الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

وَلَوْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا خَمْرٌ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الآْنِيَةِ بِدُونِ الْخَمْرِ تَبْلُغُ النِّصَابَ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ كُتُبًا غَيْرَ مُحْتَرَمَةٍ شَرْعًا، كَكُتُبِ السِّحْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْوَرَقِ وَالْجِلْدِ تَبْلُغُ نِصَابًا.

وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالًا مُحْتَرَمًا شَرْعًا، سَوَاءٌ أَكَانَ تَافِهًا أَمْ ثَمِينًا، يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ أَوْ لاَ، مُبَاحَ الأَْصْل أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ. كَمَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ سَرَقَ الْمُصْحَفَ أَوِ الْكُتُبَ النَّافِعَةَ، مَا دَامَتْ قِيمَتُهَا تَبْلُغُ النِّصَابَ (١) .

وَلاَ يَرَى الْمَالِكِيَّةُ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فِي شَجَرِهِ، أَوْ مِنَ الزَّرْعِ قَبْل حَصْدِهِ، فَإِذَا قُطِعَ الثَّمَرُ وَحُصِدَ الزَّرْعُ وَلَمْ يَصِل إِلَى الْجَرِينِ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: الْقَطْعُ سَوَاءٌ ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ أَمْ لاَ.

الثَّانِي: لاَ يُقْطَعُ مُطْلَقًا.

الثَّالِثُ: إِذَا سُرِقَ قَبْل ضَمِّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ لاَ يُقْطَعُ فَإِذَا ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ قُطِعَ.

وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَارِسٌ وَإِلاَّ فَلاَ خِلاَفَ فِي قَطْعِ سَارِقِهِ وَكَذَا إِذَا وَصَل إِلَى

_________

(١) المدونة الكبرى ١٦ / ٧٧، ٧٨، الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٣٣٦، الخرشي على خليل ٨ / ٩٦، شرح الزرقاني ٨ / ٩٧.

الْجَرِينِ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ، فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ قُطِعَ (١) . وَإِذَا كَانَتِ الثِّمَارُ مُعَلَّقَةً فِي أَشْجَارِهَا، وَالزَّرْعُ لَمْ يُحْصَدْ، وَلَكِنَّهُ فِي بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَلَهُ غَلْقٌ، أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْهُ نِصَابًا - فِي رَأْيٍ - وَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي رَأْيٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْشْجَارُ الْمُثْمِرَةُ دَاخِل الدَّارِ، فَلاَ خِلاَفَ عِنْدَهُمْ فِي قَطْعِ مَنْ يَسْرِقُ مِنْهَا مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، لِتَمَامِ الْحِرْزِ (٢) .

ج - الشَّافِعِيَّةُ:

٣٠ - يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ، لإِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا شَرْعًا. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْحُرَّ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. فَأَمَّا إِنْ سَرَقَ صَغِيرًا لاَ يُمَيِّزُ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَعْجَمِيًّا أَوْ أَعْمَى، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ أَوْ حِلْيَةٌ أَوْ مَعَهُ مَالٌ يَلِيقُ بِمِثْلِهِ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ - فِي الأَْصَحِّ - لأَِنَّ

_________

(١) حديث: " لا قطع في ثمر ولا كثر ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٦٣ - ط الميمنية) وأبو داود (٤ / ٥٥٠ - ط عزت عبيد الدعاس) من حديث رافع بن خديج (وقال ابن حجر: وقال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول) . كذا في التلخيص الحبير (٤ / ٦٥ - ط شركة الطباعة الفنية) . ونيل الأوطار ٢ / ١٤٣، وانظر: شرح الزرقاني ٨ / ١٠٥. والكثر: بفتحتين: جُمّار النخل وهو شحمه الذي وسط النخلة (النهاية لابن الأثير ٤ / ١٥٢) .

(٢) بداية المجتهد ٢ / ٣٧٦، شرح الزرقاني ٨ / ١٠٥، الدسوقي ٤ / ١٤٤.

لِلْحُرِّ يَدًا عَلَى مَا مَعَهُ فَصَارَ كَمَنْ سَرَقَ جَمَلًا وَصَاحِبُهُ رَاكِبُهُ، وَالرَّأْيُ الآْخَرُ فِي الْمَذْهَبِ يَرَى إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِنْ بَلَغَ مَا مَعَهُ نِصَابًا؛ لأَِنَّهُ سَرَقَ لأَِجْل مَا مَعَهُ. فَإِنْ كَانَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ حِلْيَةٍ فَوْقَ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَأَخَذَ السَّارِقُ مِنْهُ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِلاَ خِلاَفٍ.

وَلاِشْتِرَاطِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمَسْرُوقُ مُحْتَرَمًا شَرْعًا، لاَ يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْخَمْرَ أَوِ الْخِنْزِيرَ أَوِ الْكَلْبَ أَوْ جِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْل دَبْغِهِ. فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ آلاَتِ اللَّهْوِ أَوْ أَدَوَاتِ الْقِمَارِ أَوْ آنِيَةِ. الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَوِ الصَّنَمَ أَوِ الصَّلِيبَ أَوِ الْكُتُبَ غَيْرَ الْمُحْتَرَمَةِ شَرْعًا، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِلاَّ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ مَا سَرَقَهُ نِصَابًا بَعْدَ كَسْرِهِ أَوْ إِفْسَادِهِ (١) .

وَيُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْمُصْحَفَ أَوِ الْكُتُبَ الْمُبَاحَةَ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا وَيُقَامُ الْحَدُّ أَيْضًا إِذَا سَرَقَ مَالًا قَطَعَ فِيهِ، وَكَانَ مُتَّصِلًا بِمَا فِيهِ الْقَطْعُ، كَإِنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ أَوْ آلَةِ لَهْوٍ عَلَيْهَا حِلْيَةٌ، مَا دَامَتْ قِيمَةُ مَا فِيهِ الْقَطْعُ تَبْلُغُ النِّصَابَ.

وَلاَ حَدَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي سَرِقَةِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فِي

_________

(١) القليوبي وعميرة ٤ / ١٩٥، مغني المحتاج ٤ / ١٧٣، أسنى المطالب ٤ / ١٣٩، نهاية المحتاج ٧ / ٤٢١.

شَجَرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَارِسٌ، وَلَمْ يَتَّصِل بِجِيرَانٍ يُلاَحِظُونَهُ، فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْهُ نِصَابًا.

وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ نِصَابًا مُحْرَزًا مِنْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ شَرْعًا، لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِفَةِ الْمَال، فَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ التَّافِهِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ أَوْ لاَ، وَلاَ بَيْنَ مُبَاحِ الأَْصْل أَوْ غَيْرِ مُبَاحِهِ (١) .

د - الْحَنَابِلَةُ:

٣١ - يَشْتَرِطُ الْحَنَابِلَةُ، لإِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا شَرْعًا، وَعَلَى ذَلِكَ: فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى سَارِقِ الْحُرِّ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ أَوْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ أَوْ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ النِّصَابَ، فَعِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ: الأُْولَى: إِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ لأَِنَّهُ قَصَدَ الْمَال، وَالأُْخْرَى: عَدَمُ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَا مَعَهُ تَابِعٌ لِمَا لاَ قَطْعَ فِيهِ.

وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ شَيْئًا مُحَرَّمًا، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا، وَلاَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ آلاَتِ اللَّهْوِ أَوْ أَدَوَاتِ الْقِمَارِ وَإِنْ بَلَغَتْ بَعْدَ إِتْلاَفِهَا نِصَابًا؛ لأَِنَّهَا تُعِينُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَكَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي أَخْذِهَا

_________

(١) أسنى المطالب ٤ / ١٣٩، ١٤١، نهاية المحتاج ٧ / ٤٢١، مغني المحتاج ٤ / ١٧٣، المهذب ٢ / ٢٧٨.

وَكَسْرِهَا، وَفِي ذَلِكَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهَا حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا فَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ بِسَرِقَتِهَا رِوَايَتَانِ. وَإِذَا سَرَقَ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى يُقَامُ الْحَدُّ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا بَعْدَ كَسْرِهِ. وَمَنْ يَسْرِقُ آنِيَةَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا بَعْدَ كَسْرِهَا. وَإِذَا اتَّصَل مَا لاَ قَطْعَ فِيهِ بِمَا فِيهِ الْقَطْعُ، كَإِنَاءٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ النِّصَابَ وَفِيهِ خَمْرٌ، فَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَتَانِ، الأُْولَى: لاَ قَطْعَ لِتَبَعِيَّتِهِ، وَالأُْخْرَى: وُجُوبُ إِقَامَةِ الْحَدِّ (١) .

وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يُوجِبُونَ إِقَامَةَ الْحَدِّ فِي سَرِقَةِ الْمُصْحَفِ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِمَّا لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَالْمُصْحَفُ الْمُحَلَّى بِحِلْيَةٍ تَبْلُغُ نِصَابًا فِيهِ الْخِلاَفُ السَّابِقُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ قَطْعَ؛ لاِتِّصَال الْحِلْيَةِ بِمَا لاَ قَطْعَ فِيهِ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ سَرَقَ الْحِلْيَةَ وَحْدَهَا. وَلاَ خِلاَفَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا (٢) .

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٦٤، المغني ١٠ / ٢٤٥، ٢٨٣، ٢٨٤، كشاف القناع ٦ / ٧٨، ١٣٠.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٦٤، المغني ١٠ / ٢٤٩، كشاف القناع ٦ / ١٠٦.

وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى سَرِقَةِ الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ أَوِ الْكَثَرِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بُسْتَانٍ مُحَاطٍ بِسُوَرٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ فِي كَثَرٍ (١) . فَأَمَّا إِذَا كَانَ النَّخْل أَوِ الشَّجَرُ دَاخِل دَارٍ مُحْرَزَةٍ، فَفِيمَا يُسْرَقُ الْقَطْعُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا (٢) .

وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِفَةِ الْمَال مِنْ كَوْنِهِ تَافِهًا أَوْ لاَ، مُبَاحَ الأَْصْل أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ، مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ أَوْ لَيْسَ مُعَرَّضًا. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ الْمَاءَ وَالْمِلْحَ وَالْكَلأَ وَالثَّلْجَ وَالسِّرْجِينَ، فَلاَ قَطْعَ فِي سَرِقَتِهَا؛ لاِشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي بَعْضِهَا بِنَصِّ الْحَدِيثِ (٣)، وَلِعَدَمِ تَمَوُّل الْبَعْضِ الآْخَرِ عَادَةً (٤) .

٢ - أَنْ يَبْلُغَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا.

٣٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ إِلاَّ إِذَا بَلَغَ الْمَال الْمَسْرُوقُ نِصَابًا (٥) .

وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ مِقْدَارِ النِّصَابِ،

_________

(١) حديث: " لا قطع في ثمر ولا في كثر ". تقدم تخريجه ف ٢٩.

(٢) المغني ١٠ / ٢٦٢، ٢٦٣.

(٣) الحديث: " المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٥١ - تحقيق عزت عبيد الدعاس) عن رجل من المهاجرين. وصحح إسناده الأرناؤوط جامع الأصول (١ / ٤٨٦ - ط الملاح) .

(٤) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٦٤، المغني ١٠ / ٢٤٧.

(٥) ذهب بعض الفقهاء - ومنهم الحسن البصري - إلى عدم اشتراط النصاب لإقامة حد السرقة، فيقطع عندهم في القليل والكثير؛ لإطلاق قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، ولقوله ﷺ: " لعن الله السارق. يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل (الفتح ١٢ / ٨١ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٧، والمغني ١٠ / ٤١.

وَفِي وَقْتِ هَذَا التَّحْدِيدِ، وَفِي أَثَرِ اخْتِلاَفِ الْمُقَوِّمِينَ لِمَا يُسْرَقُ، وَفِي وُجُوبِ عِلْمِ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَال الْمَسْرُوقِ.

أ - الْحَنَفِيَّةُ:

١ - تَحْدِيدُ مِقْدَارِ النِّصَابِ:

٣٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ هُوَ عَشْرَةُ دَارَهُمْ مَضْرُوبَةً، أَوْ مَا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ (١) . وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تُقْطَعُ الْيَدُ إِلاَّ فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (٢) . وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا: ﴿

_________

(١) الدينار: نقد من الذهب، كان وزنه في الدولة الإسلامية يعادل ٤. ٢٥ جرامًا. والدرهم: نقد من الفضة، كان وزنه في الدولة الإسلامية يعادل ٢. ٩٧٥ جرامًا.

(٢) حديث: " لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم ". أخرجه عبد الرزاق (١٠ / ٢٣٣ ط المجلس العلمي) وهو موقوف على ابن مسعود وفيه انقطاع. نصب الراية للزيلعي (٣ / ٣٦٠ - ط المجلس العلمي) .

لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ (١) .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِأَرْبَعَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِخَمْسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِعَشْرَةٍ (٢) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الأَْخْذَ بِالأَْكْثَرِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ فِي الأَْقَل احْتِمَالًا يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ (٣) .

