الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤
وَقَالُوا: إِنْ كَانَتْ فَضْلَتُهَا طَاهِرَةً وَرُبِطَتْ جَازَ الاِسْتِتَارُ بِهَا (١) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالأَْوْجَهُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِتَارُ بِالدَّابَّةِ كَمَا لاَ يَجُوزُ بِالإِْنْسَانِ. وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَشْتَغِل بِهِ فَيَتَغَافَل عَنْ صَلاَتِهِ (٢) .
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: يَجُوزُ الاِسْتِتَارُ بِالْبَهِيمَةِ. قَال مُحَمَّدٌ الرَّمْلِيُّ: أَمَّا الدَّابَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الشَّافِعِيَّ، وَيَتَعَيَّنُ الْعَمَل بِهِ، وَحَمَل بَعْضُهُمُ الْمَنْعَ عَلَى غَيْرِ الْبَعِيرِ (٣) .
ج - التَّسَتُّرُ بِالْخَطِّ:
٦ - إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُصَلِّي مَا يَنْصِبُهُ أَمَامَهُ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ) لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَل تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ. (٤)
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٥٠.
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٥٢، وحاشية الرملي على شرح الروض ١ / ١٨٤.
(٣) حاشية الرملي على أسنى المطالب ١ / ١٨٤.
(٤) حديث: " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٣٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة، وضعفه الشافعي والبغوي كما في التلخيص لابن حجر (١ / ٢٨٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .
وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ جَمْعُ الْخَاطِرِ بِرَبْطِ الْخَيَال كَيْ لاَ يَنْتَشِرَ، وَهُوَ يَحْصُل بِالْخَطِّ.
وَرَجَّحَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ صِحَّةَ التَّسَتُّرِ بِالْخَطِّ وَقَال: لأَِنَّ السُّنَّةَ أَوْلَى بِالاِتِّبَاعِ (١) .
وَقَاسَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْخَطِّ الْمُصَلَّى، كَسَجَّادَةٍ مَفْرُوشَةٍ، قَال الطَّحْطَاوِيُّ: وَهُوَ قِيَاسٌ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْمُصَلَّى أَبْلَغُ فِي دَفْعِ الْمَارِّ مِنَ الْخَطِّ (٢) . وَلِهَذَا قَدَّمَ الشَّافِعِيَّةُ الْمُصَلَّى عَلَى الْخَطِّ وَقَالُوا: قُدِّمَ عَلَى الْخَطِّ لأَِنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ التَّسَتُّرُ بِخَطٍّ يَخُطُّهُ فِي الأَْرْضِ، وَهَذَا قَوْل مُتَقَدِّمِي الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُودُ، إِذْ لاَ يَظْهَرُ مِنْ بَعِيدٍ (٤) .
التَّرْتِيبُ فِيمَا يُجْعَل سُتْرَةً:
٧ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ لاِتِّخَاذِ السُّتْرَةِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ
_________
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠١، وفتح القدير مع الهداية ١ / ٣٥٤، ٣٥٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٠، ٢٠١، وكشاف القناع ١ / ٣٨٢، ٣٨٣.
(٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٠١.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٢٠٠.
(٤) ابن عابدين ١ / ٤٢٨، والهداية مع الفتح ١ / ٣٥٤، ٣٥٥.
وَقَالُوا: لَوْ عَدَل إِلَى مَرْتَبَةٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا لَمْ تَحْصُل سُنَّةُ الاِسْتِتَارِ. فَيُسَنُّ عِنْدَهُمْ أَوَّلًا التَّسَتُّرُ بِجِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ، ثُمَّ إِذَا عَجَزَ عَنْهَا فَإِلَى نَحْوِ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، وَعِنْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا يَبْسُطُ مُصَلَّى كَسَجَّادَةٍ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا يَخُطُّ قُبَالَتَهُ خَطًّا طُولًا، وَذَلِكَ أَخْذًا بِنَصِّ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَل تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ (١) وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالْعَجْزِ عَدَمُ السُّهُولَةِ (٢) .
وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْمَرَاتِبِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ عِنْدَ إِمْكَانِ الْغَرْزِ لاَ يَكْفِي الْوَضْعُ، وَعِنْدَ إِمْكَانِ الْوَضْعِ لاَ يَكْفِي الْخَطُّ (٣) .
