الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
الصُّلْحِ عَلَى سُكْنَى دَارٍ (١) . وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَلاَّ يَكُونَ الصُّلْحُ عَلَى سُكْنَى الْعَيْنِ الْمُدَّعَى بِهَا، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِلَى الْمُدَّعِي. وَعَلَيْهِ فَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارَ سَنَةً فِيهَا. ثُمَّ يَدْفَعَهَا إِلَى الْمُدَّعِي لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْعَيْنَ وَمَنَافِعَهَا مِلْكٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَكَيْفَ يَتَعَوَّضُ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ. فَإِذَا أَسْكَنَ الْمُدَّعِي الْمُقِرُّ - الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - فَيَكُونُ هَذَا تَبَرُّعًا مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ بِمَنَافِعِهِ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الدَّارِ مَتَى شَاءَ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لِنَفْسِهِ فِي الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطَةِ، فَكَانَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فِي زَعْمِهِ، فَيَجُوزُ (٣) .
الصُّلْحُ عَنِ السُّكْنَى:
٢٨ - يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنِ السُّكْنَى عَلَى مَالٍ، أَوْ
_________
(١) التاج والإكليل ٥ / ٨١.
(٢) حاشية الشرقاوي على التحرير ٤ / ٦٦ مع الشرح المذكور، كشاف القناع ٢ / ١٩١.
(٣) البدائع ٧ / ٣٥١١.
عَلَى خِدْمَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ إِذَا كَانَا مُخْتَلِفَيِ الْجِنْسِ (١) .
وَأَمَّا الصُّلْحُ عَنِ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى فَفِيهَا خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (صُلْح) .
سُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ:
٢٩ - سُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَتْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلاَ تَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ (٢) .
لَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: أَوْصَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ، قَال: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوُفُودَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثِ (٣)، وَلِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (٤) .
_________
(١) حاشية العلامة محمد أبي السعود ٣ / ١٧٩، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٥٢٨، وكشاف القناع ٢ / ١٩٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٩، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٠١، الأم ٤ / ١٠٠، (طبع كتاب الشعب)، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٢٧.
(٣) حديث: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ". أخرجه البخاري (فتح٦٠ / ١٧٠ - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
(٤) حديث: " لا يبقين دينان في جزيرة العرب ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٨٩٢ - ط الحلبي) ومن طريق البيهقي (٩ / ٢٠٨ ط دائرة المعارف الهندية) عن عمر بن عبد العزيز مرسلا.
وَهَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْخِلاَفَ وَقَعَ فِي الْمُرَادِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا سُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ فِي غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَهِيَ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْمَذْكُورِينَ، نَظِيرُ مَا يَدْفَعُونَهُ مِنْ جِزْيَةٍ، عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:
أَوَّلًا: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
٣٠ - إِذَا أَرَادَ الذِّمِّيُّ السُّكْنَى مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ سُكْنَاهُ بِالشِّرَاءِ لِدَارٍ، أَوْ بِاسْتِئْجَارِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِذَا أَرَادَ الذِّمِّيُّ أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا فِي الْمِصْرِ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ، وَإِنِ اشْتَرَاهَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ مُسْلِمٍ، وَقِيل: لاَ يُجْبَرُ.
