الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
أَهْلِيَّةُ الآْذِنِ لِلتَّوْكِيل، وَأَهْلِيَّةُ الْمَأْذُونِ لِلتَّوَكُّل: وَلِذَا يَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الآْذِنُ أَعْمَى، وَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ أَنْ يُوَكِّل فِي خَلْطِ الْمَالَيْنِ، أَمَّا الْمَأْذُونُ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا (١) .
ثَانِيًا - أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مَعْلُومًا بِالنِّسْبَةِ:
٢٠ - أَيْ أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُل شَرِيكٍ مِنَ الرِّبْحِ مُحَدَّدَةً بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ مَعْلُومِ النِّسْبَةِ إِلَى جُمْلَتِهِ: كَنِصْفِهِ. فَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلشَّرِيكِ حِصَّةٌ فِي الرِّبْحِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مِقْدَارٍ، كَانَ عَقْدًا فَاسِدًا، لأَِنَّ الرِّبْحَ هُوَ مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ فَتَفْسُدُ بِجَهَالَتِهِ، كَالْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا عُلِمَ مِقْدَارُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ فِي الرِّبْحِ، وَلَكِنْ جُهِلَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى جُمْلَتِهِ: كَمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل؛ لأَِنَّ هَذَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى خِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ - أَعْنِي الاِشْتِرَاكَ فِي الرِّبْحِ، فَقَدْ لاَ يَحْصُل مِنْهُ إِلاَّ مَا جُعِل لأَِحَدِ الشُّرَكَاءِ، فَيَقَعُ مِلْكًا خَاصًّا لِوَاحِدٍ، لاَ شَرِكَةَ فِيهِ لِسِوَاهُ. بَل قَالُوا إِنَّ هَذَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ لأَِنَّ الْمَشْرُوطَ إِذَا كَانَ هُوَ كُل الْمُتَحَصِّل مِنَ الرِّبْحِ، تَحَوَّلَتِ الشَّرِكَةُ إِلَى قَرْضٍ مِمَّنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ، أَوْ إِبْضَاعٍ مِنَ الآْخَرِ.
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢١٣.
فَإِذَا جُعِل لِلشَّرِيكِ أَجْرٌ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ مِنْ خَارِجِ مَال الشَّرِكَةِ: كَخَمْسِينَ أَوْ مِائَةِ دِينَارٍ كُل شَهْرٍ، فَقَدْ نَقَلُوا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنِ الْمُحِيطِ أَنَّ الشَّرِكَةَ صَحِيحَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ (١) .
٢١ - وَهَذَا الشَّرْطُ مَوْضِعُ وِفَاقٍ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لاَ شَرِكَةَ مَعَ اشْتِرَاطِ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الرِّبْحِ - كَمِائَةٍ - لأَِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى اشْتِرَاطِ هَذَا الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ لأَِحَدِهِمَا، أَمْ جُعِل زِيَادَةً عَلَى النِّسْبَةِ الْمَشْرُوطَةِ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ، أَمِ انْتَقَصَ مِنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا قَدْ يُفْضِي إِلَى اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ، وَهُوَ خِلاَفُ مَوْضُوعِ الشَّرِكَةِ، أَوْ - كَمَا عَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ - قَاطِعٌ لَهَا.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل، مَا لَوْ شُرِطَ لأَِحَدِهِمَا رِبْحُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مُبْهَمَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الشَّرِكَةِ - كَهَذَا الثَّوْبِ أَوْ أَحَدِ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ - أَوْ رِبْحُ سَفْرَةٍ كَذَلِكَ - كَهَذِهِ السَّفْرَةِ إِلَى بَارِيسَ، أَوْ هِيَ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا إِلَى لَنْدَنَ - أَوْ رِبْحُ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا، أَنْ يَقُول أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلآْخَرِ: لَكَ رِبْحُ النِّصْفِ؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَسْتَأْثِرَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٥٩، ٨١، فتح القدير ٥ / ٢٥، الفتاوى الهندية ٢ / ٣٥٠، رد المحتار ٣ / ٣٥٤.
