الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى وُجُوبِ التَّزْكِيَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلاَ يَصِحُّ الْحُكْمُ - عِنْدَهُمْ - بِدُونِهَا؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَنْبَنِي عَلَى الْحُجَّةِ، وَلاَ تَقَعُ الْحُجَّةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ الْعُدُول.

وَالتَّزْكِيَةُ نَوْعَانِ: تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ.

وَسَبَبُ التَّزْكِيَةِ سِرًّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشُّهُودُ غَيْرَ عُدُولٍ فَيُمْكِنُ أَنْ لاَ يَقْدِرَ الْمُزَكِّي عَلَى الْجُرْحِ عَلَنًا لِبَعْضِ أَسْبَابٍ، كَخَوْفِ الْمُزَكِّي عَلَى نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ كَانَتِ التَّزْكِيَةُ السِّرِّيَّةُ حَتَّى يَكُونَ الْمُزَكِّي قَادِرًا عَلَى الْجُرْحِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل فِي حُكْمِ التَّزْكِيَةِ، وَأَقْسَامِهَا، وَوَقْتِ سُقُوطِهَا، وَشُرُوطِ مَنْ تُقْبَل تَزْكِيَتُهُ، وَعَدَدُ مَنْ يُقْبَل فِيهَا (ر: تَزْكِيَةٌ، شَهَادَةٌ) .

_________

(١) درر الحكام ٤ / ٣٩١، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٧٠، والشرح الصغير ٤ / ٢٥٩ - ٢٦٠، والقليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٦، والمغني ٩ / ٦٤.

سُرَرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - السُّرَرُ لُغَةً: اللَّيْلَةُ الَّتِي يُسْتَسَرُّ فِيهَا الْقَمَرُ، وَيُقَال فِيهَا أَيْضًا السُّرَرُ، وَالسِّرَارُ، وَالسَّرَارُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَسَرَّ الْقَمَرُ، أَيْ خَفِيَ لَيْلَةَ السِّرَارِ، فَرُبَّمَا كَانَ لَيْلَتَيْنِ.

وَأَصْل السُّرَرِ الْخَفَاءُ فَنَقُول: أُسِرُّ الْحَدِيثَ إِسْرَارًا إِذَا أَخْفَيْتُهُ أَوْ نَسَبْتُهُ إِلَى السِّرِّ، وَأَسْرَرْتُهُ أَيْضًا أَظْهَرْتُهُ فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ (١) .

أَمَّا مَعْنَاهُ اصْطِلاَحًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُرَادُ مِنَ السُّرَرِ، هَل هُوَ آخِرُ الشَّهْرِ، أَمْ أَوَّلُهُ، أَمْ أَوْسَطُهُ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْل اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْغَرِيبِ: إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السُّرَرِ هُوَ آخِرُ الشَّهْرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لاِسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ السُّرَرَ الْوَسَطُ، فَسَرَارَةُ الْوَادِي وَسَطُهُ وَخِيَارُهُ، وَسِرَارُ الأَْرْضِ

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير، أساس البلاغة ص ٢٩٣.

أَكْرَمُهَا وَأَوْسَطُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ، وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْل النَّوَوِيُّ (١) .

وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَنَّ السُّرَرَ أَوَّل الشَّهْرِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أَيَّامُ الْبِيضِ:

٢ - أَيَّامُ الْبِيضِ: هِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُل شَهْرٍ، وَأَصْلُهَا أَيَّامُ اللَّيَالِيَ الْبِيضِ. وَهِيَ لَيْلَةُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَلَيْلَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ اللَّيَالِي بِالْبِيضِ لاِسْتِنَارَةِ جَمِيعِهَا بِالْقَمَرِ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَى السُّرَرِ اصْطِلاَحًا يَقْتَضِي بَيَانَ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلسُّرَرِ بِشَتَّى الْمَعَانِي:

٣ - صِيَامُ أَوَّل الشَّهْرِ: ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَوَّل مَطْلَعِ كُل شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ

_________

(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٤ / ٢٣٠ - ٢٣١، عمدة القاري للعيني ١١ / ١٠١.

(٢) المصباح المنير (بيض) .

كَانَ ﷺ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُل شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ (١) . (ر: مُصْطَلَحُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) .

٤ - صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ: وَهُوَ يَوْمُ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَرَدَّدَ النَّاسُ فِي كَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ، لِلْفُقَهَاءِ عِبَارَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي تَحْدِيدِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَإِبَاحَةِ صَوْمِهِ إِنْ صَادَفَ عَادَةً لِلْمُسْلِمِ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ كَيَوْمِ الاِثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ (٢) . وَلِقَوْل عَمَّارٍ ﵁: (مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ) (ر: التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ.

صِيَامُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ صِيَامِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَمَا بَعْدَهُ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: يَا فُلاَنُ أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَال الرَّجُل: لاَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ (٣)،

_________

(١) حديث ابن مسعود: " كان ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام ". أخرجه الترمذي (٣ / ١٠٩ - ط الحلبي)، وقال: حديث حسن غريب.