وَقَال السَّرَخْسِيُّ: إِنْ مَصَّرَ الإِْمَامُ فِي أَرَاضِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ - كَمَا مَصَّرَ عُمَرُ ﵁ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ - فَاشْتَرَى بِهَا أَهْل الذِّمَّةِ دُورًا وَسَكَنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّا قَبِلْنَا مِنْهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِيَقِفُوا عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ، فَعَسَى أَنْ يُؤْمِنُوا، وَاخْتِلاَطُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَالسَّكَنُ مَعَهُمْ يُحَقِّقُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَيَّدَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ جَوَازَ السُّكْنَى بِقَوْلِهِ: هَذَا إِذَا قَلُّوا وَكَانُوا بِحَيْثُ لاَ تَتَعَطَّل
جَمَاعَاتُ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَقَلَّل الْجَمَاعَةُ بِسُكْنَاهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَأَمَّا إِذَا كَثُرُوا عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ تَقْلِيلِهَا مُنِعُوا مِنَ السُّكْنَى وَأُمِرُوا أَنْ يَسْكُنُوا نَاحِيَةً لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ. قَال: وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الأَْمَالِي.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إِنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّل عَلَيْهِ التَّفْصِيل، فَلاَ نَقُول بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَلاَ بِعَدَمِهِ مُطْلَقًا، بَل يَدُورُ الْحُكْمُ عَلَى الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالضَّرَرِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَإِذَا تَكَارَى أَهْل الذِّمَّةِ دُورًا فِي الْمِصْرِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَسْكُنُوا فِيهَا جَازَ؛ لِعَوْدِ نَفْعِهِ إِلَيْنَا؛ وَلِيَرَوْا أَفْعَالَنَا فَيُسْلِمُوا. وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْكِرَاءِ وَالشِّرَاءِ، فَكُل مَا قِيل فِي الشِّرَاءِ يَأْتِي هُنَا فِي الْكِرَاءِ (١) .
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ سُكْنَى الذِّمِّيِّ أَنْ تَكُونَ حَيْثُ يَنَالُهُ حُكْمُ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يَسْكُنُ الذِّمِّيُّ حَيْثُ يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يَنْكُثَ. فَإِذَا سَكَنَ فِي أَمَاكِنَ بِحَيْثُ لاَ تَنَالُهُ أَحْكَامُنَا، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالاِنْتِقَال. فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٩، ٢١٠.
وَنَقَل الْحَطَّابُ قَوْل بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ أَهْل جِهَةٍ، وَخِفْنَا عَلَيْهِمُ الاِرْتِدَادَ إِذَا فُقِدَ الْجَيْشُ، فَإِنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِالاِنْتِقَال (١) .
بَيْعُ مَكَانِ سُكْنَى الْمُفْلِسِ لِحَقِّ غُرَمَائِهِ:
٣١ - إِذَا كَانَ لِلْمُفْلِسِ دَارٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنْ تُبَاعَ فِي دَيْنِهِ وَيُكْتَرَى لَهُ بَدَلُهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُبَاعُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ نَفِيسَةً، فَتُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِبَعْضِ ثَمَنِهَا مَسْكَنٌ، وَيُصْرَفُ الْبَاقِي إِلَى الْغُرَمَاءِ. وَانْظُرْ بَحْثَ (إِفْلاَس) ف ٤٩.
حُكْمُ بَيْعِ مَحَل السُّكْنَى لِلْحَجِّ:
٣٢ - الْحَجُّ فَرْضٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ حُرٍّ بِشَرْطِ الاِسْتِطَاعَةِ، وَهِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ مَعَ الرُّفْقَةِ الآْمِنَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَهَل يَكُونُ مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ قَادِرًا عَلَى الْحَجِّ بِأَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِثَمَنِهِ؟ .
قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْقَوْل الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ السَّكَنَ إِذَا كَانَ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ، بِأَنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْهُ لِسُكْنَاهُ أَوْ لِسُكْنَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِسْكَانُهُ، لاَ يُبَاعُ لِلْحَجِّ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، أَوْ
_________
(١) الحطاب مع التاج والإكليل ٣ / ٣٨١، ونهاية المحتاج ٨ / ٨١، ٨٥، المغني لابن قدامة ٨ / ٥٢٧.
كَانَ نَفِيسًا، وَلَوْ أَبْدَلَهُ لَوَفَّى التَّفَاوُتُ بِنَفَقَةِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بَيْعُ الْفَاضِل، أَوِ اسْتِبْدَال النَّفِيسِ بِمَسْكَنٍ يَلِيقُ بِمِثْلِهِ لِلْحَجِّ. وَالرَّأْيُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالْمُؤْنَةِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ اللاَّئِقِ الْمُسْتَغْرِقِ لِحَاجَتِهِ. وَلِهَذَا قَالُوا بِبَيْعِ الْمَسْكَنِ لِلْحَجِّ، قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَلْزَمُهُ بَيْعُ مَسْكَنِهِ لأَِجْل الْحَجِّ مُطْلَقًا (١) .
