الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الْبَابِ وَالإِْعْرَاضُ عَنْ تَفَاصِيل الأَْحْوَال كَالْخَلْوَةِ بِالأَْجْنَبِيَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ، وَنَسَبَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِجُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ، وَنَسَبَهُ الشَّيْخَانِ لِلأَْكْثَرِينَ، وَقَال الإِْسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ: إِنَّهُ الصَّوَابُ لِكَوْنِ الأَْكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وَقَال الْبُلْقِينِيُّ: التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ، وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الأَْجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ. وَقَال الْقَاضِي: يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ عَوْرَةٌ، وَيُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا مَعَ الْكَرَاهَةِ إِذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ وَنَظَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
هَذَا وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَحْرَمًا أَمْ أَجْنَبِيَّةً عَدَا زَوْجَتَهُ وَمَنْ تَحِل لَهُ.
وَكَذَا يَحْرُمُ نَظَرُ الأَْجْنَبِيَّةِ إِلَى الأَْجْنَبِيِّ إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ (١) .
اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ:
١٢ - مَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ بِشَهْوَةٍ؛ لأَِنَّ الْمَسَّ أَبْلَغُ مِنَ النَّظَرِ فِي إِثَارَةِ الشَّهْوَةِ، وَمَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١١٩ - ١٢٤، والشرح الكبير ٢ / ٢١٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٨ - ١٢٩، والمغني ٦ / ٥٥٢ - ٥٦٠.
حَل نَظَرُهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَل لَمْسُهُ إِذَا أَمِنَ الشَّهْوَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فَلاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ وَاللَّمْسُ.
أَمَّا الأَْجْنَبِيَّةُ فَلاَ يَحِل مَسُّ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ؛ لأَِنَّهُ أَغْلَظُ مِنَ النَّظَرِ (١) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (لَمْسٌ وَمَسٌّ) .
أَثَرُ الشَّهْوَةِ فِي النِّكَاحِ:
١٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِالزِّنَى.
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ اللِّوَاطَ فِي رِوَايَةٍ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللِّوَاطَ لاَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ؛ لأَِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ بِاللِّوَاطِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ فِي التَّحْرِيمِ، فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى: أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ كَمَا تَثْبُتُ بِالزِّنَى تَثْبُتُ بِالْمَسِّ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ.
فَيَحْرُمُ أَصْل مَمْسُوسَةٍ بِشَهْوَةٍ وَلَوْ لِشَعْرٍ عَلَى الرَّأْسِ بِحَائِلٍ لاَ يَمْنَعُ الْحَرَارَةَ، وَكَذَا يَحْرُمُ أَصْل مَا مَسَّتْهُ.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا نِكَاحُ أَصْل النَّاظِرَةِ بِشَهْوَةٍ إِلَى ذَكَرٍ، وَأَصْل الْمَنْظُورِ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زِنًى، لِوَاطٌ،
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٣٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٢ - ١٣٣، وكشاف القناع ٥ / ١٥ - (ط. دار الفكر.)
(٢) سور النساء / ٢٤.
نَظَرٌ، نِكَاحٌ) وَالْعِبْرَةُ لِلشَّهْوَةِ عِنْدَ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ لاَ بَعْدَهُمَا (١) .
حَدُّ الشَّهْوَةِ:
١٤ - حَدُّ الشَّهْوَةِ فِي النَّظَرِ وَالْمَسِّ تَحَرُّكُ الآْلَةِ أَوْ زِيَادَةُ التَّحَرُّكِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهَا، وَبِهِ يُفْتَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لِوَاطٌ، وَنِكَاحٌ) .
أَثَرُ الشَّهْوَةِ فِي الرَّجْعَةِ:
١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ الرَّجْعَةَ تَحْصُل بِالْقَوْل وَالْفِعْل، وَيَقْصِدُونَ بِالْفِعْل: الْوَطْءَ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَمُقَدَّمَاتُ الْوَطْءِ لاَ تَخْلُو عَنْ مَسٍّ بِشَهْوَةٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لاَ تَحْصُل بِالْفِعْل كَالْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ (٣) . بَل لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقَوْل قِيَاسًا عَلَى عَقْدِ الزَّوَاجِ فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْل الدَّال عَلَيْهِ.
وَتَفْصِيل الْخِلاَفِ فِيهِ فِي مُصْطَلَحِ (رَجْعَةٌ) .
