الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَة، وَقِرَاءَة) .

السُّكُوتُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ:

٩ - الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ - أَيْ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالإِْحْسَانِ إِلَى النَّاسِ - وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ مَا فِيهِ غَضَبُ اللَّهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ - أَصْلٌ مِنْ أُصُول الدِّينِ كَمَا يَقُول الْغَزَالِيُّ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. فَالسُّكُوتُ عِنْدَ رُؤْيَةِ ارْتِكَابِ الْمُنْكَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَرَامٌ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ حِينَ تَوَفُّرِ شُرُوطِهِ وَالْمَرَاتِبِ وَالْوَسَائِل الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (١) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَفِي بَيَانِ شُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ وَمَرَاتِبِهِ، وَالْوَسَائِل الَّتِي يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُهَا فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَل هُوَ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥١، ومواهب الجليل للحطاب ٣ / ٤٨، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤١، والزواجر ٢ / ١٦١، وشرح النووي على مسلم ٢ / ٢٢، وإحياء علوم الدين ٢ / ٣٩١، والآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ١٨٣.

فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ - تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (الأَْمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ) ف ٣ - ٥ (٦ ٢٤٨ - ٢٥٠) .

السُّكُوتُ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ:

١٠ - تَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ بِالطَّلَبِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. وَهَذَا إِذَا عَلِمَ الشَّاهِدُ بِقَبُول شَهَادَتِهِ، وَكَانَ الْقَاضِي عَادِلًا، وَيَكُونُ الْمَكَانُ قَرِيبًا، وَلاَ يَعْلَمُ بُطْلاَنَ الشُّهُودِ بِهِ، وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ خَوْفًا.

فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ؛ لأَِنَّ فِي سُكُوتِهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ وَهُوَ مُحَرَّمٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١) وَهَذَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ.

أَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالرَّضَاعِ فَيَجِبُ الأَْدَاءُ حِسْبَةً بِلاَ طَلَبٍ.

إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُخَيَّرُ فِي الْحُدُودِ، وَسَتْرُهَا فِي بَعْضِ الْحُدُودِ أَبَرُّ، فَالأَْوْلَى فِيهَا الْكِتْمَانُ إِلاَّ لِمُتَهَتِّكٍ وَمَنِ اشْتُهِرَ بِالْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٣.

هَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ (١) وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ، وَخِلاَفٍ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَة) .

حُكْمُ السُّكُوتِ فِي الْمُعَامَلاَتِ وَالْعُقُودِ:

١١ - الْمُعَامَلاَتُ وَالْعُقُودُ أَسَاسُهَا الرِّضَا الَّذِي يَتَحَقَّقُ غَالِبًا بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول الْقَوْلِيِّ.

وَالأَْصْل أَنَّ السُّكُوتَ لاَ يُعْتَبَرُ رِضًا فَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُول: (لاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ (٣» وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ وَالسُّيُوطِيُّ فِي أَشْبَاهِهِمَا مِنْ أَنَّ الثَّيِّبَ لَوْ سَكَتَتْ عِنْدَ الاِسْتِئْذَانِ فِي النِّكَاحِ لَمْ يَقُمْ مَقَامَ الإِْذْنِ. وَلَوْ رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا بِسُكُوتِ الْمُوَكِّل، وَلَوْ سَكَتَ عَنْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ أَوْ إِتْلاَفِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَنْعِ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَ كُفْءٍ فَسُكُوتُ الْوَلِيِّ عَنْ مُطَالَبَةِ التَّفْرِيقِ لَيْسَ بِرِضًا مَا لَمْ تَلِدْ (٤) .

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٣٧٠، ٣٧١.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢٤٢، ٢٣٦، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج ٤ / ٣٢٩ - ٣٣١، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٤٦ وما بعدها.

(٣) مجلة الأحكام العدلية م (٦٧) والأشباه والنظائر للسيوطي.

(٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم مع حاشية الحموي ص ١٨٤ وما بعدها، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤٢، والمنثور للزركشي ٢ / ٢٠٥.

وَسَيَأْتِي تَفْصِيل بَعْضِ هَذِهِ الْفُرُوعِ وَنَظَائِرِهَا فِيمَا بَعْدُ مَعَ الأَْدِلَّةِ. هَذَا هُوَ الأَْصْل.

لَكِنْ قَدْ يَتَحَقَّقُ الرِّضَا بِالْفِعْل وَالتَّعَاطِي، أَوِ الْقَوْل مِنْ طَرَفٍ وَالْفِعْل مِنْ طَرَفٍ آخَرَ، أَوِ الْقَوْل مِنْ جَانِبٍ وَالسُّكُوتِ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ يَدُل عَلَى الرِّضَا، كَمَا فُصِّل فِي مُصْطَلَحِ (عَقْد)

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لِمَا يَدُل السُّكُوتُ فِيهَا عَلَى الرِّضَا وَالإِْذْنِ وَفْقًا لِقَاعِدَةِ: إِنَّ السُّكُوتَ فِي مَعْرِضِ الْحَاجَةِ بَيَانٌ، كَمَا ذَكَرُوا أَمْثِلَةً لِمَا لاَ يَدُل فِيهِ السُّكُوتُ عَلَى الرِّضَا بِنَاءً عَلَى الأَْصْل.

