الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
وَلَمَّا أَرَادَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَدْحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ قَال ﷺ لَهُ: هَاتِ، لاَ يَفْضُضِ اللَّهُ فَاكَ (١) .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَمْشِي وَهُوَ يَقُول:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ
الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيل الْهَامَ عَنْ مُقِيلِهِ
وَيُذْهِل الْخَلِيل عَنْ خَلِيلِهِ
فَقَال عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، فِي حَرَمِ اللَّهِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خَل عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْل (٢)
. وَرَوَى أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
_________
(١) تفسير القرطبي ١٣ / ١٤٦. وحديث: " هات، لا يفضض الله فاك ". أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤ / ٢٥٣ - ط. وزارة الأوقاف العراقية)، وأورده الهيثمي في المجمع (٨ / ٢١٧ - ٢١٨ - ط القدسي) وقال: " فيه من لم أعرفهم ".
(٢) حديث: " خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل ". أخرجه الترمذي (٥ / ١٣٩ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".
أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً (١) .
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لاَ وَجْهَ لِقَوْل مَنْ حَرَّمَ الشِّعْرَ مُطْلَقًا أَوْ قَال بِكَرَاهَتِهِ.
٨ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: فَقَدْ يَكُونُ فَرْضًا كَمَا نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الشِّهَابِ الْخَفَاجِيِّ قَال: مَعْرِفَةُ شِعْرِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمُخَضْرَمِينَ (وَهُمْ مَنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالإِْسْلاَمَ) وَالإِْسْلاَمِيِّينَ رِوَايَةً وَدِرَايَةً فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ فُقَهَاءِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ بِهِ تَثْبُتُ قَوَاعِدُ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى مَعْرِفَتِهِمَا الأَْحْكَامُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْحَلاَل مِنَ الْحَرَامِ، وَكَلاَمُهُمْ وَإِنْ جَازَ فِيهِ الْخَطَأُ فِي الْمَعَانِي فَلاَ يَجُوزُ فِيهِ الْخَطَأُ فِي الأَْلْفَاظِ وَتَرْكِيبِ الْمَبَانِي (٢) .
٩ - وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَذَلِكَ إِذَا تَضَمَّنَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَمْدَهُ أَوِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، أَوْ ذِكْرَ رَسُولِهِ ﷺ أَوِ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ أَوْ مَدْحَهُ أَوِ الذَّبَّ عَنْهُ، أَوْ ذِكْرَ أَصْحَابِهِ أَوْ مَدْحَهُمْ، أَوْ ذِكْرَ الْمُتَّقِينَ وَصِفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، أَوْ كَانَ فِي الْوَعْظِ وَالْحِكَمِ أَوِ التَّحْذِيرِ مِنَ الْمَعَاصِي أَوِ الْحَثِّ عَلَى الطَّاعَاتِ وَمَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ (٣) .
_________
(١) حديث: " إن من الشعر حكمة ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٣٧ - ط السلفية) .
(٢) رد المحتار ١ / ٣٢.
(٣) تفسير القرطبي ١٣ / ١٤٦، فتح الباري ١٠ / ٥٤٧، رد المحتار ١ / ٤٤٣، نهاية المحتاج ٨ / ٢٨٣، أسنى المطالب ٤ / ٣٤٦.
١٠ - وَقَدْ يَكُونُ الشِّعْرُ حَرَامًا إِذَا كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا لاَ يَحِل كَوَصْفِ الْخَمْرِ الْمُهَيِّجِ لَهَا، أَوْ هِجَاءِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ وَالْكَذِبِ فِي الشِّعْرِ، بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، أَوِ التَّشْبِيبِ بِمُعَيَّنٍ مِنْ أَمْرَدَ أَوِ امْرَأَةٍ غَيْرِ حَلِيلَةٍ، أَوْ كَانَ مِمَّا يُقَال عَلَى الْمَلاَهِي (١) .