وَعِبَارَةُ الْحَنَابِلَةِ تُفِيدُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصًا وَتَعَذَّرَ غَرْزُ عَصًا وَنَحْوِهَا، وَضَعَهَا بِالأَْرْضِ، وَيَكْفِي خَيْطٌ وَنَحْوُهُ. . فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لاَ يُجِيزُونَ الْخَطَّ (٤) .
_________
(١) حديث: " إذا صلى أحدكم. . . " تقدم ف / ٦.
(٢) الجمل على شرح المنهج ١ / ٤٣٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٠ وما بعدها، وأسنى المطالب ١ / ١٨٤.
(٣) ابن عابدين ١ / ٤٢٨.
(٤) كشاف القناع ١ / ٣٨٢، ٣٨٣، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٨٨، ٤٨٩.
مِقْدَارُ السُّتْرَةِ وَصِفَتُهَا:
٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِيمَا يُخْشَى الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْرِزَ سُتْرَةً بِطُول ذِرَاعٍ فَصَاعِدًا. قَال الْحَنَفِيَّةُ: فِي الاِعْتِدَادِ بِأَقَل مِنَ الذِّرَاعِ خِلاَفٌ (١) . وَالْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ، وَهُوَ شِبْرَانِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: طُول السُّتْرَةِ يَكُونُ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ تَقْرِيبًا (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ فِي فَضَاءٍ صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مُرْتَفِعَةً قَدْرَ ذِرَاعٍ فَأَقَل (٤) .
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ مَرْفُوعًا: إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْل مُؤَخَّرَةِ الرَّحْل فَلْيُصَل وَلاَ يُبَال مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ. (٥)
وَمُؤَخِّرَةُ الرَّحْل هِيَ الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْل يُحَاذِي رَأْسَ الرَّاكِبِ عَلَى الْبَعِيرِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: فُسِّرَتْ بِأَنَّهَا ذِرَاعٌ فَمَا فَوْقَهُ (٦) . وَقَال
_________
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠١، وجواهر الإكليل ١ / ٥٠.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٢٨.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٢٠٠.
(٤) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٠٢.
(٥) حديث: " إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ". أخرجه مسلم (١ / ٣٥٨ - ط الحلبي) .
(٦) الطحطاوي ص ٢٠١.
الْحَنَابِلَةُ: تَخْتَلِفُ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا وَتَارَةً تَكُونُ دُونَهُ (١) .
وَأَمَّا قَدْرُهَا فِي الْغِلَظِ فَلَمْ يُحَدِّدْهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَقَدْ تَكُونُ غَلِيظَةً كَالْحَائِطِ وَالْبَعِيرِ، أَوْ رَقِيقَةً كَالسَّهْمِ، لأَِنَّهُ ﷺ صَلَّى إِلَى حَرْبَةٍ وَإِلَى بَعِيرٍ (٢) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا فِي أَكْثَرِ الْمُتُونِ بِأَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ بِغِلَظِ الأُْصْبُعِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ لأَِنَّ مَا دُونَهُ رُبَّمَا لاَ يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ فَلاَ يَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنْهَا (٣) . لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: جَعَل فِي الْبَدَائِعِ بَيَانَ الْغِلَظِ قَوْلًا ضَعِيفًا، وَأَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِالْعُرْضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ (٤) . وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَال: يُجْزِئُ مِنَ السُّتْرَةِ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْل وَلَوْ بِدِقَّةِ شَعْرَةٍ. (٥)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ غِلَظُهَا غِلَظَ رُمْحٍ عَلَى الأَْقَل، فَلاَ يَكْفِي أَدَقُّ مِنْهُ، وَنُقِل عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَال: لاَ بَأْسَ أَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٠٢.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٢٠٠، وكشاف القناع ١ / ٣٨٢.
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠١، وابن عابدين ١ / ٤٢٨.
(٤) الرد المحتار على الدر المختار ١ / ٤٢٨.