وَفِيمَا يَلِي نَذْكُرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْمَسَائِل بِالتَّفْصِيل:

أ - سُكُوتُ الْمَالِكِ عِنْدَ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ (١):

١٢ - إِذَا تَصَرَّفَ الْفُضُولِيُّ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِبَيْعٍ فِي حُضُورِ الْمَالِكِ، فَسَكَتَ فِي حَال كَوْنِهِ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْبَيْعِ، فَهَل يُعْتَبَرُ

_________

(١) الفضولي هو من لا يكون أصيلا ولا وليا ولا وكيلا في العقد.

سُكُوتُهُ رِضًا وَإِذْنًا بِالْبَيْعِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُعْتَبَرُ هَذَا السُّكُوتُ إِذْنًا وَلاَ يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لِقَاعِدَةِ: لاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ (١) . وَعَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا، لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ الصَّرِيحَةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ بِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَلاَ يُعْذَرُ بِسُكُوتِهِ إِذَا ادَّعَاهُ. فَإِنْ مَضَى عَامٌ وَهُوَ سَاكِتٌ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الثَّمَنِ أَيْضًا (٢) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ أَصْلًا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ بَاعَ مَال غَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا (٣) وَمِثْلُهُ مَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قَال الْبُهُوتِيُّ: إِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَوْ بِحَضْرَتِهِ وَسُكُوتِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَلَوْ أَجَازَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (٤)، أَيِ الْمِلْكِ وَالإِْذْنِ.

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم مع حاشية الحموي ص ١٨٤، ١٨٥.

(٢) الزرقاني ٥ / ١٩، والشرح الصغير للدردير ٣ / ٢٦.

(٣) نهاية المحتاج ٣ / ٣٩١.

(٤) كشاف القناع ٣ / ١٥٧

أَمَّا شِرَاءُ الْفُضُولِيِّ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (فُضُولِيّ) .

ب - سُكُوتُ الْوَلِيِّ عِنْدَ بَيْعِ أَوْ شِرَاءِ مَنْ تَحْتَ وِلاَيَتِهِ:

١٣ - إِذَا رَأَى الْوَلِيُّ مُوَلِّيَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ التَّصَرُّفِ يُعْتَبَرُ سُكُوتُهُ رِضًا وَإِذْنًا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. قَال الْمُوصِلِيُّ: لأَِنَّ سُكُوتَهُ عَنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ دَلِيل رِضًا، كَسُكُوتِ الشَّفِيعِ عِنْدَ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْهُ يَتَصَرَّفُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَالْوَلِيُّ سَاكِتٌ، يَعْتَقِدُونَ رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَإِلاَّ لَمَنَعَهُ، فَيُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةَ الْمَأْذُونِ. فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ سُكُوتُهُ رِضًا يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى الإِْضْرَارِ بِهِمْ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ: السُّكُوتُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يُعْتَبَرُ رِضًا؛ لأَِنَّهُ يَحْتَمِل الرِّضَا وَالسَّخَطَ، فَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِلإِْذْنِ عِنْدَ الاِحْتِمَال (٢) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ سُكُوتَ الْقَاضِي فَقَالُوا: إِذَا رَأَى الْقَاضِي الصَّبِيَّ أَوِ

_________

(١) الاختيار للموصلي ٢ / ١٠٠، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٩٥.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ١٠٠، والمغني لابن قدامة ٥ / ٨٥.

الْمَعْتُوهَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ، لاَ يَكُونُ سُكُوتُهُ إِذْنًا فِي التِّجَارَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُ فِي مَال الْغَيْرِ حَتَّى يَكُونَ الإِْذْنُ إِسْقَاطًا لِحَقِّهِ (١) .

ج - سُكُوتُ الشَّفِيعِ:

١٤ - سُكُوتُ الشَّفِيعِ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ وَالثَّمَنِ يُعْتَبَرُ رِضًا بِالْعَقْدِ وَإِقْرَارًا بِالتَّنَازُل عَنِ الشُّفْعَةِ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) . فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الشَّفِيعَ أَنْ يَقُول كَلاَمًا يَدُل عَلَى طَلَبِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي سَمِعَ فِيهِ عَقْدَ الْبَيْعِ فِي الْحَال، ثُمَّ يَطْلُبُ طَلَبَ التَّقْرِيرِ وَالإِْشْهَادِ، فَإِنْ سَكَتَ وَأَخَّرَ الطَّلَبَ يَسْقُطُ حَقُّ شُفْعَتِهِ (٢) .

وَمِثْلُهُ مَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَال الْخَطِيبُ: الأَْظْهَرُ أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ، لأَِنَّهَا حَقٌّ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَرَدِّ الْمَبِيعِ، وَإِذَا كَانَ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ فَلْيُوَكِّل إِنْ قَدَرَ، وَإِلاَّ فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ. وَإِلاَّ بَطَل حَقُّهُ فِي الأَْظْهَرِ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ١١١.

