الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

زَكَاةُ الْفِطْرِ:

٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعِيرَ مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تُؤَدَّى مِنْهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ وَأَنَّ الْمُجْزِئَ مِنْهُ هُوَ صَاعٌ (١) لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄: فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُْنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْل خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ (٢) .

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: كُنَّا نُعْطِيهَا - أَيْ زَكَاةَ الْفِطْرِ - فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ (٣) . الْحَدِيثَ.

رَاجِعِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَ: (زَكَاةُ الْفِطْرِ) .

فِي الْبَيْعِ:

٤ - لاَ يَدْخُل فِي مُطْلَقِ بَيْعِ الأَْرْضِ مَا هُوَ

_________

(١) سبل السلام ٢ / ١٣٧، البدائع ٢ / ٧٢، والقوانين الفقهية ص ٧٧، مغني المحتاج ١ / ٤٠٥، المغني لابن قدامة ٣ / ٥٧.

(٢) حديث: " فرض رسول الله زكاة الفطر صاعًا من تمر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٦٧ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٦٧٧ - ط الحلبي) .

(٣) حديث أبي سعيد: " كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٧٢ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٦٧٨ - ط الحلبي) .

مَزْرُوعٌ فِيهَا مِنَ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَسَائِرِ الزُّرُوعِ وَكُل مَا يُؤْخَذُ بِقَلْعٍ أَوْ قَطْعٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلدَّوَامِ فَأَشْبَهَ مَنْقُولاَتِ الدَّارِ (١) .

التَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ) .

فِي الرِّبَا:

٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعِيرَ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي يَحْرُمُ بَيْعُهَا بِمِثْلِهَا إِلاَّ بِشَرْطِ الْحُلُول وَالْمُمَاثَلَةِ وَالتَّقَابُضِ قَبْل التَّفَرُّقِ.

وَإِذَا بِيعَتْ بِجِنْسٍ آخَرَ كَالتَّمْرِ مَثَلًا جَازَ التَّفَاضُل، وَاشْتُرِطَ الْحُلُول وَالتَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ لِقَوْلِهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ (٢) .

وَقَوْلِهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ،

_________

(١) مغني المحتاج (٢ / ٨١)، جواهر الإكليل (٢ / ٥٩)، المغني لابن قدامة (٤ / ٨٤) .

(٢) حديث: " الذهب بالذهب مثلًا بمثل. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٣٢ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت، وقال: " حسن صحيح ".

وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (١) .

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٢، المغني لابن قدامة ٤ / ٤، البدائع ٥ / ١٩٥، جواهر الإكليل ٢ / ١٧. وحديث: " الذهب بالذهب. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت.

شِغَارٌ

التَّعْرِيفُ

١ - الشِّغَارُ بِكَسْرِ الشِّينِ لُغَةً: نِكَاحٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل آخَرَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ امْرَأَةً أُخْرَى بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَصَدَاقُ كُلٍّ مِنْهُمَا بُضْعُ الأُْخْرَى. وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْقَرَائِبَ فَقَال: لاَ يَكُونُ الشِّغَارُ إِلاَّ أَنْ تُنْكِحَهُ وَلِيَّتَكَ عَلَى أَنْ يُنْكِحَكَ وَلِيَّتَهُ.

وَسُمِّيَ شِغَارًا إِمَّا تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُول فِي الْقُبْحِ، قَال الأَْصْمَعِيُّ: الشِّغَارُ الرَّفْعُ فَكَأَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِلآْخَرِ عَمَّا يُرِيدُ. وَإِمَّا لِخُلُوِّهِ عَنِ الْمَهْرِ لِقَوْلِهِمْ: شَغَرَ الْبَلَدُ إِذَا خَلاَ. وَشَاغَرَ الرَّجُل الرَّجُل أَيْ زَوَّجَ كُل وَاحِدٍ صَاحِبَهُ حَرِيمَتَهُ، عَلَى أَنَّ بُضْعَ كُل وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الأُْخْرَى وَلاَ مَهْرَ سِوَى ذَلِكَ، وَكَانَ سَائِغًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ (١) .

وَالشِّغَارُ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنَّ مَهْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بُضْعُ الأُْخْرَى.

_________

(١) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير والمعجم الوسيط.