وَاحِدٌ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّبْحِ، زَاعِمًا أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الآْخَرِ. خِلاَفًا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رِبْحَ النِّصْفِ هُوَ نِصْفُ الرِّبْحِ (١)
النَّوْعُ الثَّانِي: فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ خَاصَّةً:
فَتَنْعَقِدُ عَنَانًا إِذَا اخْتَل شَرْطٌ مِنْهُ:
أَوَّلًا: أَهْلِيَّةُ الْكَفَالَةِ:
٢٢ - وَهَذَا شَرْطُ الْحَنَفِيَّةِ فِي كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَفِيل عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ دَيْنِ التِّجَارَةِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، كَالاِقْتِرَاضِ إِذْ كُل مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ هَذَا الْقَبِيل يَلْزَمُ الآْخَرَ.
فَمَنْ لَمْ تَتَوَافَرْ فِيهِ شُرُوطُ هَذِهِ الأَْهْلِيَّةِ - مِنْ بُلُوغٍ وَعَقْلٍ - لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ: وَلَوْ فَعَلَهَا الصَّغِيرُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ ذَاتِيٌّ، إِذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعَاتِ وَلأَِنَّ الْكَفَالَةَ الْمَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ كَفَالَةُ كُل شَرِيكٍ جَمِيعَ مَا يَلْزَمُ الآْخَرَ مِنَ الدُّيُونِ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ. وَمِنْ هُنَا يَمْنَعُ مُحَمَّدٌ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ - كَالْمُرْتَدِّ - لأَِنَّ كَفَالَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي حُدُودِ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ، وَالْكَفَالَةُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ.
وَأَمَّا الَّذِينَ وَافَقُوا الْحَنَفِيَّةَ فِي أَصْل الْقَوْل
_________
(١) المغني لابن قدامة ٥ / ١٢٤، ١٤٨، ١٤٩، مطالب أولي النهى ٣ / ٥٠٠.
بِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، وَخَالَفُوهُمْ فِي التَّفْصِيل - وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فَلَمْ يَبْنُوهَا عَلَى الْكَفَالَةِ، وَاكْتَفَوْا بِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْوَكَالَةِ: فَلَيْسَ عَلَى الشَّرِيكِ فِيهَا عِنْدَهُمْ ضَمَانُ غَرَامَاتٍ لَزِمَتْ شَرِيكَهُ دُونَ أَنْ يَأْذَنَ هُوَ فِي أَسْبَابِهَا (١) .
٢٣ - ثَانِيًا - يَشْتَرِطُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ التَّسَاوِيَ فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ: فَتَصِحُّ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْكَبِيرَيْنِ، اللَّذَيْنِ يَعْتَنِقَانِ دِينًا وَاحِدًا - كَمُسْلِمَيْنِ وَنَصْرَانِيَّيْنِ - أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الدِّينِ الْوَاحِدِ - كَذِمِّيَّيْنِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا وَالآْخَرُ مَجُوسِيًّا، إِذِ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (٢) .
وَلاَ تَصِحُّ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، وَلاَ بَيْنَ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ، وَلاَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، لاِخْتِلاَل هَذِهِ الشَّرِيطَةِ - إِذِ الْمَمْلُوكُ وَالصَّبِيُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِمَا، بِخِلاَفِ الْحُرِّ الْبَالِغِ، وَالْكَافِرُ يَسَعُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ وَيَبِيعَهَا، وَلاَ كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ.
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٠، ٦١، رد المحتار ٣ / ٣٤٨، ٣٤٩، الخرشي على خليل ٤ / ٢٦١، الشرح الكبير مع المغني ٥ / ١٩٨.
(٢) هذا هو تعليل صاحب فتح القدير. وتعليل صاحب العناية يوهم خلافه، إذ يقول: لتحقق التساوي في كونهما ذميين (العناية على الهداية مع فتح القدير ٥ / ٧) .
أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَكْتَفِي بِالتَّسَاوِي فِي أَهْلِيَّةِ الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، وَلاَ يَعْتَدُّ بِتَفَاوُتِ الأَْهْلِيَّةِ فِيمَا عَدَاهُمَا، وَلِذَا فَهُوَ يُصَحِّحُ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ - قِيَاسًا عَلَى الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِرَغْمِ التَّفَاوُتِ فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، بَعْدَ التَّسَاوِي فِي أَهْلِيَّةِ الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، وَلاَ يَرَى أَبُو يُوسُفَ فَرْقًا، إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الْكَرَاهَةُ، فَإِنَّهُ يَكْرَهُ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ؛ لأَِنَّ الْكَافِرَ لاَ يَهْتَدِي إِلَى وُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الإِْسْلاَمِ، وَإِنِ اهْتَدَى فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَرَّزُ مِنْ غَيْرِهَا كَالرِّبَا وَمَا إِلَيْهِ، فَيَتَوَرَّطُ الْمُسْلِمُ بِمُشَارَكَتِهِ فِي كُل مَا لاَ يَحِل (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ كَرَاهَةَ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَنَفَوْا الْكَرَاهَةَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَصَرَّفَ الْكَافِرُ إِلاَّ بِحُضُورِ شَرِيكِهِ الْمُسْلِمِ؛ لأَِنَّ ارْتِكَابَهُ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ لِلشَّرِكَةِ يُؤْمَنُ حِينَئِذٍ. ثُمَّ مَا لاَ يَحْضُرُهُ مِنْهَا شَرِيكُهُ الْمُسْلِمُ، وَتَبَيَّنَ وُقُوعُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ مِنَ الْوُجْهَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ - كَعُقُودِ الرِّبَا، وَشِرَاءِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ - فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ - مَعَ فَسَادِهِ - يَكُونُ فِيهِ الضَّمَانُ عَلَى الْكَافِرِ. وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فَالأَْصْل فِيهِ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٧، ٨، رد المحتار ٣ / ٣٤٨.
الْحِل. وَاحْتَجُّوا لِلْجَوَازِ بِأَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَامَل أَهْل خَيْبَرَ - وَهُمْ يَهُودٌ - بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهَذِهِ شَرِكَةٌ، وَابْتَاعَ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، وَمَاتَ وَهِيَ مَرْهُونَةٌ (١) - وَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ. وَلاَ يَبْدُو فِي كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ عَنْ هَذَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا شَكَّ الشَّرِيكُ الْمُسْلِمُ فِي عَمَل شَرِيكِهِ الْكَافِرِ بِالرِّبَا اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ، وَإِذَا شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالْخَمْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ (٢) .
ثَالِثًا - أَنْ لاَ يُشْتَرَطَ الْعَمَل عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ:
٢٤ - فَلَوْ شُرِطَ الْعَمَل عَلَى أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) . لأَِنَّ هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا يُنَافِي طَبِيعَةَ الْمُفَاوَضَةِ مِنَ الْمُسَاوَاةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاِشْتِرَاكُ فِيهِ مِنْ أُصُول التَّصَرُّفَاتِ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ شَيْءٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، إِذْ شَرَطُوا - فِي شَرِكَةِ الأَْمْوَال مُطْلَقًا - أَنْ يَكُونَ
_________
(١) حديث: (أنه عامل أهل خيبر)، أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٣ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٨٦ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر، وحديث: (أن النبي ﷺ توفي ودرعه مرهونة) أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٩٩ - ط السلفية) .
(٢) المغني لابن قدامة ٥ / ١١٠، مطالب أولي النهى ٣ / ٢٤٥، الفواكه الدواني ٢ / ١٧٢، بدائع الصنائع ٦ / ٦١، رد المحتار ٣ / ٣٤٨.
(٣) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٥٠.