حُرْمَةُ مَحَل السُّكْنَى:
٣٣ - جَعَل اللَّهُ لِلْمَسْكَنِ حُرْمَةً، فَلاَ يَجُوزُ الدُّخُول فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ. يَقُول اللَّهُ ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) . وَيَقُول النَّبِيُّ ﷺ: مَنِ اطَّلَعَ فِي دَارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَأُوا عَيْنَهُ فَقَدْ أُهْدِرَتْ عَيْنُهُ (٣) .
_________
(١) الدر المختار شرح تنوير الأبصار بحاشية ابن عابدين ٢ / ١٩٦، والحطاب وبهامشه التاج والإكليل ٢ / ٥٠٤، ومغني المحتاج لمعرفة ألفاظ المنهاج ١ / ٤٤٩، المغني لابن قدامة ٣ / ١٧٢.
(٢) سورة النور / ٢٧.
(٣) حديث: " من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٦٦ - تحقيق عزت عبيد الدعاس) وبنحوه أخرجه مسلم (٣ / ١٦٩٩ - ط الحلبي) والنسائي (٨ / ٦١ - ط المكتبة التجارية) من حديث أبي هريرة.
وَقَال ﷺ: الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُل وَإِلاَّ فَارْجِعْ (١) . فَالسُّنَّةُ فِي الاِسْتِئْذَانِ ثَلاَثُ مَرَّاتٍ لاَ يُزَادُ عَلَيْهَا، قَال مَالِكٌ: الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ لاَ أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ عَلَيْهِ، إِلاَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ، فَلاَ أَرَى بَأْسًا أَنْ يَزِيدَ إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ.
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِئْذَان) .
حُكْمُ دُخُول مَحَل سُكْنَى الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ:
٣٤ - مَنْ دَخَل دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِدُخُول مِلْكِ غَيْرِهِ دُونَ إِذْنٍ، فَكَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مُطَالَبَتُهُ بِتَرْكِ التَّعَدِّي. كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ خَرَجَ بِالأَْمْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ إِخْرَاجُهُ وَإِزَالَةُ الْعُدْوَانِ بِغَيْرِ الْقَتْل. كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَمْكَنَ أَخْذُهُ بِغَيْرِ الْقَتْل. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِالأَْمْرِ كَانَ لَهُ دَفْعُهُ بِأَسْهَل مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُ، فَإِذَا انْدَفَعَ بِقَلِيلٍ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْعَصَا لَمْ يَكُنْ لَهُ
_________
(١) حديث: " الاستئذان ثلاث فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع ". أخرجه البخاري (فتح ١١ / ٢٦ - ٢٧ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٩٤ - ط الحلبي) والطحاوي في مشكل الآثار (١ / ٤٩٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) واللفظ له وجميعهم من حديث أبي سعيد الخدري.
ضَرْبُهُ بِالْحَدِيدِ؛ لأَِنَّ الْحَدِيدَ آلَةٌ لِلْقَتْل بِخِلاَفِ الْعَصَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إِلاَّ بِالْقَتْل أَوْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْل إِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَلَهُ دَفْعُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ، وَمَا أَتْلَفَ مِنْهُ فَهُوَ هَدَرٌ إِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الدَّاخِل كَابَرَ صَاحِبَ الدَّارِ وَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ دَفْعَهُ إِلاَّ بِذَلِكَ (١) . وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ فِي الْجُمْلَةِ.
٣٥ - وَإِذَا كَانَ الأَْصْل عَدَمَ جَوَازِ دُخُول بَيْتِ الْغَيْرِ إِلاَّ بِإِذْنٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الأَْحْوَال الْخَاصَّةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الدُّخُول بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَال الْحَنَفِيَّةُ:
أ - حَالَةُ الْغَزْوِ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مُشْرِفًا عَلَى الْعَدُوِّ فَلِلْغُزَاةِ دُخُولُهُ لِيُقَاتِلُوا الْعَدُوَّ مِنْهُ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِذْنِ صَاحِبِ الْبَيْتِ.
