الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِئَلاَّ يَسُبُّوا اللَّهَ تَعَالَى، وَكَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ بِتَحْرِيمِ الْوَسِيلَةِ الْمُبَاحَةِ إِنْ كَانَتْ تُفْضِي إِلَى الْمَفْسَدَةِ لاَ عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ أَوِ الْغَلَبَةِ.

وَفِيمَا يَلِي فُرُوعٌ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا الأَْصْل.

٨ - أ - بُيُوعُ الآْجَال: وَهِيَ بُيُوعٌ ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْهَا مَالِكٌ مَا كَثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لَهُ تَوَصُّلًا لِلرِّبَا الْمَمْنُوعِ فَيُمْنَعُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ الْعَاقِدُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، فَإِنْ قَل قَصْدُ النَّاسِ لَهُ لَمْ يُمْنَعْ. فَمِمَّا يُمْنَعُ مِنْهَا الْبَيْعُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى سَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ إِلَى سَنَةٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا، فَآل أَمْرُهُ لِدَفْعِ خَمْسَةٍ نَقْدًا يَأْخُذُ عَنْهَا بَعْدَ الأَْجَل عَشْرَةً (١) .

٩ - ب - وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ تَأْجِيل الصَّدَاقِ: فَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَأْجِيل الصَّدَاقِ وَلَوْ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ كَسَنَةٍ مَثَلًا إِنْ كَانَ الْمُؤَجَّل الصَّدَاقَ كُلَّهُ، لِئَلاَّ يَتَذَرَّعَ النَّاسُ إِلَى النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَيُظْهِرُوا أَنَّ هُنَاكَ صَدَاقًا مُؤَجَّلًا (٢) .

١٠ - ج - إِذَا اشْتَرَى ثَمَرًا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ جَازَ إِنْ شَرَطَا الْقَطْعَ فِي الْحَال، فَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ ثُمَّ تُرِكَ عَلَى الشَّجَرِ حَتَّى بَدَا صَلاَحُهُ، فَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِتَرْكِهِ حَال الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ، أَمَّا إِنْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِذَلِكَ حِينَ الْعَقْدِ فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَبْطُل أَيْضًا؛ لأَِنَّ تَصْحِيحَ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٧٦، والمقدمات لابن رشد ٢ / ٢٠٠ - ٢٠٢. وقد ذكر تفصيلًا موسعًا للمالكية في بيوع الآجال وأحكامها التي بنوها على قاعدة سد الذرائع. وانظر بداية المجتهد ٢ / ١٢٧ نشر المكتبة التجارية.

(٢) الشرح الكبير ٢ / ٣٠٩.

قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا ثُمَّ تُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، فَيَكُونَ ذَرِيعَةً إِلَى الْحَرَامِ، فَيَكُونَ حَرَامًا.

وَلاَ يَبْطُل الْبَيْعُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ (١) .

١١ - د - صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ وَالسِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ:

جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَقْلًا عَنْ تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ:

يُكْرَهُ الصَّوْمُ قَبْل رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ (٢) قَال: وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِئَلاَّ يُظَنُّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا اعْتَادُوا ذَلِكَ، وَعَنْ هَذَا قَال أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ وَصْل رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ. قَال: وَلاَ يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٨٥.

(٢) حديث: " لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٧٦٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

تَطَوُّعًا إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِ الْعَوَامُّ لِئَلاَّ يَعْتَادُوا صَوْمَهُ فَيَظُنُّهُ الْجُهَّال زِيَادَةً فِي رَمَضَانَ (١) . وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي صِيَامِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ. قَال ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُلْحَقَ بِرَمَضَانَ صِيَامُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْل الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ، وَأَمَّا الرَّجُل فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلاَ يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا. وَقَال فِي الذَّخِيرَةِ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ (٢) الْحَدِيثُ. قَال: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي غَيْرِهِ خَوْفًا مِنْ إِلْحَاقِهَا بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّال. وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلْخِفَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوْمِ، وَإِلاَّ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيَشْرَعُ التَّأْخِيرُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ (٣) . اهـ. وَإِتْبَاعُ صَوْمِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) .

١٢ - هـ - قَضَاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ عَلِمَهُ قَبْل وِلاَيَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا، وَهُوَ

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٥٤ - ط بولاق.

(٢) حديث: " من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٢٢ - ط. الحلبي) من حديث أبي أيوب الأنصاري.

(٣) مواهب الجليل للحطاب ٢ / ٤١٤.

(٤) المغني لابن قدامة ٣ / ١٧٢.

أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ لِهَذَا الْقَوْل أَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تُهْمَةِ الْقَاضِي، وَالْحُكْمُ بِمَا اشْتَهَى وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ.

وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السِّتْرِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ الَّتِي عَلِمَهَا قَبْل وِلاَيَتِهِ، لاَ فِيمَا عَلِمَهُ مِنْهَا بَعْدَ وِلاَيَتِهِ.

وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ (١) .

فَتْحُ الذَّرَائِعِ:

١٣ - الْمُرَادُ بِفَتْحِ الذَّرَائِعِ تَيْسِيرُ السُّبُل إِلَى مَصَالِحِ الْبَشَرِ قَال الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الذَّرِيعَةَ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا، وَتُكْرَهُ وَتُنْدَبُ وَتُبَاحُ، فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ هِيَ الْوَسِيلَةُ، فَكَمَا أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ فَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ. وَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَفْضَل الْمَقَاصِدِ أَفْضَل الْوَسَائِل، وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحُ الْوَسَائِل، وَإِلَى مَا يُتَوَسَّطُ مُتَوَسِّطَةٌ. وَمِمَّا يَدُل عَلَى حُسْنِ الْوَسَائِل الْحَسَنَةِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ

_________

(١) المغني ٩ / ٥٤، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٤ / ٣٠٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٣٠، وتبصرة الحكام ٢ / ٤٥، وابن عابدين ٤ / ٣٥٥.

وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيل اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (١) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهِمْ لأَِنَّهُمَا حَصَلاَ لَهُمْ بِسَبَبِ التَّوَسُّل إِلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لإِعْزَازِ الدِّينِ وَصَوْنِ الْمُسْلِمِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَمْثِلَةً مِنْ ذَلِكَ، مِنْهَا التَّوَسُّل إِلَى فِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، بِدَفْعِ الْمَال لِلْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَمِنْهَا دَفْعُ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لاَ يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إِذَا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْهَا إِلاَّ بِذَلِكَ، وَكَدَفْعِ الْمَال لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لاَ يَقَعَ الْقَتْل بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَال عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْمَال أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا. قَال: فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا الدَّفْعُ فِيهَا وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَعْصِيَةِ بِأَكْل الْمَال وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، لِرُجْحَانِ مَا يَحْصُل مِنَ الْمَصْلَحَةِ مَعَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ (٢) .

_________

(١) سورة التوبة / ١٢٠.

(٢) الفروق للقرافي، الفرق الثامن والخمسون ٢ / ٣٣.

سَدُّ الرَّمَقِ

.

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُصْطَلَحُ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ:

الأُْولَى: سَدٌّ، وَهُوَ إِغْلاَقُ الْخَلَل وَرَدْمُ الثَّلْمِ، وَمَعْنَى سَدَّدَهُ أَصْلَحَهُ. يُقَال: سَدَادٌ مِنْ عَوَزٍ وَسَدَادٌ مِنْ عَيْشٍ لِمَا تُسَدُّ بِهِ الْحَاجَةُ وَيُرْمَقُ بِهِ الْعَيْشُ.

وَالثَّانِيَةُ: الرَّمَقُ، وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى بَقِيَّةِ الرُّوحِ وَعَلَى الْقُوَّةِ.

وَسَدُّ الرَّمَقِ مَعْنَاهُ: الْحِفَاظُ عَلَى الْقُوَّةِ وَالإِْبْقَاءُ عَلَى الرُّوحِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ - وَهُوَ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدَمِ الأَْكْل مَوْتًا، أَوْ

_________

(١) لسان العرب، المصباح المنير مادة: " سد " و" رمق "، والخرشي ٣ / ٢٨.

مَرَضًا مَخُوفًا، أَوْ زِيَادَتُهُ، أَوْ طُول مُدَّتِهِ، أَوْ خَافَ الاِنْقِطَاعَ عَنْ رُفْقَتِهِ، أَوْ ضَعُفَ عَنْ مَشْيٍ، أَوْ رُكُوبٍ، وَلَمْ يَجِدْ حَلاَلًا يَأْكُلُهُ - أَنْ يَأْكُل مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُل طَعَامَ الْغَيْرِ دُونَ إِذْنِهِ.

وَالأَْصْل فِي هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) .

وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مِنَ الْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الأُْخْرَى الَّتِي ذَكَرَتْهَا الآْيَاتُ الْمَذْكُورَةُ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ بِجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْل مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ لأَِنَّهُ تَوَسُّعٌ فِيمَا لَمْ يُبَحْ إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ (٣) .

_________

(١) سورة البقرة / ١٧٣.

(٢) سورة الأنعام / ١٤٥.

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٥، أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٢٦، المجموع للإمام النووي ٩ / ٣٩، مغني المحتاج ٤ / ٣٠٦، الخرشي ٣ / ٢٨، القوانين الفقهية ص ١٧٨، روضة الطالبين ٣ / ٢٨٢، المغني لابن قدامة ٨ / ٥٩٥.

وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الشِّبَعِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ. عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَسَنُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ الشِّبَعُ، بَل يَكْتَفِي بِمَا يَسُدُّ الرَّمَقَ بِحَيْثُ يَصِيرُ إِلَى حَالَةٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا فِي الاِبْتِدَاءِ لَمَا جَازَ لَهُ أَكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تَزُول بِهَذَا الْقَدْرِ، وَالتَّمَادِي فِي أَكْل الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُمْتَنَعٌ.

قَال الْحَسَنُ: يَأْكُل قَدْرَ مَا يُقِيمُهُ؛ لأَِنَّ الآْيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا وَاسْتُثْنِيَ مَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِل لَهُ الأَْكْل؛ لأَِنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ أَصْبَحَ كَمَا كَانَ قَبْل أَنْ يَضْطَرَّ فَلَمْ يُبَحْ لَهُ الأَْكْل؛ وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِلَى جَوَازِ الشِّبَعِ لَهُ مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا؛ لأَِنَّ الآْيَاتِ الَّتِي أَبَاحَتْ ذَلِكَ أَطْلَقَتْ وَلَمْ تُقَيِّدْهُ بِسَدِّ الرَّمَقِ، وَلأَِنَّ لَهُ تَنَاوُل قَلِيلِهِ فَجَازَ لَهُ الشِّبَعُ مِنْهُ.

وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً كَأَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنِ الْعُمْرَانِ وَخَافَ إِنْ تَرَكَ الشِّبَعَ أَنْ يَهْلَكَ فَيَجُوزُ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ الشِّبَعُ، لأَِنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ عَادَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ.

وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ مَرْجُوَّةَ الزَّوَال، كَأَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ وَيَتَوَقَّعَ الْحُصُول عَلَى طَعَامٍ

حَلاَلٍ قَبْل عَوْدِ الضَّرُورَةِ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ الاِقْتِصَارُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الشِّبَعُ (١) .

وَهُنَاكَ مَسَائِل مِنْهَا: هَل يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّدُ مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَأَمْثَالِهِمَا؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَكْل أَوْ شُرْبُ الْمُسْكِرَاتِ؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَكْل لَحْمِ آدَمِيٍّ؟

وَإِذَا وَجَدَ طَائِفَةً مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَال الْغَيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَل يَتَخَيَّرُ بَيْنَهَا أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ؟ وَإِذَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ فَمَاذَا يُقَدِّمُ؟ وَهَل هَذِهِ الرُّخْصَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُسَافِرِ أَوِ الْمُقِيمِ الْمُضْطَرِّ أَيْضًا؟ وَهَل يَجُوزُ لِلْعَاصِي الْمُضْطَرِّ أَكْل مَا ذُكِرَ؟ وَمَا حُكْمُ أَكْل الْمُضْطَرِّ هَل يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْ يُبَاحُ لَهُ؟ تَفَاصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرُورَةٍ) .

سِرَارٌ

انْظُرْ: إِسْرَارٌ.

_________

(١) المجموع ٩ / ٣٩، الخرشي ٣ / ٢٨، روضة الطالبين ٣ / ٢٨٢، المغني لابن قدامة ٨ / ٥٩٥، القوانين الفقهية ص ١٧٨، مغني المحتاج ٤ / ٣٠٦، حاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٥.

سِرَايَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - السِّرَايَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلسَّيْرِ فِي اللَّيْل، يُقَال: سَرَيْتُ بِاللَّيْل، وَسَرَيْتُ اللَّيْل سَرِيًّا إِذَا قَطَعْتُهُ بِالسَّيْرِ، وَالاِسْمُ سِرَايَةٌ. وَقَدْ تُسْتَعْمَل فِي الْمَعَانِي تَشْبِيهًا لَهَا بِالأَْجْسَامِ، فَيُقَال: سَرَى فِيهِ السُّمُّ وَالْخَمْرُ، وَيُقَال فِي الإِْنْسَانِ: سَرَى فِيهِ عِرْقُ السُّوءِ.

وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل قَوْل الْفُقَهَاءِ: سَرَى الْجُرْحُ مِنَ الْعُضْوِ إِلَى النَّفْسِ، أَيْ دَامَ أَلَمُهُ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ الْمَوْتُ، وَقَوْلُهُمْ: قَطَعَ كَفَّهُ فَسَرَى إِلَى سَاعِدِهِ، أَيْ تَعَدَّى أَثَرُ الْجُرْحِ إِلَيْهِ، كَمَا يُقَال: سَرَى التَّحْرِيمُ مِنَ الأَْصْل إِلَى فُرُوعِهِ. وَسَرَى الْعِتْقُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ السِّرَايَةُ هِيَ: النُّفُوذُ فِي الْمُضَافِ إِلَيْهِ ثُمَّ التَّعَدِّي إِلَى بَاقِيهِ (٢) .

_________

(١) المصباح المنير.

(٢) المنثور للزركشي ٢ / ٢٠٠.