُمَا إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيل: انْتِهَاؤُهَا إِلَى الصَّدْرِ، وَقِيل: يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ الأُْذُنَيْنِ، وَهُمَا مُقَابِلاَنِ لِلْمَشْهُورِ.

وَتُسَمَّى صِفَةُ هَذَا الرَّفْعِ عِنْدَهُمْ صِفَةَ الرَّاهِبِ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ - وَمُقَابِلُهُ صِفَتَانِ: صِفَةُ الرَّاغِبِ: وَهِيَ بِأَنْ يَجْعَل بُطُونَ يَدَيْهِ لِلسَّمَاءِ، وَصِفَةُ النَّابِذِ: وَهِيَ أَنْ يُحَاذِيَ بِكَفَّيْهِ مَنْكِبَيْهِ قَائِمَتَيْنِ وَرُءُوسَ أَصَابِعِهِمَا مِمَّا