ب - مَنْ نَهَبَ مِنْ غَيْرِهِ ثَوْبًا، وَدَخَل النَّاهِبُ دَارَهُ جَازَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يَدْخُل دُونَ إِذْنٍ لأَِخْذِ حَقِّهِ (٢) .
ج - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ بَيْتًا يُشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرُ أَوْ يُضْرَبُ فِيهِ الطُّنْبُورُ فَلَهُ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٥١، العدوي على الخرشي ٨ / ١١٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٤، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٩، والمهذب ٢ / ٢٢٧، والمغني ٨ / ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٢) ابن عابدين ٥ / ١٢٦ - ١٢٧.
الْهُجُومُ عَلَيْهِ وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ وَلَوْ بِالْقِتَال، وَهَذَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ (١) .
حُكْمُ النَّظَرِ فِي مَحَل سُكْنَى الْغَيْرِ دُونَ إِذْنٍ:
٣٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - دُونَ إِذْنٍ - مِنْ ثَقْبٍ أَوْ كُوَّةٍ فَرَمَاهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ بِحَصَاةٍ أَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ فَقَلَعَ عَيْنَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا. وَكَذَا لَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ، فَسَرَى الْجُرْحُ فَمَاتَ فَهَدَرٌ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَرْفُوعِ: لَوِ اطَّلَعَ أَحَدٌ فِي بَيْتِكَ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ (٢) .
وَعَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ مِنْ بَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَحُكُّ رَأْسَهُ بِمِدْرَى فِي يَدِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ (٣) وَإِنْ تَرَكَ النَّاظِرُ الاِطِّلاَعَ وَانْصَرَفَ لَمْ
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٢٤.
(٢) حديث: " لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له حذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ". أخرجه البخاري (فتح١٢ / ٢١٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٩٩ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة
(٣) حديث: " لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينيك ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٤٣ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٩٨ - ط الحلبي) واللفظ لهما من حديث سهل بن سعد الساعدي.
يَجُزْ رَمْيُهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَطْعَنِ الَّذِي اطَّلَعَ ثُمَّ انْصَرَفَ؛ لأَِنَّهُ تَرَكَ الْجِنَايَةَ.
وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً. فَإِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُهُ أَوْ حَدِيدَةٍ ثَقِيلَةٍ ضَمِنَهُ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا لَهُ مَا يَقْلَعُ بِهِ الْعَيْنَ الْمُبْصِرَةَ الَّتِي حَصَل الأَْذَى مِنْهَا، دُونَ مَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعِ الْمُطَّلِعُ بِرَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ جَازَ رَمْيُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَعَلَى صَاحِبِ الدَّارِ ابْتِدَاءً أَنْ يَدْفَعَهُ بِأَسْهَل مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، بِأَنْ يَقُول لَهُ انْصَرِفْ، أَوْ يُخَوِّفَهُ أَوْ يَصِيحَ عَلَيْهِ صَيْحَةً مُزْعِجَةً. فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ أَشَارَ إِلَيْهِ يُوهِمُهُ أَنَّهُ يَحْذِفُهُ. فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ فَلَهُ حَذْفُهُ حِينَئِذٍ.
وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ فِي هَذَا أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إِلاَّ بِذَلِكَ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلاَ يَجُوزُ رَمْيُ مَنْ نَظَرَ مِنَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ؛ لأَِنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ بِفَتْحِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْبَابَ الْمَفْتُوحَ كَالْكُوَّةِ، وَالْكُوَّةُ الْكَبِيرَةُ كَالْبَابِ الْمَفْتُوحِ، وَفِي مَعْنَاهَا الشُّبَّاكُ الْوَاسِعُ، فَلاَ يَجُوزُ رَمْيُهُ مِنْهُ؛ لِتَقْصِيرِ صَاحِبِ الدَّارِ إِلاَّ أَنْ يُنْذِرَهُ فَيَرْمِيَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.