(٢) حديث: " لا تقدموا رمضان بصوم يوم. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٢٨ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٧٦٢ - ط الحلبي) لمسلم.

(٣) حديث: " يا فلان أما صمت سرر هذا الشهر ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٣٠ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨١٨ - ط الحلبي) والسياق للبخاري.

وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ فَسَّرَ السُّرَرَ بِالْوَسَطِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهِيَةِ صِيَامِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلاَ تَصُومُوا (١) وَحَرَّمَهُ الشَّافِعِيَّةُ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ النِّصْفِ؛ وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا أَضْعَفَ الصَّائِمَ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ النَّهْيُ، وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِالصِّيَامِ إِلاَّ إِذَا كَانَ صَوْمًا يَصُومُهُ، بِأَنَّ الْحَدِيثَ الأَْوَّل مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ، وَالثَّانِي مَخْصُوصٌ بِمَنْ يَحْتَاطُ بِزَعْمِهِ لِرَمَضَانَ، وَحَسَّنَ الْجَمْعَ ابْنُ حَجَرٍ (٢) .

ر: التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (صَوْمٍ)، (وَصَوْمِ التَّطَوُّعِ) .

سَرَفٌ

انْظُرْ: إِسْرَافٌ.

_________

(١) حديث: " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ". أخرجه أبو داود (٢ / ٧٥١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأخرجه الترمذي (٣ / ١٠٦ - ط الحلبي) بلفظ: " إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا ". وقال: حديث حسن صحيح.

(٢) كتاب الفروع ٣ / ١١٨، حلية العلماء ٣ / ٢١٣، فتح الباري ٤ / ٢٣٠ - ٢٣١، بدائع الصنائع ٢ / ٩٧٩.

سَرِقَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - فِي اللُّغَةِ: السَّرِقَةُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنَ الْغَيْرِ خُفْيَةً. يُقَال: سَرَقَ مِنْهُ مَالًا، وَسَرَقَهُ مَالًا يَسْرِقُهُ سَرَقًا وَسَرِقَةً: أَخَذَ مَالَهُ خُفْيَةً، فَهُوَ سَارِقٌ. وَيُقَال: سَرَقَ أَوِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ وَالنَّظَرَ: سَمِعَ أَوْ نَظَرَ مُسْتَخْفِيًا (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ أَخْذُ الْعَاقِل الْبَالِغِ نِصَابًا مُحْرَزًا، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، مِلْكًا لِلْغَيْرِ، لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ.

وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَخْذُ مُكَلَّفٍ طِفْلًا حُرًّا لاَ يَعْقِل لِصِغَرِهِ (٢) .

_________

(١) تهذيب الأسماء واللغات ولسان العرب ومختار الصحاح والمصباح المنير والمعجم الوسيط.

(٢) الاختيار لتعليل المختار ٤ / ١٠٢، وفتح القدير ٤ / ٢١٩، والفتاوى الهندية ٢ / ١٧٠. وانظر لابن نجيم تعريفًا مفصلًا في البحر الرائق ٥ / ٥٥، وشرح الخرشي ٨ / ٩١، وبداية المجتهد ٢ / ٣٧٢، والمهذب للشيرازي ٢ / ٢٧٧، وقريب منه: نهاية المحتاج ٧ / ٤٣٩، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٨٦، والإقناع ٤ / ٢٧٤، وكشاف القناع ٦ / ١٢٩.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِخْتِلاَسُ:

٢ - يُقَال خَلَسَ الشَّيْءَ أَوِ اخْتَلَسَهُ، أَيْ: اسْتَلَبَهُ فِي نُهْزَةٍ وَمُخَاتَلَةٍ (١) .

وَالْمُخْتَلِسُ: هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَال جَهْرَةً مُعْتَمِدًا عَلَى السُّرْعَةِ فِي الْهَرَبِ (٢) .

فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالاِخْتِلاَسِ: أَنَّ الأُْولَى عِمَادُهَا الْخُفْيَةُ، وَالاِخْتِلاَسُ يَعْتَمِدُ الْمُجَاهَرَةَ.

وَلِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (٣) .

انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اخْتِلاَسٍ) .

ب - جَحْدُ الأَْمَانَةِ، أَوْ خِيَانَتُهَا:

٣ - الْجَحْدُ أَوِ الْجُحُودُ: الإِْنْكَارُ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى عِلْمٍ مِنَ الْجَاحِدِ بِهِ (٤) . وَالْجَاحِدُ أَوِ الْخَائِنُ: هُوَ الَّذِي يُؤْتَمَنُ عَلَى شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ أَوِ الْوَدِيعَةِ فَيَأْخُذُهُ وَيَدَّعِي ضَيَاعَهُ، أَوْ يُنْكِرُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ يَرْجِعُ إِلَى قُصُورٍ

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط.

(٢) المبسوط ٩ / ١٦٠، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٦، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٤٦، والمغني ١٠ / ٢٣٩.

(٣) حديث: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٥٢ - تحقيق عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٤ / ٥٢ - ط الحلبي) من حديث جابر. وقال: حديث حسن صحيح.