١١ - وَقَدْ يَكُونُ الشِّعْرُ مَكْرُوهًا. . وَلِلْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ مِنَ الشِّعْرِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ وَجَعَلَهُ صِنَاعَةً لَهُ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ وَشَغَلَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الشِّعْرِ فِي وَصْفِ الْخُدُودِ وَالْقُدُودِ وَالشُّعُورِ، وَكَذَلِكَ تُكْرَهُ قِرَاءَةُ مَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِسْقِ وَالْخَمْرِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ الإِْكْثَارُ مِنَ الشِّعْرِ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ لِقِلَّةِ سَلاَمَةِ فَاعِلِهِ مِنَ التَّجَاوُزِ فِي الْكَلاَمِ لأَِنَّ غَالِبَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُبَالَغَاتٍ، رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ إِنْشَادِ الشِّعْرِ فَقَال: لاَ تُكْثِرَنَّ مِنْهُ فَمِنْ عَيْبِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ
_________
(١) رد المحتار ١ / ٣٢ - ٣٣ - ٤٣٣، الفواكه الدواني ٢ / ٤٠٨، نهاية المحتاج ٨ / ٢٨٣، أسنى المطالب ٤ / ٣٤٦، المغني ٩ / ١٧٨.
(٢) رد المحتار ١ / ٣٢ - ٣٣ - ٤٤٣.
الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (١) . قَال: وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ أَنِ اجْمَعِ الشُّعَرَاءَ قِبَلَكَ، وَسَلْهُمْ عَنِ الشِّعْرِ، وَهَل بَقِيَ مَعَهُمْ مَعْرِفَةٌ، وَأَحْضِرْ لَبِيدًا ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّا لَنَعْرِفُهُ وَنَقُولُهُ، وَسَأَل لَبِيدًا فَقَال: مَا قُلْتُ بَيْتَ شِعْرٍ مُنْذُ سَمِعْتُ اللَّهَ ﷿ يَقُول (٢): ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ (٣) .
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنَ الْمَذْمُومِ فِي الشِّعْرِ التَّكَلُّمُ مِنَ الْبَاطِل بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَرْءُ رَغْبَةً فِي تَسْلِيَةِ النَّفْسِ وَتَحْسِينِ الْقَوْل (٤) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّبَ مِنْ حَلِيلَتِهِ بِمَا حَقُّهُ الإِْخْفَاءُ، وَذَلِكَ مَا لَمْ تَتَأَذَّ بِإِظْهَارِهِ وَإِلاَّ حَرُمَ (٥) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ مِنَ الشِّعْرِ الْهِجَاءُ وَالشِّعْرُ الرَّقِيقُ الَّذِي يُشَبِّبُ بِالنِّسَاءِ (٦) .
١٢ - وَقَدْ يَكُونُ الشِّعْرُ مُبَاحًا وَهُوَ الأَْصْل فِي الشِّعْرِ. وَنُصُوصُ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ مُتَقَارِبَةٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْيَسِيرُ مِنَ الشِّعْرِ لاَ بَأْسَ
_________
(١) سورة يس / ٦٩.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٤٥٨، تفسير القرطبي ١٥ / ٥٤.
(٣) سورة البقرة / ١، ٢.
(٤) أحكام القرآن ٣ / ٤٦٥.
(٥) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨٣، الجمل ٥ / ٣٨٢.
(٦) الفروع ٦ / ٥٧٥.
بِهِ إِذَا قُصِدَ بِهِ إِظْهَارُ النِّكَاتِ وَالتَّشَابِيهِ الْفَائِقَةِ وَالْمَعَانِي الرَّائِقَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذِكْرِ الأَْطْلاَل وَالأَْزْمَانِ وَالأُْمَمِ فَمُبَاحٌ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُبَاحُ إِنْشَادُ الشِّعْرِ وَإِنْشَاؤُهُ مَا لَمْ يُكْثِرْ مِنْهُ فَيُكْرَهُ، إِلاَّ فِي الأَْشْعَارِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي الاِسْتِدْلاَل (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُبَاحُ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ وَإِنْشَادُهُ وَاسْتِمَاعُهُ - مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ مَا يَمْنَعُهُ أَوْ يَقْتَضِيهِ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلأَِنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ شُعَرَاءُ يُصْغِي إِلَيْهِمْ كَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَلأَِنَّهُ ﷺ اسْتَنْشَدَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ مِائَةَ بَيْتٍ، أَيْ لأَِنَّ أَكْثَرَ شِعْرِهِ حِكَمٌ وَأَمْثَالٌ وَتَذْكِيرٌ بِالْبَعْثِ وَلِهَذَا قَال ﷺ: كَادَ أَنْ يُسْلِمَ (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً (٤) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَيْسَ فِي إِبَاحَةِ الشِّعْرِ خِلاَفٌ، وَقَدْ قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إِلَيْهِ (٥) .