وَهَذَا تَعْرِيفُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ وَلِيَّتَهُ، سَوَاءٌ جَعَلاَ مَهْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بُضْعَ الأُْخْرَى أَوْ سَكَتَ عَنِ الْمَهْرِ أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: صَرِيحُ الشِّغَارِ أَنْ يَقُول زَوَّجْتُكَ مُوَلِّيَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي مُوَلِّيَتَكَ وَلاَ يَذْكُرَانِ مَهْرًا. وَأَمَّا إِنْ قَال: زَوَّجْتُكَ مُوَلِّيَتِي بِكَذَا مَهْرًا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي وَلِيَّتَكَ بِكَذَا فَهُوَ وَجْهُ الشِّغَارِ؛ لأَِنَّهُ شِغَارٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَمَّى لِكُل وَاحِدَةٍ مَهْرًا فَلَيْسَ بِشِغَارٍ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَرَطَ تَزَوُّجَ إِحْدَاهُمَا بِالأُْخْرَى فَهُوَ شِغَارٌ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الشِّغَارِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَالصَّدَاقِ وَلِكَوْنِهِمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ الشَّرْعِيِّ وَبَعْضِ مَسَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ، نَذْكُرُ تَفْصِيل الْحُكْمِ فِي كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ.

٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ - هُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل الرَّجُل حَرِيمَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ " الآْخَرُ حَرِيمَتَهُ - ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلأُْخْرَى

_________

(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٦٤١، والبدائع ٢ / ٢٧٨، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٣، وجواهر الإكليل ١ / ٣١١.

لاَ مَهْرَ سِوَى ذَلِكَ -

وَهَذَا النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ صَحِيحٌ لأَِنَّهُ مُؤَبَّدٌ أُدْخِل فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلأُْخْرَى - وَالنِّكَاحُ لاَ يُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ، كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَتَكُونُ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةً لأَِنَّ الْبُضْعَ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا بَل يَجِبُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرُ الْمِثْل كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ.

وَالنَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ الْوَارِدُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِالْمَرْأَةِ لَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ (١) مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الشِّغَارِ أَنْ يُجْعَل بُضْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلأُْخْرَى مَعَ الْقَبُول مِنَ الآْخَرِ فَإِنْ لَمْ يَقُل ذَلِكَ وَلاَ مَعْنَاهُ، بَل قَال: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ، فَقَبِل الآْخَرُ أَوْ قَال: عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ بِنْتِي صَدَاقًا لِبِنْتِكَ فَلَمْ يَقْبَل الآْخَرُ بَل زَوَّجَهُ بِنْتَهُ وَلَمْ يَجْعَلْهَا صَدَاقًا، لَمْ يَكُنْ شِغَارًا وَإِنَّمَا نِكَاحًا صَحِيحًا بِاتِّفَاقٍ (٢) .

_________

(١) حديث: " نهى أن تنكح المرأة بالمرأة " أورده بهذا اللفظ الكاساني في البدائع (٢ / ٢٧٨ - ط الحلبي)، ولم يعزه إلى أي مصدر، وسيأتي بلفظ مشهور ويأتي تخريجه.

(٢) البدائع ٢ / ٢٧٨، حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٢، ٢٩٢، والمغني ٦ / ٦٤١.

٣ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ صَرِيحَ الشِّغَارِ هُوَ أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُل: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ أَوْ أُخْتَكَ أَوْ أَمَتَكَ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي مَعَ جَعْل تَزْوِيجِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرًا لِلأُْخْرَى. فَهَذَا النِّكَاحُ فَاسِدٌ يُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَ الْبِنَاءِ أَبَدًا، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ صَدَاقُ الْمِثْل.

وَإِنْ سَمَّى لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا دُونَ الأُْخْرَى كَأَنْ يَقُول: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ مَثَلًا عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ بِنْتِي فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ أَيْضًا، وَيُفْسَخُ نِكَاحُ مَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقٌ قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَ الْبِنَاءِ أَبَدًا، وَلَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ صَدَاقُ مِثْلِهَا. أَمَّا الْمُسَمَّى لَهَا الصَّدَاقُ فَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا قَبْل الْبِنَاءِ وَيَمْضِي بَعْدَ الْبِنَاءِ بِالأَْكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْل، وَيُسَمَّى هَذَا النِّكَاحُ بِمَرْكَبِ الشِّغَارِ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ سَمَّى لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا كَأَنْ يَقُول: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ وَنَحْوَهَا بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ مَثَلًا عَلَى شَرْطِ أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ أَمَتِي بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ فَهَذَا النِّكَاحُ فَاسِدٌ كَذَلِكَ يُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَمْضِي بَعْدَ الْبِنَاءِ بِالأَْكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْل، وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ وَجْهَ الشِّغَارِ (١) .

٤ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ -

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٣١١، مواهب الجليل ٣ / ٥١٢.

وَهُوَ قَوْل الرَّجُل لِلرَّجُل زَوَّجْتُكَ بِنْتِي أَوْ نَحْوَهَا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ أَوْ نَحْوَهَا وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقُ الأُْخْرَى، فَيَقْبَل الآْخَرُ ذَلِكَ كَأَنْ يَقُول: تَزَوَّجْتُ بِنْتَكَ وَزَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى مَا ذَكَرْتُ - بَاطِلٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ (١) وَلِمَعْنَى الاِشْتِرَاكِ فِي الْبُضْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْرِدَ النِّكَاحِ وَصَدَاقًا لأُِخْرَى فَأَشْبَهَ تَزْوِيجَ وَاحِدَةٍ مِنِ اثْنَيْنِ.