(٢) مجلة الأحكام العدلية م ١٠٢٩ - ١٣٢، والبدائع ٥ / ١٨.

لِتَقْصِيرِهِ، وَلإِشْعَارِ السُّكُوتِ - مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الإِْشْهَادِ - بِالرِّضَا (١) .

وَقَال الْبُهُوتِيُّ: إِنِ اشْتَغَل بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ بِكَلاَمٍ آخَرَ، أَوْ سَلَّمَ عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ سَكَتَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ (٢) .

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمُ الطَّلَبُ فَوْرًا، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ سَكَتَ الشَّفِيعُ مَعَ عِلْمِهِ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ فِي الأَْرْضِ مِنْ قِبَل الْمُشْتَرِي، وَلَوْ لإِصْلاَحٍ، أَوْ سَكَتَ بِلاَ مَانِعٍ شَهْرَيْنِ، إِنْ حَضَرَ الْعَقْدُ تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ.

وَإِلاَّ فَتَسْقُطُ بِحُضُورِهِ سَاكِتًا بِلاَ عُذْرٍ سَنَةً.

فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ وَهُوَ حَاضِرٌ فِي الْبَلَدِ سَاكِتٌ بِلاَ مَانِعٍ فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ (٣) .

د - السُّكُوتُ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ:

١٥ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ كَمَا تَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول صَرَاحَةً تَنْعَقِدُ كَذَلِكَ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول دَلاَلَةً. فَإِذَا وَضَعَ رَجُلٌ مَالَهُ فِي دُكَّانٍ مَثَلًا، فَرَآهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ وَسَكَتَ، ثُمَّ تَرَكَ الرَّجُل ذَلِكَ الْمَال وَانْصَرَفَ صَارَ ذَلِكَ الْمَال عِنْدَ صَاحِبِ الدُّكَّانِ وَدِيعَةً،

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٠٧، ٣٠٨.

(٢) كشاف القناع ٤ / ١٤٠ - ١٤٢.

(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٤٨٤، ٤٨٥.

لأَِنَّ سُكُوتَ صَاحِبِ الدُّكَّانِ حِينَ وَضَعَ الْمَال يَدُل عَلَى قَبُول حِفْظِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ يَكُونُ ضَامِنًا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الأَْمَانَاتِ (١) .

أَمَّا السُّكُوتُ فِي الْعَارِيَّةِ فَلاَ يُعْتَبَرُ رِضًا وَإِذْنًا مِنَ الْمُعِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَوْ طَلَبَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ إعَارَةَ شَيْءٍ، فَسَكَتَ صَاحِبُ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ غَاصِبًا.

وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالُوا: الأَْصَحُّ فِي النَّاطِقِ اشْتِرَاطُ لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالإِْذْنِ أَوْ بِطَلَبِهِ، كَأَعَرْتُكَ هَذَا وَنَحْوَهُ. وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ يُشْتَرَطُ اللَّفْظُ (٢) .

وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحَيْ: (وَدِيعَة، عَارِيَّةً) .

هـ - الصُّلْحُ عَلَى السُّكُوتِ:

١٦ - الصُّلْحُ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ، وَهُوَ انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ، أَوْ خَوْفِ

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم مع حاشية الحموي ١٨٤، والمادة (٧٧٣) من مجلة الأحكام العدلية، والزرقاني ٦ / ١١٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤١٩.

(٢) مجلة الأحكام العدلية م (٨٠٥)، مغني المحتاج ٢ / ٢٦٦، ٢٦٧.

وُقُوعِهِ، كَمَا عَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ، أَوْ عَقْدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ بِالتَّرَاضِي، كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ (١) .

وَقَدْ قَسَّمَهُ الْفُقَهَاءُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ، وَالصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ وَالصُّلْحُ عَنْ سُكُوتٍ، بِأَنْ يَسْكُتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَى الْمُدَّعِي فَيُصَالِحَهُ بِدَفْعِ شَيْءٍ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ الْمُدَّعِي الدَّعْوَى (٢) .

وَحُكْمُ الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ هُوَ حُكْمُ الصُّلْحِ عَلَى الإِْنْكَارِ (٣) .

قَال الْبُهُوتِيُّ: إِنِ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَيُنْكِرُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ يَسْكُتُ وَهُوَ يَجْهَلُهُ، ثُمَّ يُصَالِحُ عَلَى مَالٍ، يَصِحُّ الصُّلْحُ، وَيَكُونُ الْمَال الْمُصَالَحُ بِهِ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي وَإِبْرَاءً فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ (٤) .

وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ حَيْثُ نَصُّوا بِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الإِْنْكَارِ أَوِ السُّكُوتِ هُوَ فِي حَقِّ

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٠٢، ومجلة الأحكام العدلية م (١٥٣١) .

(٢) مجلة الأحكام العدلية م (١٥٣٥)، والدسوقي ٣ / ٣١١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٠٣، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٧٥.

(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٩٧.

(٤) كشاف القناع ٣ / ٣٩٧، ٣٩٨.