_________
(١) رد المحتار ١ / ٣٢ - ٤٤٣.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٤٥٨.
(٣) حديث: " كاد أن يسلم " تقدم تخريجه ف ٧.
(٤) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨٣، أسنى المطالب ٤ / ٣٤٦ وحديث: " إن من الشعر حكمة " تقدم تخريجه ف / ٧.
(٥) المغني ٩ / ١٧٧.
ثَانِيًا: تَعَلُّمُ الشِّعْرِ:
١٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ تَعَلُّمَ الشِّعْرِ مُبَاحٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُخْفٌ أَوْ حَثٌّ عَلَى شَرٍّ أَوْ مَا يَدْعُو إِلَى حَظْرِهِ.
وَتَعَلُّمُ بَعْضِ الشِّعْرِ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الشِّهَابِ الْخَفَاجِيِّ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَعَلُّمِ الأَْشْعَارِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُونَ لِلاِسْتِدْلاَل بِهَا. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ لِتَعْلِيمِ نَحْوِ شِعْرٍ مُبَاحٍ وَيَجُوزُ أَخْذُ الأَْجْرِ عَلَيْهِ (٢) .
ثَالِثًا: مَنْعُ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشِّعْرِ:
١٤ - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَفْصَحَ الْفُصَحَاءِ وَأَبْلَغَ الْبُلَغَاءِ، وَقَدْ أُوتِيَ ﷺ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَلَكِنَّهُ ﷺ حُجِبَ عَنْهُ الشِّعْرُ لِمَا كَانَ اللَّهُ ﷾ قَدِ ادَّخَرَهُ لَهُ مِنْ فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ دَلاَلَةً عَلَى صِدْقِهِ، كَمَا سَلَبَ عَنْهُ الْكِتَابَةَ وَأَبْقَاهُ عَلَى حُكْمِ الأُْمِّيَّةِ تَحْقِيقًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ وَتَأْكِيدًا، وَلِئَلاَّ تَدْخُل الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ أُرْسِل إِلَيْهِ فَيَظُنَّ أَنَّهُ قَوِيَ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَا فِي طَبْعِهِ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الشِّعْرِ (٣) .
_________
(١) رد المحتار ١ / ٣٢، الفواكه الدواني ٢ / ٤٥٨، أسنى المطالب ٤ / ١٨٢، مطالب أولي النهى ٣ / ٦٤٣.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٤٥٨، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٤٣.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ٢١، تفسير القرطبي ١٥ / ٥٥.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١) .
١٥ - وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَمَثُّل النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَمَثَّل بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثَّل بِشِعْرِ ابْنِ أَبِي رَوَاحَةَ وَيَتَمَثَّل وَيَقُول
وَيَأْتِيكَ بِالأَْخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
(٢) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ
أَلاَ كُل شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِل
(٣) .
وَإِصَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَزْنَ الشِّعْرِ لاَ يُوجِبُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْتِي مِنْ نَثْرِ كَلاَمِهِ مِمَّا يَدْخُل فِي وَزْنٍ كَقَوْلِهِ ﷺ: هَل أَنْتِ إِلاَّ أُصْبُعٌ دَمِيَتْ
_________
(١) سورة يس / ٦٩.
(٢) حديث: " كان يتمثل بشعر ابن رواحة. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ١٣٩ - ط الحلبي) وفي إسناده مقال، وأورده الهيثمي في المجمع (٨ / ١٢٨ - ط القدسي) وعزاه إلى البزار والطبراني من حديث ابن عباس وقال: " رجالهما رجال الصحيح ".
(٣) فتح الباري ١٠ / ٥٣٧ - ٥٤١، وحديث: " أصدق كلمة قالها شاعر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٣٧ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٧٦٨ - ط الحلبي) .
وَفِي سَبِيل اللَّهِ مَا لَقِيتِ (١) وَقَوْل ﷺ: أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ (٢)
فَقَدْ يَأْتِي مِثْل ذَلِكَ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (٤) وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٥) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا شِعْرًا وَلاَ فِي مَعْنَاهُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَلاَ شَاعِرًا؛ لأَِنَّ إِصَابَةَ الْقَافِيَتَيْنِ مِنَ الرَّجَزِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ، لاَ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِل عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَلاَ يُسَمَّى شَاعِرًا، كَمَا أَنَّ مَنْ خَاطَ خَيْطًا لاَ يَكُونُ خَيَّاطًا، قَال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى ﴿مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ (٦) وَمَا عَلَّمْنَاهُ أَنْ يُشْعِرَ، أَيْ مَا جَعَلْنَاهُ شَاعِرًا، وَهَذَا لاَ
_________
(١) حديث: " هل أنت إلا إصبع دميت. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٣٧ - ط السلفية) من حديث جندب بن عبد الله.
(٢) حديث: " أنا النبي لا كذب. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٢٨ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٤٠٠ - ط الحلبي) .
(٣) سورة آل عمران / ٩٢.
(٤) سورة الصف / ١٣.
(٥) سورة سبأ / ١٣.
(٦) سورة يس / ٦٩.
يَمْنَعُ أَنْ يُنْشِدَ شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ (١) .
رَابِعًا: إِنْشَادُ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَضْمُونِ الشِّعْرِ، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا جَازَ إِنْشَادُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِلاَّ فَلاَ (٢) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الآْثَارِ أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ تُنْشَدَ الأَْشْعَارُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يُبَاعَ فِيهِ السِّلَعُ، وَأَنْ يُتَحَلَّقَ فِيهِ قَبْل الصَّلاَةِ (٣) ثُمَّ وَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ وَضَعَ لِحَسَّانٍ مِنْبَرًا يُنْشِدُ عَلَيْهِ الشِّعْرَ (٤) بِحَمْل الأَْوَّل عَلَى مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهْجُوهُ بِهِ، أَوْ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرُ مَنْ فِيهِ مُتَشَاغِلًا بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ فِيهِ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ كَالسُّوقِ لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَلِيًّا عَنْ خَصْفِ النَّعْل فِيهِ (٥) . مَعَ أَنَّهُ لَوِ
_________
(١) تفسير القرطبي ١٥ / ٥٢ - ٥٤.
(٢) تفسير القرطبي ١٢ / ٢٧٠ - ٢٧١، إعلام الساجد بأحكام المساجد ٣٢٣.
(٣) حديث: " نهى أن تنشد الأشعار في المسجد. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٣٩ - ط الحلبي) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤ / ٣٥٨ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) من حديث عبد الله بن عمرو واللفظ للترمذي وقال: " حديث حسن ".
(٤) حديث: " وضع لحسان منبرًا ينشد عليه الشعر ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ١٣٨ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(٥) حديث خصف علي للنعل، أخرجه الطحاوي (٤ / ٣٥٩ - ط. مطبعة الأنوار المحمدية) .
اجْتَمَعَ النَّاسُ لِخَصْفِ النِّعَال فِيهِ كُرِهَ، فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ وَالتَّحَلُّقُ قَبْل الصَّلاَةِ فَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ كُرِهَ وَمَا لاَ فَلاَ. وَهَذَا نَظَرَ مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ (١) .
وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَلاَّ يُنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ شِعْرٌ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ لِلإِْسْلاَمِ وَلاَ حَثٌّ عَلَى مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ حَرُمَ.
وَنُقِل عَنِ الصَّيْمَرِيِّ قَوْلُهُ: كَرِهَ قَوْمٌ إِنْشَادَ الشِّعْرِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَكْرُوهٍ، وَقَدْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْشَدَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، لَكِنْ لاَ يُكْثِرُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشِّعْرِ الْمُبَاحِ أَوِ الْمُرَغِّبِ فِي الآْخِرَةِ أَوِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ وَذِكْرِ بَعْضِ مَنَاقِبِهِ وَمَآثِرِهِ لاَ مُطْلَقِ الشِّعْرِ، وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَعَل الْحَدِيثَ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِيهِ هَجْوٌ أَوْ مَدْحٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّهُ ﵊ مُدِحَ وَأُنْشِدَ مَدْحُهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَقَال ابْنُ بَطَّالٍ: لَعَلَّهُ كَانَ فِيمَا يَتَشَاغَل النَّاسُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ
_________
(١) رد المحتار ١ / ٤٤٤، وتفسير القرطبي ١٢ / ٢٧١.