وَقَال بَعْضُهُمْ: عِلَّةُ الْبُطْلاَنِ، التَّعْلِيقُ وَالتَّوَقُّفُ الْمَوْجُودُ فِي هَذَا النِّكَاحِ، وَقِيل لِخُلُوِّهِ مِنَ الْمَهْرِ. فَإِنْ لَمْ يُجْعَل الْبُضْعُ صَدَاقًا بِأَنْ سَكَتَ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ فَالأَْصَحُّ الصِّحَّةُ لِعَدَمِ التَّشْرِيكِ فِي الْبُضْعِ وَلأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلاَّ شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ وَذَلِكَ لاَ يُفْسِدُ النِّكَاحَ وَيَجِبُ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ الْمِثْل.

فَعَلَى هَذَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ وَبُضْعُ ابْنَتِكَ صَدَاقٌ لاِبْنَتِي صَحَّ النِّكَاحُ الأَْوَّل وَبَطَل النِّكَاحُ الثَّانِي.

_________

(١) حديث ابن عمر: نهى عن الشغار: أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٦٢ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٣٤ - ط الحلبي) .

وَلَوْ قَال: وَبُضْعُ ابْنَتِي صَدَاقٌ لاِبْنَتِكَ بَطَل الأَْوَّل وَصَحَّ الثَّانِي.

وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي - وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ - لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّعْلِيقِ وَالتَّوَقُّفِ.

وَلَوْ سَمَّيَا مَالًا مَعَ جَعْل الْبُضْعِ صَدَاقًا كَأَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي بِأَلْفٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ مَثَلًا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ بِأَلْفٍ كَذَلِكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقٌ لِلأُْخْرَى، أَوْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَيَكُونَ بُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَأَلْفُ دِرْهَمٍ صَدَاقًا لِلأُْخْرَى، فَالأَْصَحُّ بُطْلاَنُ هَذَا النِّكَاحِ لِوُجُودِ التَّشْرِيكِ فِيهِ.

وَكَذَا إِذَا سَمَّيَا لإِحْدَاهُمَا مَهْرًا دُونَ الأُْخْرَى كَأَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقٌ لِلأُْخْرَى فَالأَْصَحُّ بُطْلاَنُهُ أَيْضًا لِوُجُودِ مَعْنَى التَّشْرِيكِ فِيهِ.

وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي - وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ - يَصِحُّ النِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَفْسِيرِ صُورَةِ الشِّغَارِ وَلأَِنَّهُ لَمْ يَخْل عَنِ الْمَهْرِ.

وَمِنْ صُوَرِ الشِّغَارِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَ ابْنِي ابْنَتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقُ الأُْخْرَى.

وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ زَيْدٌ مَثَلًا ابْنَتَهُ وَصَدَاقُ الْبِنْتِ بُضْعُ الْمُطَلَّقَةِ فَزَوَّجَهُ عَلَى ذَلِكَ، صَحَّ التَّزْوِيجُ بِمَهْرِ الْمِثْل؛ لِفَسَادِ الْمُسَمَّى وَوَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ (١) .

٥ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الشِّغَارَ - وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ شَخْصٌ وَلِيَّتَهُ لِشَخْصٍ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ وَلِيَّتَهُ - نِكَاحٌ فَاسِدٌ، لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ (٢) . وَلِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ وَلاَ شِغَارَ فِي الإِْسْلاَمِ (٣) . وَلأَِنَّهُ جَعَل كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الآْخَرِ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْنِي ثَوْبَكَ عَلَى أَنْ أَبِيعَكَ ثَوْبِي.

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُول: عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بُضْعُ الأُْخْرَى، أَوْ لَمْ يَقُل ذَلِكَ بِأَنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ، وَكَذَا لَوْ جَعَلاَ بُضْعَ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَدَرَاهِمَ مَعْلُومَةً مَهْرًا لِلأُْخْرَى.

قَالُوا: وَلَيْسَ فَسَادُ نِكَاحِ الشِّغَارِ مِنْ قِبَل التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ، بَل مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ١٤٢، روضة الطالبين ٧ / ٤١ - ٤٠.

(٢) حديث: " نهى عن الشغار " تقدم تخريجه ف ٤.

(٣) حديث: " لا جلب ولا جنب ولا. . . " أخرجه النسائي (٦ / ١١١ - ط المكتبة التجارية) من حديث عمران بن حصين، وفي إسناده مقال. ولكن أورد له ابن حجر شواهد تقويه (تلخيص الحبير) (٢ / ١٦١، ١٦٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .