الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
فَهَل تَتَرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى؟ .
ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) إِلَى تَرْجِيحِهَا بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٢) وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٣)، وَقَوْل جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ (٤): إِلَى أَنَّهُ لاَ يُغَلَّبُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ وَإِنَّمَا هُمَا سَوَاءٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى عَدَدِ الشَّهَادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥)
وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . (٦)
فَمَنَعَ النَّصُّ مِنَ الاِجْتِهَادِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا جَازَ الاِقْتِصَارُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ، وَعَلَى قَبُول الْعَدْل مَعَ مَنْ هُوَ أَعْدَل، دَل عَلَى أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ. (٧)
_________
(١) انظر حاشية الدسوقي ٤ / ١٧٧، وتبصرة الحكام ١ / ٣٠٩
(٢) الهداية ٣ / ١٧٣، نتائج الأفكار (تكملة فتح القدير) ٦ / ٢٤٣، والدر المختار ٤ / ٤٤٠، والمغني ١٢ / ١٧٦
(٣) مختصر المزني: ٥ / ٢٦١، الأم ٦ / ٢٥١ - ٢٥٢، الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة ٥٠٤٤ - ٥٠٤٥
(٤) المدونة الكبرى ٥ / ١٨٨، تبصرة الحكام ١ / ٣٠٩
(٥) سورة البقرة / ٢٨٢
(٦) سورة الطلاق / ٢
(٧) الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة: ٥٠٥٠
شَهَادَةُ الأَْبْدَادِ:
٦١ - الأَْبْدَادُ: هُمُ الْمُتَفَرِّقُونَ، وَاحِدُهُمْ بُدٌّ، مِنَ التَّبْدِيدِ؛ لأَِنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا فِي ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاحِدٌ هُنَا وَآخَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَوَاحِدٌ الْيَوْمَ وَوَاحِدٌ غَدًا، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى آخَرَ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: الَّذِينَ انْفَرَدُوا بِبَيَانِ أَحْكَامِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الأَْبْدَادِ فِي النِّكَاحِ، وَهِيَ أَنْ لاَ يَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى شَهَادَةِ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ، بَل إِنَّمَا عَقَدُوا وَتَفَرَّقُوا، وَقَال كُل وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: (أَشْهِدْ مَنْ لَقِيتَ) هَكَذَا فَسَّرُوهُ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
فَتَتِمُّ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ سِتَّةِ شُهُودٍ: مِنْهُمُ اثْنَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجِ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا. وَفِي الْبِكْرِ ذَاتَ الأَْبِ تَتِمُّ بِأَرْبَعَةٍ: مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ وَشَاهِدَانِ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَأَمَّا إِنْ أَشْهَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمُ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ صَاحِبُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَلَيْسَتْ شَهَادَةَ أَبْدَادٍ.
قَال ابْنُ الْهِنْدِيِّ: شَهَادَةُ الأَْبْدَادِ لاَ تَعْمَل شَيْئًا، إِذَا شَهِدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ نَصٍّ مَا شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى جَمِيعِ
شَهَادَاتِهِمْ وَاحِدًا، حَتَّى يَتَّفِقَ مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ.
لَكِنْ فِي الْمَذْهَبِ خِلاَفٌ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ، فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ سُئِل مَالِكٌ عَنْ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَنْزِلٍ أَنَّهُ مَسْكَنُ هَذَا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ حَيْزُهُ، فَقَال خَصْمُهُ: قَدِ اخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُمَا. فَقَال مَالِكٌ: مَسْكَنُهُ وَحَيْزُهُ شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ تَفْتَرِقُ. (١)
شَهَادَةُ الاِسْتِخْفَاءِ أَوِ الاِسْتِغْفَال:
٦٢ - الْمُسْتَخْفِي هُوَ الَّذِي يُخْفِي نَفْسَهُ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِيُسْمَعَ قَرَارُهُ وَلاَ يُعْلَمَ بِهِ، كَأَنْ يَجْحَدَ الْحَقَّ عَلاَنِيَةً وَيُقِرَّ بِهِ سِرًّا، فَيَخْتَبِئُ شَاهِدَانِ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِمَا الْمُقِرُّ لِيَسْمَعَا إِقْرَارَهُ، وَلِيَشْهَدَا بِهِ مِنْ بُعْدٍ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَخْدُوعٍ وَلاَ خَائِنٍ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ تُسْمَعُ شَهَادَةُ الْمُسْتَخْفِي؛ (٢) لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (٣)
_________
(١) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك ١ / ٣٣٨
(٢) الشرح الكبير ١٢ / ١٨، المغني ١٢ / ١٠١، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٢ / ٢٢، روضة الطالبين للنووي ١١ / ٢٤٣، تبصرة الحكام ١ / ٣٧٨ وسماها (شهادة الإستغفال) البيان والتحصيل ١٠ / ٥٦.
