الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ (١) . . . الْحَدِيثَ، وَقَال عُمَرُ ﵁ لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ إِلاَّ بِتَشَهُّدٍ.
وَأَقَل التَّشَهُّدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. وَهُوَ أَقَلُّهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَيْضًا - بِدُونِ لَفْظِ: " وَبَرَكَاتُهُ ". مَعَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ " وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ " " وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " لاِتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالتَّشَهُّدُ الأَْخِيرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ (٢) .
ك - الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ:
٢٦ - هِيَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٣)﴾، وَلِحَدِيثِ: قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ
_________
(١) حديث ابن مسعود: " كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد. . . ". أخرجه النسائي (٣ / ٤٠ - ط دار المحاسن) وصححه الدارقطني إسناده.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٢٤٣، مغني المحتاج ١ / ١٧٢، كشاف القناع ١ / ٣٨٨، مطالب أولي النهى ١ / ٤٩٩.
(٣) سورة الأحزاب / ٥٦.
حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (١) .
وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْوِتْرِ (٢) . وَقَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٣) .
وَأَقَل الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: (اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ) قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَنَحْوُهُ كَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ عَلَيْهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، فَلَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْل التَّشَهُّدِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يَعُدُّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رُكْنًا مُسْتَقِلًّا، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهَا مِنْ جُمْلَةِ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ (٤) .
ل - السَّلاَمُ:
٢٧ - اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى
_________
(١) حديث: " قد علمنا كيف نسلم عليك. . ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٥٢ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٠٥ - ط. الحلبي) من حديث كعب بن عجرة، واللفظ للبخاري.
(٢) حديث: " صلى النبي ﷺ على نفسه في الوتر. . . ". أخرجه النسائي (٣ / ٢٤٨ - ط المكتبة التجارية) وأعله ابن حجر بالانقطاع في سنده، كذا في التلخيص الحبير (١ / ٢٤٨ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". تقدم ف ١٩.
(٤) مغني المحتاج ١ / ١٧٢، شرح روض الطالب ١ / ١٦٥، حاشية الجمل ١ / ٣٨١ وما بعدها، كشاف القناع ١ / ٣٨٨، مطالب أولي النهى ١ / ٤٩٩.
رُكْنِيَّتِهِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (١) وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ (٢) .
وَلَفْظُهُ الْمُجْزِئُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ".
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَلاَ يُجْزِئُ سَلاَمُ اللَّهِ، أَوْ سَلاَمِي، أَوْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، وَلاَ بُدَّ - أَيْضًا - مِنْ تَأَخُّرِ " عَلَيْكُمْ " وَأَنْ يَكُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ تَقَدُّمَ " عَلَيْكُمْ " فَيُجْزِئُ عِنْدَهُمْ " عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ " مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَالُوا: وَلاَ يُجْزِئُ السَّلاَمُ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ لِلْغَائِبِ، وَلاَ عَلَيْكَ وَلاَ عَلَيْكُمَا، وَلاَ سَلاَمِي عَلَيْكُمْ، وَلاَ سَلاَمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَلاَ تُجْزِئُ - أَيْضًا - سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صِيغَتَهُ الْمُجْزِئَةَ:
السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَقُل " وَرَحْمَةُ اللَّهِ " فِي غَيْرِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ. وَقَال: ﴿
_________
(١) حديث: " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ". أخرجه الترمذي (١ / ٩ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب.
(٢) حديث عائشة: " كان يختم الصلاة بالتسليم ". أخرجه مسلم (١ / ٣٥٨ - ط الحلبي) .
صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَهُوَ سَلاَمٌ فِي صَلاَةِ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ فَلَمْ يُجْزِئْهُ بِدُونِهَا كَالسَّلاَمِ فِي التَّشَهُّدِ. فَإِنْ نَكَّرَ السَّلاَمَ، كَقَوْلِهِ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، أَوْ عَرَّفَهُ بِغَيْرِ اللاَّمِ، كَسَلاَمِي، أَوْ سَلاَمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَوْ نَكَّسَهُ فَقَال عَلَيْكُمْ سَلاَمٌ أَوْ عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، أَوْ قَال: السَّلاَمُ عَلَيْكَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهُ يُغَيِّرُ السَّلاَمَ الْوَارِدَ، وَيُخِل بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الاِسْتِغْرَاقَ.
وَالْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَنْوِيَ بِالسَّلاَمِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلاَةِ، فَلاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛ وَلأَِنَّ النِّيَّةَ السَّابِقَةَ مُنْسَحِبَةٌ عَلَى جَمِيعِ الصَّلاَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُجَدِّدَ نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ بِالسَّلاَمِ لأَِجْل أَنْ يَتَمَيَّزَ عَنْ جِنْسِهِ كَافْتِقَارِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ إِلَيْهَا لِتَمَيُّزِهَا عَنْ غَيْرِهَا، فَلَوْ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ، قَال سَنَدٌ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
الثَّانِي: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ فَقَطْ؛ لاِنْسِحَابِ النِّيَّةِ الأُْولَى. قَال
ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ: هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَلاَمُ ابْنِ عَرَفَةَ يُفِيدُ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ (١) .
م - الطُّمَأْنِينَةُ:
٢٨ - هِيَ: اسْتِقْرَارُ الأَْعْضَاءِ زَمَنًا مَا. قَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَلُّهَا أَنْ تَسْتَقِرَّ الأَْعْضَاءُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: حُصُول السُّكُونِ وَإِنْ قَل. وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَالثَّانِي: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ. وَفَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ: إِذَا نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ، أَوِ التَّحْمِيدَ فِي اعْتِدَالِهِ، أَوْ سُؤَال الْمَغْفِرَةِ فِي جُلُوسِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ لِعُجْمَةٍ أَوْ خَرَسٍ، أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ وَقُلْنَا هُوَ سُنَّةٌ وَاطْمَأَنَّ قَدْرًا لاَ يَتَّسِعُ لَهُ، فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الأَْوَّل، وَلاَ تَصِحُّ عَلَى الثَّانِي.
وَهِيَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَصَحَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَرْضِيَّتَهَا.
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلِذَا قَال زَرُّوقٌ: مَنْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيل: إِنَّهَا فَضِيلَةٌ،
وَدَلِيل رُكْنِيَّةِ الطُّمَأْنِينَةِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ الْمُتَقَدِّمُ. وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلاَ السُّجُودَ فَقَال لَهُ:
مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٢٤١، مغني المحتاج ١ / ١٧٢، كشاف القناع ١ / ٣٦١.
الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا ﷺ (١) وَهِيَ رُكْنٌ فِي جَمِيعِ الأَْرْكَانِ (٢) .
ن - تَرْتِيبُ الأَْرْكَانِ:
٢٩ - لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهَا مُرَتَّبَةً، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٣) وَعَلَّمَهَا لِلْمُسِيءِ صَلاَتَهُ مُرَتَّبَةً " بِثُمَّ " وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَبْطُل بِالْحَدَثِ كَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا رُكْنًا كَغَيْرِهِ. وَالتَّرْتِيبُ وَاجِبٌ فِي الْفَرَائِضِ فِي أَنْفُسِهَا فَقَطْ. وَأَمَّا تَرْتِيبُ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا، أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (٤) .
أَرْكَانُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
أَرْكَانُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سِتَّةٌ:
أ - الْقِيَامُ:
٣٠ - وَهُوَ رُكْنٌ فِي فَرْضٍ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ، وَيَشْمَل التَّامَّ مِنْهُ وَهُوَ: الاِنْتِصَابُ مَعَ الاِعْتِدَال، وَغَيْرَ التَّامِّ وَهُوَ: الاِنْحِنَاءُ الْقَلِيل بِحَيْثُ لاَ تَنَال يَدَاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنَ الْعَاجِزِ عَنْهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَالْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ هُوَ: كَمَا لَوْ حَصَل لَهُ بِهِ أَلَمٌ شَدِيدٌ، أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ
_________
(١) حديث حذيفة: أنه رأي رجلا لا يتم ركوعه: أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٧٤، ٢٧٥ ط السلفية) .