(٤) لسان العرب (جحد)، المصباح المنير.

فِي الْحِرْزِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِنْكَارٍ) .

ج - الْحِرَابَةُ:

٤ - الْحِرَابَةُ: الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ لإِرْعَابٍ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ، وَتُسَمَّى قَطْعَ الطَّرِيقِ، وَالسَّرِقَةَ الْكُبْرَى (٢) .

وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّرِقَةِ بِأَنَّ الْحِرَابَةَ هِيَ الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ إِرْعَابٍ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الشَّوْكَةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ، أَمَّا السَّرِقَةُ فَهِيَ أَخْذُ الْمَال خُفْيَةً. فَالْحِرَابَةُ تَكْتَمِل بِالْخُرُوجِ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ مَالٌ، أَمَّا السَّرِقَةُ فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ أَخْذِ الْمَال عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ (٣) .

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حِرَابَةٍ) .

د - الْغَصْبُ:

٥ - الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا مُجَاهَرَةً.

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٣٧٣، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٦، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٣٦، وكشاف القناع ٦ / ١٠٤، ١٠٥.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٩٠، روض الطالب ٤ / ١٥٤، الإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع ٢ / ٢٣٨، والمغني ٨ / ٢٨٧.

(٣) نهاية المحتاج ٨ / ٢ وما بعدها، وشرح فتح القدير ٤ / ٢٦٨.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ: أَنَّ الأَْوَّل يَتَحَقَّقُ بِالْمُجَاهَرَةِ، فِي حِينِ يُشْتَرَطُ فِي السَّرِقَةِ أَنْ يَكُونَ الأَْخْذُ سِرًّا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ (١) .

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (غَصْبٍ) .

هـ - النَّبْشُ:

٦ - يُقَال: نَبَشْتُهُ نَبْشًا، أَيِ اسْتَخْرَجْتُهُ مِنَ الأَْرْضِ، وَنَبَشْتُ الأَْرْضَ: كَشَفْتُهَا. وَمِنْهُ: نَبَشَ الرَّجُل الْقَبْرَ (٢) .

وَالنَّبَّاشُ: هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى بَعْدَ دَفْنِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ (٣) .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ وَفِي اعْتِبَارِهِ سَارِقًا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ) مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى اعْتِبَارِ النَّبَّاشِ سَارِقًا؛ لاِنْطِبَاقِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ نَبَشَ قَطَّعْنَاهُ (٤) .

_________

(١) كفاية الأخيار ١ / ١٨٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٤٢.

(٢) المصباح المنير.

(٣) البحر الرائق ٥ / ٦٠.

(٤) حديث: " من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه ". أخرجه البيهقي (٨ / ٤٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) عن البراء. وقال ابن حجر: " وفي الإسناد بعض من يجهل " كذا في التلخيص الحبير (٤ / ١٩ - ط شركة الطباعة الفنية) .

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ النَّبَّاشِ سَارِقًا لأَِنَّهُ يَأْخُذُ مَا لاَ مَالِكَ لَهُ وَلَيْسَ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَاشْتِرَاطُ الْخُفْيَةِ وَالْحِرْزِ لاَ يَجْعَل هَذَا النَّوْعَ مِنَ الأَْخْذِ سَرِقَةً (١) .

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَبْشٍ) .

- وَالنَّشْل:

٧ - نَشَل الشَّيْءَ نَشْلًا: أَسْرَعَ نَزْعَهُ. يُقَال: نَشَل اللَّحْمَ مِنَ الْقِدْرِ، وَنَشَل الْخَاتَمَ مِنَ الْيَدِ. وَالنَّشَّال: الْمُخْتَلِسُ الْخَفِيفُ الْيَدِ مِنَ اللُّصُوصِ، يَشُقُّ ثَوْبَ الرَّجُل وَيَسُل مَا فِيهِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ. وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالطَّرَّارِ، مِنْ طَرَرْتُهُ طَرًّا: إِذَا شَقَقْتُهُ (٢) .

وَلاَ يَخْتَلِفُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَالطَّرَّارُ أَوِ النَّشَّال هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ النَّاسَ فِي يَقَظَتِهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَهَارَةِ وَخِفَّةِ الْيَدِ (٣) .

فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّشْل أَوِ الطَّرِّ بَيْنَ السَّرِقَةِ يَتَمَثَّل فِي تَمَامِ الْحِرْزِ. وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَطْبِيقِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَى النَّشَّال فَجُمْهُورُهُمْ يُسَوِّي بَيْنَ السَّارِقِ وَالطَّرَّارِ سَوَاءٌ شَقَّ الْكُمَّ أَوِ الْقَمِيصَ

_________

(١) المبسوط ٩ / ١٥٦ - ١٦٠، وفتح القدير ٥ / ٣٧٤ - ٣٧٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٤٠، وتكملة المجموع ١٨ / ٣٢١، وكشاف القناع ٦ / ١٣٨ - ١٣٩.

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٣) طلبة الطلبة ص ٧٨، وشرح فتح القدير ٥ / ٣٩٠.