(٣) سورة الحجرات / ١٢
شَهَادَةُ الزُّورِ:
٦٣ - شَهَادَةُ الزُّورِ مِنَ الْكَبَائِرِ. (١) وَلاَ يَجُوزُ الْعَمَل بِهَا وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فِيمَا بَعْدُ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاَثًا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا - فَقَال: أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ. قَال: فَمَا زَال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. (٢)
وَلأَِنَّ فِيهَا رَفْعَ الْعَدْل، وَتَحْقِيقَ الْجَوْرِ.
فَإِذَا أَقَرَّ شَخْصٌ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ أَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ (٣): يُشَهَّرُ بِهِ فِي السُّوقِ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل السُّوقِ أَوْ فِي قَوْمِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ فِي مَكَانٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ، وَيُقَال: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُ. (٤)
_________
(١) انظر كتاب (الكبائر) للذهبي وقد جعل فيه شهادة الزور الكبيرة الثامنة عشرة فيه (ص ٨٦)
(٢) حديث " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٦١ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٩١) - ط الحلبي)
(٣) الهداية ٣ / ١٣٢، فتح القدير ٦ / ٨٣
(٤) قوله " ويقال إنا وجدنا هذا شاهد زور. . " أصل ذلك ما ورد عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك انظر أخبار القضاة لوكيع ٢ / ١٩، ٣ / ٨٩، المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ٨ / ٣٢٥ - ٣٢٦ الأحاديث ١٥٣٨٨ - ١٥٣٩٠، جامع مسانيد الإمام الأعظم ٢ / ٢٧٤، المبسوط ١٦ / ١٤٥، سنن البيهقي الكبرى ١٠ / ١٤١ - ١٤٢، الدراية ٢ / ١٧٢
وَلاَ يُحْبَسُ وَلاَ يُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ لِتَحَقُّقِ الْقَصْدِ وَهُوَ الاِنْزِجَارُ.
وَكَانَ شُرَيْحٌ يُشَهِّرُهُ وَلاَ يَضْرِبُهُ. (١)
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: نُوجِعُهُ ضَرْبًا وَنَحْبِسُهُ. (٢)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ شَاهِدَ الزُّورِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْحَبْسِ أَوِ الزَّجْرِ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُشَهِّرَ أَمْرَهُ فَعَل (٣) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ (٤) أَيْ: سَوَّدَهُ.
وَلأَِنَّ هَذِهِ كَبِيرَةٌ يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إِلَى الْعِبَادِ، وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (٥) وَالْحَنَابِلَةُ (٦): إِلَى تَعْزِيرِهِ وَضَرْبِهِ وَأَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ.
وَعَلَى كُل حَالٍ إِذَا ثَبَتَ زُورُهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَنُبِّهَ النَّاسُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَبْنِيَّ عَلَى شَهَادَتِهِ كَانَ
_________
(١) انظر ذلك في أخبار القضاة ٣ / ٢١٩ - ٢٢٠، المبسوط ١٦ / ١٤٥
(٢) الهداية ٣ / ١٣٢، فتح القدير ٦ / ٨٣.
(٣) المهذب ٢ / ٣٣٠
(٤) قوله " لما روي عن عمر أنه ضرب شاهد الزور. . " رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٠ / ١٤٢، بسنده عن مكحول عن عمر
(٥) المدونة الكبرى ٥ / ٢٠٣، تبصرة الحكام ٢ / ٣١٤.
(٦) منتهى الإرادات: ٦٧٨، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٢ / ١٠٧، المغني ١٢ / ١٥٣، الشرح الكبير ١٢ / ١٣١
بَاطِلًا (١) لِقَوْل الرَّسُول ﷺ اذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ لِيَحْذَرَهُ النَّاسُ (٢)
وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْل الذِّمَّةِ فِي حُكْمِ شَهَادَةِ الزُّورِ سَوَاءٌ، لِقِيَامِ الأَْهْلِيَّةِ فِي حَقِّهِمْ جَمِيعًا فِيمَا تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ. (٣)
وَإِذَا تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ وَمَضَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ ظَهَرَتْ فِيهَا تَوْبَتُهُ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ وَعَدَالَتُهُ: قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ (٥) وَالشَّافِعِيُّ (٦) .
وَقَال مَالِكٌ (٧): لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ أَبَدًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ.
شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ:
٦٤ - يُقْصَدُ بِهَا أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّاهِدُ شَهَادَةً تَحَمَّلَهَا ابْتِدَاءً لاَ بِطَلَبِ طَالِبٍ وَلاَ بِتَقَدُّمِ دَعْوَى.
وَمَعْنَى (حِسْبَةً) أَيِ احْتِسَابًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
_________
(١) الشرح الكبير ١٢ / ١٣٣
(٢) حديث " اذكروا الفاسق بما فيه. . . " رواه ابن أبي الدنيا، وابن عدي، والخطيب من حديث معاوية بن حيدة، ورواه بعضهم عن عائشة: (كشف الخفاء ١ / ١١٤ الحديث ٢٠٥)
(٣) المبسوط ١٦ / ١٤٦
(٤) الشرح الكبير ١٢ / ١٣٣
(٥) المبسوط ١٦ / ١٤٦، فتح القدير ٦ / ٨٤
(٦) المهذب ١ / ٣٢٩، المجموع ٢ / ٢٤٩، روضة الطالبين ١١ / ٢٤٩
(٧) المدونة الكبرى ٥ / ٢٠٣
وَتُقْبَل شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي كُل مَا تَمَحَّضَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَالزِّنَى، وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالطَّلاَقِ، وَالاِسْتِيلاَدِ، وَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الْعَامَّةِ. (انْظُرْ: حِسْبَةٌ) .
٢٠٢٥ شَهَادَةُ الاِسْتِرْعَاءِ
انْظُرْ: اسْتِرْعَاءٌ
شَهَادَةُ الزُّورِ
التَّعْرِيفُ:
١ - شَهَادَةُ الزُّورِ: مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ هُمَا: الشَّهَادَةُ، وَالزُّورُ.
أَمَّا الشَّهَادَةُ فِي اللُّغَةِ، فَمِنْ مَعَانِيهَا: الْبَيَانُ، وَالإِْظْهَارُ، وَالْحُضُورُ، وَمُسْتَنَدُهَا الْمُشَاهَدَةُ إِمَّا بِالْبَصَرِ أَوْ بِالْبَصِيرَةِ.
وَأَمَّا الزُّورُ فَهُوَ الْكَذِبُ وَالْبَاطِل، وَقِيل: هُوَ شَهَادَةُ الْبَاطِل، يُقَال: رَجُلٌ زُورٌ وَقَوْمٌ زُورٌ: أَيْ مُمَوِّهٌ بِكَذِبٍ (١) .
وَشَهَادَةُ الزُّورِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْكَذِبِ لِيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الْبَاطِل مِنْ إِتْلاَفِ نَفْسٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ، أَوْ تَحْلِيل حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلاَلٍ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ
_________
(١) المفردات في غريب القرآن، ولسان العرب، ومختار الصحاح، والمصباح المنير مادة " شهد ".
(٢) حاشية الطحطاوي على الدر المختار (٣ / ٢٦٠) ط دار المعرفة، بيروت، والعناية بهامش فتح القدير (٣ / ٢٢٦)، ط بولاق، ومواهب الجليل ٦ / ١٢٢ ط دار الفكر بيروت، وفتح الباري (١٠ / ٤١٢) ط الرياض الحديثة، والقرطبي ١٢ / ٥٥ ط الكتب سنة ١٩٦٤.
مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا، قَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي كِتَابِهِ مَعَ نَهْيِهِ عَنِ الأَْوْثَانِ فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَْوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّورِ﴾، (١) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ الأَْسَدِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا، فَقَال: عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِْشْرَاكَ بِاللَّهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٢) .
وَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، قَال ثَلاَثًا: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَكَانَ مُتَّكِئًا - فَقَال: أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَال يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ. (٣)
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَنْ تَزُول قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ. (٤)
_________
(١) سورة الحج ٣٠ - ٣١.
(٢) حديث: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٤ - ط الحلبي) وأعله ابن حجر في التلخيص (٤ / ٩٠ - ط شركة الطباعة الفنية) بقوله: " إسناده مجهول ".
(٣) حديث: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٠٥ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٩١ - ط الحلبي) .
(٤) حديث: " لن تزول قدما شاهد الزور ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٧٤ - ط الحلبي) وقال البوصيري: " إسناده ضعيف " كذا في مصباح الزجاجة (٢ / ٣٨ - ط دار الجنان) .
فَمَتَى ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوِ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ عَمْدًا عَزَّرَهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْزِيرِ، (١) وَسَيَأْتِي آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيهَا.
بِمَ تَثْبُتُ شَهَادَةُ الزُّورِ؟
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالإِْقْرَارِ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ فِي إِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ بِأَنْ يَشْهَدَ بِمَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ: بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ بِفِعْلٍ فِي الشَّامِ فِي وَقْتٍ، وَيَعْلَمَ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْعِرَاقِ، أَوْ يَشْهَدَ بِقَتْل رَجُلٍ وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ فِي يَدِ هَذَا مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَعْوَامٍ وَسِنُّهَا أَقَل مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ فَعَل شَيْئًا فِي وَقْتٍ وَقَدْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُولَدْ إِلاَّ بَعْدَهُ وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يُتَيَقَّنُ بِكَذِبِهِ وَيُعْلَمُ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ.
_________
(١) العناية بهامش فتح القدير ٦ / ٨٤ ط بولاق، والمبسوط للسرخسي ١٦ / ١٤٥، ط دار المعرفة بيروت، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٨٩ - ٢٩٠ ط دار الكتاب العربي، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤١، وتبيين الحقائق ٤ / ٢٢٣ ط دار المعرفة بيروت، والشرح الصغير ٤ / ٧٤٤ ط دار المعارف بمصر، والقرطبي ١٢ / ٥٥ ط الكتاب، وروضة الطالبين ١١ / ١٤٥ ط المكتب الإسلامي، والمهذب ٢ / ٣٢٩ ط دار المعرفة. بيروت، والقليوبي وعميرة ٤ / ٣١٩ ط عيسى الحلبي، والمغني ٩ / ٢٦٠ ط الرياض، وأعلام الموقعين ١ / ١١٩) ط دار الجيل.