الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ لِلْجِنْسِ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَلاَ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ النَّوْعِ (١) .
كَمَا اشْتَرَطُوا بَيَانَ قَدْرِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ (٢) . . وَبَيَانُ الْقَدْرِ يَتَحَقَّقُ بِكُل وَسِيلَةٍ تَرْفَعُ الْجَهَالَةَ عَنِ الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ تَسْلِيمُهُ، وَتُضْبَطُ الْكَمِّيَّةُ الثَّابِتَةُ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا بِصُورَةٍ لاَ تَدَعُ مَجَالًا لِلْمُنَازَعَةِ عِنْدَ الْوَفَاءِ (٣) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي (الْمُغْنِي): (وَيَجِبُ أَنْ يُقَدِّرَهُ بِمِكْيَالٍ أَوْ أَرْطَالٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ) .
فَإِنْ قَدَّرَهُ بِإِنَاءٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَهْلِكُ فَيَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ. وَهَذَا غَرَرٌ لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَقْدُ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: " أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ فِي
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٠٧، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٦، الخرشي ٥ / ٢١٣، بداية المجتهد ٢ / ٢٣٠، المغني ٤ / ٣١٠.
(٢) حديث: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم ". تقدم تخريجه ف٦.
(٣) (المغني ٤ / ٣١٨، نهاية المحتاج ٤ / ١٩٠، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٨، بداية المجتهد ٢ / ٢٢٩.
الطَّعَامِ لاَ يَجُوزُ بِقَفِيزٍ لاَ يُعْلَمُ عِيَارُهُ، وَلاَ فِي ثَوْبٍ بِذَرْعِ فُلاَنٍ؛ لأَِنَّ الْمِعْيَارَ لَوْ تَلِفَ أَوْ مَاتَ فُلاَنٌ بَطَل السَّلَمُ.
وَإِنْ عَيَّنَ مِكْيَال رَجُلٍ أَوْ مِيزَانَهُ، وَكَانَا مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ جَازَ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِمَا. وَإِنْ لَمْ يُعْرَفَا لَمْ يَجُزْ " (١) .
هَذَا وَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ رَجَّحَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) لاَ يَرَوْنَ بَأْسًا فِي اتِّفَاقِ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى تَحْدِيدِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِأَيَّةِ وَحْدَةٍ قِيَاسِيَّةٍ عُرْفِيَّةٍ تَضْبِطُهُ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ الْمُسْتَعْمَلَةِ لِتَحْدِيدِهِ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ بِمَا يَنْفِي عَنْهُ الْجَهَالَةَ وَالْغَرَرَ، وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ، وَالْعِلْمُ بِالْقَدْرِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ بِأَيَّةِ وَحْدَةٍ قِيَاسِيَّةٍ عُرْفِيَّةٍ مُنْضَبِطَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ قَدَّرَاهُ بِأَيِّ قَدْرٍ جَازَ " (٣)، وَيُفَارِقُ بَيْعَ الرِّبَوِيَّاتِ، فَإِنَّ التَّمَاثُل فِيهَا فِي الْمَكِيل كَيْلًا وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا شَرْطٌ، وَلاَ يُعْلَمُ هَذَا الشَّرْطُ إِذَا قَدَّرَهَا بِغَيْرِ مِقْدَارِهَا الأَْصْلِيِّ (٤) .
_________
(١) المغني ٤ / ٣١٨، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٠٧.
(٢) اختار هذه الرواية من الحنابلة موفق الدين ابن قدامة في المغني وابن عبدوس في تذكرته وجزم بها في الوجيز والمنور ومنتخب الأزجي. (انظر كشاف القناع ٣ / ٢٨٥، المغني ٤ / ٣١٨) .
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ١٩١، بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٨، المغني ٤ / ٣١٨، المهذب ١ / ٣٠٦.
(٤) المغني ٤ / ٣١٩.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي مَذْهَبِهِمْ، وَقَالُوا: لاَ يَصِحُّ سَلَمٌ فِي مَكِيلٍ وَزْنًا، وَلاَ فِي مَوْزُونٍ كَيْلًا، " لأَِنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الأَْصْل، كَبَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَلأَِنَّهُ قَدَّرَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الأَْصْل، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مَذْرُوعٍ وَزْنًا " (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعِبْرَةُ بِعُرْفِ أَهْل الْبَلَدِ الَّذِي جَرَى فِيهِ السَّلَمُ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يُضْبَطَ الْمُسْلَمُ فِيهِ بِالْوَحْدَةِ الْقِيَاسِيَّةِ الَّتِي تَعَارَفَ أَهْل الْبَلَدِ وَقْتَ الْعَقْدِ عَلَى تَقْدِيرِهِ بِهَا؛ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ فِي تَقْدِيرِهِ عِنْدَ الْوَفَاءِ. قَال الْخَرَشِيُّ: " يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِعَادَةِ بَلَدِ الْعَقْدِ، مِنْ كَيْلٍ فِيمَا يُكَال كَالْحِنْطَةِ، أَوْ وَزْنٍ كَاللَّحْمِ وَنَحْوِهِ، أَوْ عَدَدٍ كَالرُّمَّانِ وَالتُّفَّاحِ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ " (٢) .
وَبَيَانُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ إِنَّمَا يَجْرِي فِي الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي تَخْضَعُ أَنْوَاعُهَا لِلْوَحَدَاتِ الْقِيَاسِيَّةِ الْعُرْفِيَّةِ، وَهِيَ الْوَزْنُ أَوِ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٨، وانظر كشاف القناع ٣ / ٢٨٥.
(٢) التاج والإكليل ٤ / ٥٣٠، الخرشي على خليل ٥ / ٢١٢.
الْحَجْمُ أَوِ الطُّول أَوِ الْعَدُّ. . أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ آحَادُهَا وَتَتَفَاوَتُ أَفْرَادُهَا بِحَيْثُ لاَ تَقْبَل التَّقْدِيرَ بِتِلْكَ الْوَحَدَاتِ الْقِيَاسِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُهَا قَابِلَةً لِلاِنْضِبَاطِ، فَعِنْدَئِذٍ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا بِشَرْطِ بَيَانِ صِفَاتِهَا الَّتِي تَتَفَاوَتُ فِيهَا الرَّغَبَاتُ وَيَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِتَفَاوُتِهَا اخْتِلاَفًا ظَاهِرًا. قَال ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: " وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي السَّلَمِ يَكُونُ بِالْوَزْنِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْوَزْنُ وَبِالْكَيْل فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَيْل، وَبِالذَّرْعِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الذَّرْعُ، وَبِالْعَدَدِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْعَدَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ انْضَبَطَ بِالصِّفَاتِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ الْجِنْسِ، مَعَ ذِكْرِ النَّوْعِ إِنْ كَانَ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً، أَوْ مَعَ تَرْكِهِ إِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا " (١) .
وَلاَ يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُل الصِّفَاتِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ، وَقَدْ يَنْتَهِي الْحَال فِيهَا إِلَى أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ. إِذْ يَبْعُدُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِل بِتِلْكَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا، فَيَجِبُ الاِكْتِفَاءُ بِالأَْوْصَافِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا غَالِبًا. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْخَرَشِيُّ بِقَوْلِهِ: " أَنْ تُبَيَّنَ أَوْصَافُ الْمُسْلَمِ فِيهِ
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٣٠.
الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا قِيمَتُهُ عِنْدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ اخْتِلاَفًا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً ". وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنْ صَاحِبِ الشَّامِل " وَأَنْ تُبَيَّنَ صِفَاتُهُ الْمَعْلُومَةُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُسْلَمِ فِيهِ تَخْتَلِفُ بِهَا عَادَةً أَوْ تَخْتَلِفُ الأَْغْرَاضُ بِسَبَبِهَا " (١) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مُؤَجَّلًا:
٢٣ - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِصِحَّةِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمَ فِيهِ مُؤَجَّلًا فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَال (٢)، وَحُجَّتُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ الأَْجَل: قَوْلُهُ ﷺ مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٣) فَأَمَرَ ﵊ بِالأَْجَل فِي السَّلَمِ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَيَكُونُ الأَْجَل مِنْ جُمْلَةِ
_________
(١) المغني ٤ / ٣١١، شرح الخرشي ٥ / ٢١٣، مواهب الجليل ٤ / ٥٣١.
(٢) القوانين الفقهية ص ٢٧٤، البدائع ٥ / ٢١٢، المقدمات الممهدات ص ٥١٥، المغني ٤ / ٣٢١، كفاية الطالب الرباني ٢ / ١٦٣، البحر الرائق ٦ / ١٧٤، المنتقى للباجي ٤ / ٢٩٧، الهادية مع فتح القدير والعناية ٦ / ٢١٧، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٨.
(٣) حديث: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم. . . ". تقدم تخريجه ف٦.
شُرُوطِ صِحَّةِ السَّلَمِ، فَلاَ يَصِحُّ بِدُونِهِ.