_________
(١) البدائع ٢ / ٢٦٠ - ٢٦١، والمغني ٦ / ٥٧٧.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٨٠.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٥٣٠، والشرح الصغير ٢ / ٦٠٦، والقوانين الفقهية ص ٢٣٩ ومغني المحتاج ٣ / ٣٣٧، وكشاف القناع ٥ / ٣٤٣
كَسْرُ الشَّهْوَةِ:
١٦ - مَنْ أَرَادَ الزَّوَاجَ وَلَمْ يَسْتَطِعْ، يَكْسِرْ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ لِقَوْلِهِ ﵊: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (١) .
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أُهْبَةَ النِّكَاحِ يَكْسِرْهَا بِالصَّوْمِ، وَلاَ يَكْسِرْهَا بِنَحْوِ كَافُورٍ بَل يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَحْتَال فِي قَطْعِ شَهْوَتِهِ؛ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْخِصَاءِ، إِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ بِالْكُلِّيَّةِ بَل يُفَتِّرُهَا فِي الْحَال، وَلَوْ أَرَادَ إِعَادَتَهَا بِاسْتِعْمَال ضِدِّ الأَْدْوِيَةِ لأَمْكَنَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ حَرُمَ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحٌ) .
_________
(١) حديث: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١١٢ - ط. السلفية) ومسلم (٢ / ١٠١٨ - ط. الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ١٧٩، ٨ / ٤١٦ - ٤١٧، والجمل ٥ / ٤٩١، وأسنى المطالب ٣ / ١٠٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٥.
شَهِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الشَّهِيدُ لُغَةً: الْحَاضِرُ. وَالشَّاهِدُ، الْعَالِمُ الَّذِي يُبَيِّنُ مَا عَلِمَهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ . (١) وَالشَّهِيدُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى - وَمَعْنَاهُ الأَْمِينُ فِي شَهَادَتِهِ وَالْحَاضِرُ.
وَالشَّهِيدُ الْمَقْتُول فِي سَبِيل اللَّهِ، وَالْجَمْعُ شُهَدَاءُ. قَال ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ سُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا لأَِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ شَهِدُوا لَهُ بِالْجَنَّةِ (٢) . وَقِيل: لأَِنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا عَلَى النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ (٣) .
وَالشَّهِيدُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَال الْكُفَّارِ وَبِسَبَبِهِ (٤) .
وَيُلْحَقُ بِهِ فِي أُمُورِ الآْخِرَةِ أَنْوَاعٌ يَأْتِي بَيَانُهَا.
مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ:
٢ - الشَّهِيدُ لَهُ مَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ
_________
(١) سورة المائدة / ١٠٦.
(٢) لسان العرب.
(٣) القرطبي ٤ / ٢١٨.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٣٥٠، وانظر ابن عابدين ١ / ٦٠٧،٦٠٨.
وَتَعَالَى - يَشْهَدُ بِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي عَدَدٍ مِنَ الآْيَاتِ مِنْهَا:
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ أَمْوَاتًا بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . (١)
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآْخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّهِ فَيُقْتَل أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . (٢)
وَيَشْهَدُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا:
مَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا أَحَدٌ يَدْخُل الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَْرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ الشَّهِيدَ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَل عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ (٣) .
وَمَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ
_________
(١) سورة آل عمران ١٧٠ - ١٧١.
(٢) سورة النساء / ٧٤.
(٣) حديث: " ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٢ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٤٩٨ - ط. الحلبي) .
النَّبِيِّ ﷺ قَال: يَشْفَعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْل بَيْتِهِ (١) .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ، يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّل دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَْكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ (٢) .
أَقْسَامُ الشَّهِيدِ:
٣ - الشَّهِيدُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَالثَّانِي شَهِيدُ الدُّنْيَا، وَالثَّالِثُ شَهِيدُ الآْخِرَةِ (٣) .
فَشَهِيدُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ هُوَ الَّذِي يُقْتَل فِي قِتَالٍ مَعَ الْكُفَّارِ، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا
_________
(١) حديث: " يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته " أخرجه أبو داود (٢ / ٣٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وابن حبان (الإحسان ٧ / ٨٤ ط. دار الكتب العلمية) واللفظ لأبي داود، وصححه ابن حبان.