٢ - وَقْتُ تَحْدِيدِ النِّصَابِ:

الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ أَقَل مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ زَادَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلاَ عِبْرَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ. أَمَّا إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ نَقَصَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ بَعْدَ الإِْخْرَاجِ وَقَبْل الْحُكْمِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ

_________

(١) حديث: " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٩٣ - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو. وصححه الزيلعي (نصب الراية ٣ / ٣٥٩ - ط المجلس العلمي) .

(٢) فتح الباري ١٢ / ٨٨، ونيل الأوطار ٧ / ٢٩٨.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٧٧ - ٧٨، فتح القدير ٤ / ٢٢٠، الدر المختار ٣ / ١٩٩، المبسوط ٩ / ١٣٧ - ١٣٨، الفتاوى الهندية ٢ / ١٧٠.

تَفْصِيلٌ: إِنْ كَانَ النُّقْصَانُ فِي عَيْنِ الْمَسْرُوقِ بِأَنْ هَلَكَ بَعْضُهُ فِي يَدِ السَّارِقِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَلاَ عِبْرَةَ بِهَذَا النَّقْصِ؛ لأَِنَّ هَلاَكَ الْكُل لاَ يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَهَلاَكُ الْبَعْضِ أَوْلَى بِأَلاَّ يَمْنَعَ مِنْ إِقَامَتِهِ، وَلِذَلِكَ تُطَبَّقُ قَاعِدَةُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ. أَمَّا إِنْ كَانَ سَبَبُ نُقْصَانِ الْقِيمَةِ يَرْجِعُ إِلَى تَغَيُّرِ سِعْرِهِ، فَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَتَانِ: رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَجَّحَهَا الطَّحَاوِيُّ، أَنَّ الاِعْتِبَارَ لَقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَتُطَبَّقُ الْقَاعِدَةُ السَّابِقَةُ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ: أَنَّ الاِعْتِبَارَ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، وَقْتَ الإِْخْرَاجِ مِنَ الْحِرْزِ وَوَقْتَ الْحُكْمِ مَعًا، فَإِذَا تَغَيَّرَتِ الأَْسْعَارُ، بِأَنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ قَبْل الْحُكْمِ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ لاَ دَخْل لِلسَّارِقِ فِي ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ النَّقْصَ عِنْدَ الْحُكْمِ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ.

وَإِذَا وَقَعَتِ السَّرِقَةُ فِي مَكَانٍ، وَضُبِطَ الْمَسْرُوقُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، كَانَتِ الْعِبْرَةُ - فِي رَأْيٍ - بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ فِي مَحَل السَّرِقَةِ، وَفِي رَأْيٍ آخَرَ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي مَحَل ضَبْطِهِ (١) .

٣ - اخْتِلاَفُ الْمُقَوِّمِينَ فِي تَحْدِيدِ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ فِي

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧٩.

تَحْدِيدِ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَقَدَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدَّرَهَا الْبَعْضُ الآْخَرُ بِأَقَل مِنْ عَشْرَةٍ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ تَكُونُ بِالأَْقَل؛ لأَِنَّ هَذَا الاِخْتِلاَفَ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ هَمَّ بِقَطْعِ يَدِ سَارِقٍ، فَقَال لَهُ عُثْمَانُ ﵁: إِنَّ مَا سَرَقَهُ لاَ يُسَاوِي نِصَابًا، فَدَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ (١) .

٤ - عِلْمُ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ:

ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى الاِكْتِفَاءِ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، مَا دَامَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ تَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ حَتَّى وَلَوْ كَانَ السَّارِقُ يَعْتَقِدُ أَنَّ قِيمَتَهُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ سَرَقَ ثَوْبًا لاَ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ النِّصَابَ، فَوَجَدَ فِي جَيْبِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ.

وَذَهَبَ الْبَعْضُ الآْخَرُ إِلَى اشْتِرَاطِ عِلْمِ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، بِأَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي جَيْبِ الثَّوْبِ نِصَابًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ سَرِقَةَ الثَّوْبِ وَحْدَهُ وَهُوَ لاَ يَبْلُغُ النِّصَابَ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ سَرَقَ جِرَابًا أَوْ صُنْدُوقًا، وَكَانَ بِهِ مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ، فَلاَ خِلاَفَ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ الْمَظْرُوفَ لاَ الظَّرْفَ (٢) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧٧ - ٧٩.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٧٩ - ٨٠.