وَلأَِنَّ السَّلَمَ جُوِّزَ رُخْصَةً لِلرِّفْقِ، وَلاَ يَحْصُل الرِّفْقُ إِلاَّ بِالأَْجَل، فَإِذَا انْتَفَى الأَْجَل انْتَفَى الرِّفْقُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُسْلِفَ يَرْغَبُ فِي تَقْدِيمِ الثَّمَنِ لاِسْتِرْخَاصِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَالْمُسْلَمُ إِلَيْهِ يَرْغَبُ فِيهِ لِمَوْضِعِ النَّسِيئَةِ، وَإِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ الأَْجَل زَال هَذَا الْمَعْنَى (١) .
قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: " وَلأَِنَّ السَّلَمَ مَعْنَاهُ السَّلَفُ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَأْسُ الْمَال وَيَتَأَخَّرَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، فَوَجَبَ مَنْعُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ " (٢) .
وَلأَِنَّ السَّلَمَ الْحَال يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، لأَِنَّ السَّلَمَ بَيْعُ الْمَفَالِيسِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ عَاجِزًا عَنْ تَسْلِيمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَرَبُّ السَّلَمِ يُطَالِبُ بِالتَّسْلِيمِ، فَيَتَنَازَعَانِ عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ فِيهِ الْحَاجَةُ إِلَى الْفَسْخِ. وَفِيهِ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِرَبِّ السَّلَمِ؛ لأَِنَّهُ سَلَّمَ رَأْسَ الْمَال إِلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ وَصَرَفَهُ فِي حَاجَتِهِ، فَلاَ يَصِل إِلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلاَ إِلَى رَأْسِ الْمَال، فَشُرِطَ الأَْجَل حَتَّى لاَ يَمْلِكَ الْمُطَالَبَةَ إِلاَّ بَعْدَ حُلُول الأَْجَل، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ
_________
(١) الإشراف على مسائل الخلاف ١ / ٢٨٠، وانظر المغني ٤ / ٣٢١.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٢٨.
ظَاهِرًا، فَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْفَسْخِ وَالإِْضْرَارِ بِرَبِّ السَّلَمِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ السَّلَمِ الْحَال كَمَا هُوَ جَائِزٌ مُؤَجَّلًا، وَحُجَّتُهُمْ عَلَى صِحَّةِ كَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَالًّا، الْقِيَاسُ الأَْوْلَوِيُّ عَلَى السَّلَمِ الْمُؤَجَّل (٢)، قَال الشِّيرَازِيُّ: " لأَِنَّهُ إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا، فَلأَنْ يَجُوزَ حَالًّا، وَهُوَ عَنِ الْغَرَرِ أَبْعَدُ، أَوْلَى " (٣) . وَمُرَادُهُمْ أَنَّ فِي الأَْجَل ضَرْبًا مِنَ الْغَرَرِ؛ إِذْ رُبَّمَا يَقْدِرُ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَال، وَيَعْجِزُ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل. فَإِذَا جَازَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا، فَهُوَ حَالًّا أَحْرَى بِالْجَوَازِ؛ لأَِنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْغَرَرِ.
قَال الشَّافِعِيُّ فِي (الأُْمِّ): " فَإِذَا أَجَازَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْعَ الطَّعَامِ بِصِفَةٍ إِلَى أَجَلٍ، كَانَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِصِفَةٍ حَالًّا أَجْوَزَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَيْعِ مَعْنًى إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ مَضْمُونًا عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِذَا ضَمِنَ مُؤَخَّرًا ضَمِنَ مُعَجَّلًا، وَكَانَ مُعَجَّلًا أَضْمَنَ مِنْهُ مُؤَخَّرًا، وَالأَْعْجَل أَخْرَجُ مِنْ مَعْنَى الْغَرَرِ، وَهُوَ مُجَامِعٌ لَهُ فِي أَنَّهُ مَضْمُونٌ لَهُ عَلَى بَائِعِهِ بِصِفَةٍ (٤) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٢.
(٢) نهاية المحتاج ٤ / ١٨٥، أسنى المطالب ٢ / ١٢٤، فتح العزيز ٩ / ٢٢٦، روضة الطالبين ٤ / ٧.
(٣) المهذب ١ / ٣٠٤.
(٤) الأم ٣ / ٩٥ (تصحيح محمد زهري النجار) .
أَقَل مُدَّةِ الأَْجَل فِي السَّلَمِ:
٢٤ - مَعَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ - عَدَا الشَّافِعِيَّةَ - اتَّفَقُوا لِصِحَّةِ السَّلَمِ عَلَى وُجُوبِ كَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مُؤَجَّلًا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الأَْجَل الأَْدْنَى الَّذِي لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ بِأَقَل مِنْهُ وَذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ تَقْدِيرَ الأَْجَل إِلَى الْعَاقِدَيْنِ حَتَّى لَوْ قَدَّرَا نِصْفَ يَوْمٍ جَازَ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: أَقَلُّهُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، قِيَاسًا عَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدَّرَ بِالشَّهْرِ قَال فِي الْبَدَائِعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ (لأَِنَّ الأَْجَل إِنَّمَا شُرِطَ فِي السَّلَمِ تَرْفِيهًا وَتَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الاِكْتِسَابِ فِي الْمُدَّةِ. وَالشَّهْرُ مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنَ الاِكْتِسَابِ، فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى التَّرْفِيهِ. فَأَمَّا مَا دُونَهُ فَفِي حَدِّ الْقِلَّةِ، فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْحُلُول) (١) .
ب - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهُ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الأَْسْوَاقُ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٣، وانظر فتح القدير (الميمنية ١٣١٩ هـ) ٦ / ٢١٩، رد المحتار ٤ / ٢٠٦.
كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَنَحْوِهَا. وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ (١) .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُجَوِّزُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لاَ بَأْسَ بِهِ إِلَى الْيَوْمِ الْوَاحِدِ (٢) .
قَال الْبَاجِيُّ - بَعْدَ عَرْضِ هَذِهِ الأَْقْوَال - " إِذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ، فَاَلَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إِنَّ تَغَيُّرَ الأَْسْوَاقِ فِي ذَلِكَ لاَ يَخْتَصُّ بِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَسَبِ عُرْفِ الْبِلاَدِ. وَمَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَر، إِنَّمَا قَدَّرَ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِ. وَتَقْدِيرُ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ عِشْرِينَ أَظْهَرُ، لأَِنَّ هَذَا عُرْفُ الْبِلاَدِ، وَمُقْتَضَى مَا عُلِمَ مِنْ أَسْوَاقِهَا، فَإِنَّهُ يَغْلِبُ تَغَيُّرُهَا فِي مِثْل هَذِهِ الْمُدَّةِ " (٣) .
ج - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مِنْ شَرْطِ الأَْجَل أَنْ
_________
(١) شرح الخرشي ٥ / ٢١٠، القوانين الفقهية ص ٢٧٤، بداية المجتهد ٢ / ٢٢٨، المقدمات الممهدات ص ٥١٧.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٢٨، المنتقى للباجي ٤ / ٢٩٧، وقد ذكر الباجي وابن رشد أن محل هذا الخلاف عند المالكية فيما إذا كان قضاء المسلم فيه البلد الذي عقد فيه السلم. أما إذا كان المسلم فيه يقتضى بغير بلد السلم، فإن أدنى الأجل عندهم هو مدة قطع المسافة التي بين البلدين قلت أو كثرت. وانظر شرح الخرشي ٥ / ٢١١.
(٣) المنتقى للباجي ٤ / ٢٩٨.
يَكُونَ مُدَّةً لَهَا وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ عَادَةً، كَالشَّهْرِ وَمَا قَارَبَهُ؛ لأَِنَّ الأَْجَل إِنَّمَا اعْتُبِرَ لِتَحْقِيقِ الرِّفْقِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ شُرِعَ السَّلَمُ، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ الَّتِي لاَ أَثَرَ لَهَا فِي الثَّمَنِ (١) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الأَْجَل مَعْلُومًا:
٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْلُومِيَّةَ الأَْجَل الَّذِي يُوَفَّى فِيهِ الْمُسْلَمُ فِيهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ السَّلَمِ، لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٢) فَقَدْ أَوْجَبَ مَعْلُومِيَّةَ الأَْجَل (٣) .
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ " إِنْ كَانَ الأَْجَل مَجْهُولًا فَالسَّلَمُ فَاسِدٌ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْجَهَالَةُ مُتَفَاحِشَةً أَوْ مُتَقَارِبَةً؛ لأَِنَّ كُل ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَلأَِنَّ جَهَالَةَ الأَْجَل مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْدِ، كَجَهَالَةِ الْقَدْرِ " (٤) .
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٨، المغني ٤ / ٣٢٣، كشاف القناع ٣ / ٢٨٥.
(٢) حديث: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم. . . . ". تقدم تخريجه ف ٦.
(٣) الخرشي ٥ / ٢١٠، المغني ٤ / ٣٢١، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٨، القوانين الفقهية ص ٢٧٤ (ط - الدار العربية للكتاب)، المقدمات الممهدات ص ٥١٥، نهاية المحتاج ٤ / ١٨٦، الهداية مع فتح القدير والعناية ٦ / ٢١٨، روضة الطالبين ٤ / ٧.
(٤) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٣.