(٢) حديث: " للشهيد عند الله ست خصال ". أخرجه الترمذي (٤ / ١٨٧ - ١٨٨ - ط. الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٣) مغني المحتاج ١ / ٣٥٠، نشر المكتبة الإسلامية. حاشية رد المحتار ٢ / ٢٥٢ الطبعة الثانية. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٥ طبع دار إحياء الكتب العربية. المغني لابن قدامة ٢ / ٣٩٣ - ٣٩٩، نشر مكتبة القاهرة.
هِيَ السُّفْلَى، دُونَ غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا (١) .
فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَال: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال مُسْتَفْهِمًا: الرَّجُل يُقَاتِل لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُل يُقَاتِل لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُل يُقَاتِل لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيل اللَّهِ؟ قَال ﵊: مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيل اللَّهِ (٢) .
أَمَّا شَهِيدُ الدُّنْيَا: فَهُوَ مَنْ قُتِل فِي قِتَالٍ مَعَ الْكُفَّارِ وَقَدْ غَل فِي الْغَنِيمَةِ، أَوْ قَاتَل رِيَاءً، أَوْ لِغَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا.
وَأَمَّا شَهِيدُ الآْخِرَةِ: فَهُوَ الْمَقْتُول ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَكَالْمَيِّتِ بِدَاءِ الْبَطْنِ، أَوْ بِالطَّاعُونِ، أَوْ بِالْغَرَقِ، وَكَالْمَيِّتِ فِي الْغُرْبَةِ، وَكَطَالِبِ الْعِلْمِ إِذَا مَاتَ فِي طَلَبِهِ، وَالنُّفَسَاءِ الَّتِي تَمُوتُ فِي طَلْقِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاسْتُثْنِيَ مِنَ الْغَرِيبِ الْعَاصِي بِغُرْبَتِهِ، وَمِنَ الْغَرِيقِ الْعَاصِي بِرُكُوبِهِ الْبَحْرَ كَأَنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ عَدَمَ السَّلاَمَةِ، أَوْ رُكُوبُهُ لإِتْيَانِ مَعْصِيَةٍ مِنْ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٣٥٠.
(٢) حديث: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٢٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥١٢ - ١٥١٣ ط. الحلبي) .
الْمَعَاصِي، وَمِنَ الطَّلْقِ الْحَامِل بِزِنًى (١) .
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيل اللَّهِ (٢) . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُل مُسْلِمٍ (٣) . وَفِي حَدِيثٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ (٤) .
غُسْل الشَّهِيدِ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ شَهِيدَ الْمُعْتَرَكِ لاَ يُغَسَّل، خِلاَفًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، إِذْ قَالاَ بِغُسْلِهِ (٥) .
أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَيْهِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَهَا (٦)
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٣٥٠.
(٢) حديث: " الشهداء خمسة: المبطون. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٤٤ ط. السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٢١ ط. الحلبي) .
(٣) حديث: " الطاعون شهادة لكل مسلم " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ١٨٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٢٢ - ط. الحلبي) .
(٤) حديث: " من قتل دون ماله فهو شهيد " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٢٣ - ط السلفية) ومسلم (١ / ١٢٥ - ط. الحلبي) .
(٥) المغني لابن قدامة ٢ / ٣٩٣، بداية المجتهد ١ / ٢٣٢، نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
(٦) تبيين الحقائق ١ / ٢٤٧.
وَهُوَ مَا قَال بِهِ الْخَلاَّل وَالثَّوْرِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الْقَوْل بِاسْتِحْبَابِهَا (١) .
وَيَسْتَدِل الْحَنَفِيَّةُ لِلُزُومِ الصَّلاَةِ بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ، وَكَانَ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ تِسْعَةٍ، وَحَمْزَةُ عَاشِرُهُمْ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ. وَقَالُوا: إِنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى غَيْرِهِمْ (٢) .
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَْعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ ثُمَّ قَال: أُهَاجِرُ مَعَكَ. فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ، غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قُسِمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ. فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَال: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: مَا هَذَا؟ قَال: قَسَمْتُهُ لَكَ، قَال: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى
_________
(١) المغني ٢ / ٣٩٣.
(٢) حديث ابن عباس وابن الزبير أنه ﵊ صلى على شهداء أحد. أخرجهما الطحاوي في شرح المعاني (١ / ٥٠٣ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) وإسناد حديث ابن الزبير حسن، وحديث ابن عباس قال ابن حجر عن أحد رواته: " فيه ضعف يسير " كذا في التلخيص (٢ / ١١٧ - ط شركة الطباعة الفنية) .