الْعَمَل بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، أَيْ عَمَل كُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ بِقَدْرِ مَالِهِ: إِنْ كَانَ لَهُ النِّصْفُ فِي رَأْسِ الْمَال فَعَلَيْهِ النِّصْفُ فِي الْعَمَل، أَوِ الثُّلُثَانِ فَعَلَيْهِ الثُّلُثَانِ، وَهَكَذَا بِحَيْثُ إِذَا شَرَطَ خِلاَفَ ذَلِكَ: كَأَنْ جُعِل ثُلُثَا الْعَمَل أَوْ ثُلُثُهُ عَلَى الشَّرِيكِ بِالنِّصْفِ، كَانَتِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةً، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ: وَيَرْجِعُ كُلٌّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الآْخَرِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَهُ مِنْ أُجْرَةٍ. أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْعَمَل تَبَرُّعًا مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ دُونَ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوطَةً عَلَيْهِ، فَلاَ بَأْسَ، إِذْ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ وَإِحْسَانٌ.
شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بِشَرِكَةِ الأَْمْوَال مُطْلَقًا:
أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ أَمْ شَرِكَةَ عَنَانٍ:
٢٥ - الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال عَيْنًا، لاَ دَيْنًا: لأَِنَّ التِّجَارَةَ الَّتِي بِهَا يَحْصُل مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ وَهُوَ الرِّبْحُ، لاَ تَكُونُ بِالدَّيْنِ. فَجَعْلُهُ رَأْسَ مَال الشَّرِكَةِ مَنَافٍ لِمَقْصُودِهَا (١) .
٢٦ - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَال مِنَ الأَْثْمَانِ:
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٠، رد المحتار ٣ / ٣٥١، والمغني ٥ / ١٢٧.
سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ النَّقْدَيْنِ، أَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الْمَضْرُوبَيْنِ، أَمِ الْفُلُوسِ النَّافِقَةِ أَمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ غَيْرِ الْمَضْرُوبَيْنِ (١) . إِذَا جَرَى بِهَا التَّعَامُل وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الْفِقْهُ الْحَنَفِيُّ.
وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا - وَهِيَ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ مِنَ الأَْعْيَانِ - لاَ تَصْلُحُ رَأْسَ مَال شَرِكَةٍ وَلاَ حِصَّةَ فِيهِ لِشَرِيكٍ (٢) . وَلَوْ كَانَتْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ عَدَدِيًّا مُتَقَارِبًا، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَعَهُ أَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ وَجَمَاهِيرُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْعُرُوضِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: الْمَكِيل وَالْمَوْزُونُ وَالْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ.
وَالثَّانِي: سَائِرُ الْعُرُوضِ.
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: فَرَّقُوا بَيْنَ الْمِثْلِيِّ، وَالْمُتَقَوَّمِ: فَمَنَعُوا انْعِقَادَ الشَّرِكَةِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي بِإِطْلاَقٍ، وَأَجَازُوهَا فِي النَّوْعِ الأَْوَّل، بَعْدَ الْخَلْطِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، ذَهَابًا إِلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَيْسَ مِنَ الْعُرُوضِ الْمَحْضَةِ، وَإِنَّمَا
_________
(١) ويسميان لغة باسم التبر، ما لم يذابا على النار (أي: قبل تخليصهما من تراب المعدن) وإلا فهما النقرة، كما في المغرب، والذي في المصباح قصر النقرة على الفضة التي أذيبت وخلصت.
(٢) رد المحتار ٣ / ٣٥٠، بدائع الصنائع ٦ / ٥٩، ٣٦١، فتح القدير ٥ / ١٥، ١٦، الفتاوى الهندية ٢ / ٣٠٦، الفروع ٢ / ٤١٧.
هُوَ عَرْضٌ مِنْ وَجْهٍ - لأَِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، ثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ - لأَِنَّهُ يَصِحُّ الشِّرَاءُ بِهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، شَأْنَ الأَْثْمَانِ: فَنَاسَبَ أَنْ يُعْمَل فِيهِ بِكِلاَ الشَّبَهَيْنِ، كُلٌّ فِي حَالٍ - فَأُعْمِل الشَّبَهُ بِالْعُرُوضِ قَبْل الْخَلْطِ، وَمُنِعَ انْعِقَادُ الشَّرِكَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَالشَّبَهُ بِالأَْثْمَانِ بَعْدَهُ، فَصُحِّحَتْ إِذْ ذَاكَ الشَّرِكَةُ فِيهِ؛ لأَِنَّ شَرِكَةَ الْمِلْكِ تَتَحَقَّقُ بِالْخَلْطِ، فَيُعْتَضَدُ بِهَا جَانِبُ شَرِكَةِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا قُصِرَ التَّصْحِيحُ عَلَى حَالَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ؛ لأَِنَّ الْخَلْطَ بِغَيْرِ الْجِنْسِ - كَخَلْطِ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ، وَالزَّيْتِ بِالسَّمْنِ - يُخْرِجُ الْمِثْلِيَّ عَنْ مِثْلِيَّتِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ الأَْصْل وَالرِّبْحِ وَالْمُنَازَعَةِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، لِمَكَانِ الْحَاجَةِ إِلَى تَقْوِيمِهِ إِذْ ذَاكَ لِمَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ وَالتَّقْوِيمُ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُقَوِّمِينَ، بِخِلاَفِ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ يَحْصُل مِثْلُهُ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال مِنَ النَّقْدِ الْمَضْرُوبِ. بِأَيَّةِ سِكَّةٍ، وَيُصَرِّحُ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنْ لاَ تَسَامُحَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْغِشِّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي حُدُودِ الْقَدْرِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لاَ غِنَى لِصِنَاعَةِ النَّقْدِ عَنْهُ (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ عِنْدَهُمْ إِذَا
_________
(١) نهاية المحتاج ٥ / ٦، المغني لابن قدامة ٥ / ١٢٦، مطالب أولي النهى ٣ / ٤٩٧.
أَخْرَجَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً.
كَمَا تَصِحُّ إِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَفِضَّةً وَأَخْرَجَ الثَّانِي مِثْل ذَلِكَ. وَتَصِحُّ أَيْضًا عِنْدَهُمْ بِعَيْنٍ مِنْ جَانِبٍ وَعَرْضٍ مِنَ الآْخَرِ، أَوْ بِعَرْضٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا سَوَاءٌ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ أَوِ اخْتَلَفَا. وَلاَ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ بِذَهَبٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَفِضَّةٍ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ، وَلَوْ عَجَّل كُلٌّ مِنْهُمَا مَا أَخْرَجَهُ لِصَاحِبِهِ، وَذَلِكَ لاِجْتِمَاعِ شَرِكَةٍ وَصَرْفٍ، وَلاَ تَصِحُّ بِطَعَامَيْنِ وَإِنِ اتَّفَقَا فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ (١) .
وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى تَصْحِيحِ الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ مُطْلَقًا، وَيَعْتَمِدُ فِي الْقِسْمَةِ قِيمَتَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ. وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، اعْتَمَدَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، إِذْ لَيْسَ فِي تَصْحِيحِهَا بِالْعُرُوضِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ إِخْلاَلٌ بِمَقْصُودِ الشَّرِكَةِ - فَلَيْسَ مَقْصُودُهَا إِلاَّ جَوَازَ تَصَرُّفِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَالَيْنِ، ثُمَّ اقْتِسَامَ الرِّبْحِ، وَهَذَا كَمَا يَكُونُ بِالأَْثْمَانِ، يَكُونُ بِغَيْرِهَا. وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ عِنْدَ تَقْدِيرِ نِصَابِ زَكَاتِهَا (٢) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال حَاضِرًا:
_________
(١) الشرح الصغير ٣ / ٤٥٨ - ٤٦١، الخرشي على خليل ٤ / ٢٥٦، البهجة شرح التحفة ٢ / ٢١٢.
(٢) المغني لابن قدامة ٥ / ١٢٥.