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٢٤١، مغني المحتاج ١ / ١٦٤، كشاف القناع ١ / ٣٨٧، الإنصاف ٢ / ١١٣.
(٣) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". تقدم ف ١٨.
(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٢٤١، مغني المحتاج ١ / ١٥٨، كشاف القناع ١ / ٣٨٩.
أَوْ جُرْحِهِ إِذَا قَامَ، أَوْ يَسْلُسُ بَوْلُهُ، أَوْ يَبْدُو رُبُعُ عَوْرَتِهِ، أَوْ يَضْعُفُ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا - أَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِرَاءَةِ إِذَا قَامَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ مِقْدَارَ قُدْرَتِهِ، وَالْبَاقِي قَاعِدًا، أَوْ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، فَيَتَحَتَّمُ الْقُعُودُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ حُكْمًا إِذْ لَوْ قَامَ لَزِمَ فَوْتُ الطَّهَارَةِ أَوِ السَّتْرِ أَوِ الْقِرَاءَةِ أَوِ الصَّوْمِ بِلاَ خُلْفٍ.
ب - الْقِرَاءَةُ:
٣١ - وَيَتَحَقَّقُ رُكْنُ الْقِرَاءَةِ بِقِرَاءَةِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَحَلُّهَا رَكْعَتَانِ فِي الْفَرْضِ وَجَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْل وَالْوِتْرِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ. فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَدَّرَ أَدْنَى الْمَفْرُوضِ بِالآْيَةِ التَّامَّةِ طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (١)﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢)﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٣)﴾ .
وَفِي رِوَايَةٍ: الْفَرْضُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، بَل هُوَ عَلَى أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاِسْمُ سَوَاءٌ كَانَتْ آيَةً أَوْ مَا دُونَهَا بَعْدَ أَنْ قَرَأَهَا عَلَى قَصْدِ الْقِرَاءَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَدْرُ الْفَرْضِ بِآيَةٍ طَوِيلَةٍ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ، أَوْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قِصَارٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ.
_________
(١) سورة الرحمن / ٦٤.
(٢) سورة المدثر / ٢١.
(٣) سورة المدثر / ٢٢.
وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (١)﴾ فَهُمَا يَعْتَبِرَانِ الْعُرْفَ، وَيَقُولاَنِ: مُطْلَقُ الْكَلاَمِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُتَعَارَفِ، وَأَدْنَى مَا يُسَمَّى الْمَرْءُ بِهِ قَارِئًا فِي الْعُرْفِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً طَوِيلَةً، أَوْ ثَلاَثَ آيَاتٍ قِصَارٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَحْتَجُّ بِالآْيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِمُطْلَقِ الْقِرَاءَةِ، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ قَصِيرَةٍ قِرَاءَةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَسَى أَنْ لاَ يَتَيَسَّرَ إِلاَّ هَذَا الْقَدْرُ.
وَقَدْ أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ لاَ يُحْسِنُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ يُحْسِنُ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ يَجُوزُ، وَإِلَى قَوْلِهِمَا رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا جَاءَ فِي ابْنِ عَابِدِينَ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَسَيَأْتِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ.
ج - الرُّكُوعُ:
٣٢ - وَأَقَلُّهُ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا﴾، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: هُوَ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ نَال رُكْبَتَيْهِ.
د - السُّجُودُ:
٣٣ - وَيَتَحَقَّقُ بِوَضْعِ جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَإِنْ قَل، وَوَضْعُ أَكْثَرِهَا وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ، كَمَا
_________
(١) سورة المزمل / ٢٠.
يَجِبُ وَضْعُ الأَْنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ، وَفِي وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ:
الأُْولَى: فَرْضِيَّةُ وَضْعِهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ: فَرْضِيَّةُ إِحْدَاهُمَا. وَالثَّالِثَةُ: عَدَمُ الْفَرْضِيَّةِ: أَيْ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ اعْتِمَادُ الْفَرْضِيَّةِ، وَالأَْرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل وَالْقَوَاعِدُ عَدَمُ الْفَرْضِيَّةِ، وَلِذَا قَال فِي الْعِنَايَةِ وَالدُّرَرِ: إِنَّهُ الْحَقُّ، ثُمَّ الأَْوْجَهُ حَمْل عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ.
هـ - الْقَعْدَةُ الأَْخِيرَةُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ:
٣٤ - وَهِيَ مَحَل خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ. فَقَال بَعْضُهُمْ: هِيَ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ. وَقَال بَعْضُهُمْ:
إِنَّهَا وَاجِبَةٌ لاَ فَرْضٌ، لَكِنِ الْوَاجِبُ - هُنَا - فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَل كَالْوِتْرِ. وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا فَرْضٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ بَل هِيَ شَرْطٌ لِلتَّحْلِيل.
و الْخُرُوجُ بِصُنْعِهِ:
٣٥ - أَيْ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي - فِعْلُهُ الاِخْتِيَارِيُّ - بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَالْوَاجِبُ الْخُرُوجُ بِلَفْظِ السَّلاَمِ وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا الْخُرُوجُ بِغَيْرِهِ كَأَنْ يَضْحَكَ قَهْقَهَةً، أَوْ يُحْدِثَ عَمْدًا، أَوْ يَتَكَلَّمَ، أَوْ يَذْهَبَ، وَاحْتُرِزَ (بِصُنْعِهِ) عَمَّا لَوْ كَانَ سَمَاوِيًّا كَأَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ (١) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٩٨، ٣٢٥، والزيلعي ١ / ١٢٥، بدائع الصنائع ١ / ١٠٥، وما بعدها، فتح القدير ١ / ٢٣٨ وما بعدها، الفتاوى الهندية ١ / ٦٩.
٣٦ - قَال الْحَصْكَفِيُّ شَارِحُ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ: وَبَقِيَ مِنَ الْفُرُوضِ: تَمْيِيزُ الْمَفْرُوضِ، وَتَرْتِيبُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَالْقُعُودِ الأَْخِيرِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَإِتْمَامُ الصَّلاَةِ، وَالاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى آخَرَ، وَمُتَابَعَتُهُ لإِمَامِهِ فِي الْفُرُوضِ، وَصِحَّةُ صَلاَةِ إِمَامِهِ فِي رَأْيِهِ، وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ مُخَالَفَتِهِ فِي الْجِهَةِ، وَعَدَمُ تَذَكُّرِ فَائِتَةٍ، وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ بِشَرْطِهِمَا، وَتَعْدِيل الأَْرْكَانِ عِنْدَ الثَّانِي (وَهُوَ أَبُو يُوسُفَ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ تَمْيِيزِ الْمَفْرُوضِ، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: بِأَنْ يُمَيِّزَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ عَنِ الأُْولَى، بِأَنْ يَرْفَعَ وَلَوْ قَلِيلًا أَوْ يَكُونَ إِلَى الْقُعُودِ أَقْرَب، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمْيِيزِ تَمْيِيزُ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ عَمَّا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا لاَ يُجْزِيهِ.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْبَعْضَ فَرْضٌ وَالْبَعْضَ سُنَّةٌ وَنَوَى الْفَرْضَ فِي الْكُل، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَنَوَى صَلاَةَ الإِْمَامِ عِنْدَ اقْتِدَائِهِ فِي الْفَرْضِ جَازَ، وَلَوْ عَلِمَ الْفَرْضَ دُونَ مَا فِيهِ مِنْ فَرَائِض وَسُنَنٍ جَازَتْ صَلاَتُهُ أَيْضًا؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَفْرُوضَ مِنْ أَجْزَاءِ كُل صَلاَةٍ، أَيْ كَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