(٥) حديث: " يجزئ من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة ". أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٦ / ٢٢٥٤ - ط دار الفكر) وفي إسناده راو ضعيف، ذكره الذهبي في الميزان (٤ / ١١ - ط الحلبي) وذكر من منكراته هذا الحديث
دُونَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْل فِي الطُّول وَدُونَ الرُّمْحِ فِي الْغِلَظِ (١) .
كَيْفِيَّةُ نَصْبِ أَوْ وَضْعِ السُّتْرَةِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي السُّتْرَةِ أَنْ تُنْصَبَ أَوْ تُغْرَزَ أَمَامَ الْمُصَلِّي، وَتُجْعَل عَلَى جِهَةِ أَحَدِ حَاجِبَيْهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ غَرْزُهَا مُمْكِنًا، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَتِ الأَْرْضُ صُلْبَةً مَثَلًا، فَهَل يَكْفِي وَضْعُ السُّتْرَةِ أَمَامَ الْمُصَلِّي طُولًا أَوْ عَرْضًا؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُلْقِي مَا مَعَهُ مِنْ عَصًا أَوْ غَيْرِهَا طُولًا، كَأَنَّهُ غَرَزَ ثُمَّ سَقَطَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَنْصِبُهُ فَلْيَخُطَّ خَطًّا بِالْعُرْضِ مِثْل الْهِلاَل، أَوْ يَجْعَلُهُ طُولًا بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبَةِ الْمَغْرُوزَةِ أَمَامَهُ (٢) . فَيَصِيرُ شِبْهَ ظِل الْعَصَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، يَقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: إِذَا عَجَزَ عَنْ غَيْرِهِ فَلْيَخُطَّ أَمَامَهُ خَطًّا طُولًا (٤) . وَفِي حَاشِيَةِ الْجَمَل: هَذَا هُوَ الأَْكْمَل وَيَحْصُل أَصْل السُّنَّةِ بِجَعْلِهِ عَرْضًا (٥) .
_________
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠١.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٥٠، الحطاب مع المواق ١ / ٥٣٢، ٥٣٣.
(٣) نفس المرجع السابق.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٢٠٠.
(٥) حاشية الجمل ١ / ٤٣٦، وانظر نهاية المحتاج ٢ / ٥٠.
وَعِبَارَةُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ تَعَذَّرَ غَرْزُ عَصًا وَنَحْوِهَا يَكْفِي وَضْعُهَا بِالأَْرْضِ. . وَوَضْعُهَا عَرْضًا أَعْجَبُ إِلَى أَحْمَدَ مِنَ الطُّول. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا كَالْهِلاَل لاَ طُولًا. لَكِنْ نَقَل الْبُهُوتِيُّ عَنِ الشَّرْحِ: وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجْزَأَهُ (١) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ ثَابِتَةً وَلاَ يُجِيزُونَ الْخَطَّ أَصْلًا (٢) .
مَوْقِفُ الْمُصَلِّي مِنَ السُّتْرَةِ:
١٠ - يُسَنُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهَا نَحْوَ ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. لِحَدِيثِ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لاَ يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاَتَهُ. (٣)
وَعَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ قَال: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ. (٤) وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٠٢، وكشاف القناع ١ / ٣٨٣.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٥٠.
(٣) حديث: " إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٤٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٢٥١ - ٢٥٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) حديث: " كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٧٤ - ط السلفية) .
ثَلاَثَةُ أَذْرُعٍ. (١) وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) .،
وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ لأَِنَّ الْفَاصِل بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ يَكُونُ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُهُ لِقِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ؛ لأَِنَّ الأَْرْجَحَ عِنْدَهُمْ أَنَّ حَرِيمَ الْمُصَلِّي هُوَ هَذَا الْمِقْدَارُ، سَوَاءٌ أَصَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ أَمْ لاَ. (٣)
وَيُسَنُّ انْحِرَافُ الْمُصَلِّي عَنِ السُّتْرَةِ يَسِيرًا، بِأَنْ يَجْعَلَهَا عَلَى جِهَةِ أَحَدِ حَاجِبَيْهِ، وَلاَ يَصْمُدُ إِلَيْهَا صَمْدًا أَيْ لاَ يُقَابِلُهَا مُسْتَوِيًا مُسْتَقِيمًا، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى عُودٍ وَلاَ عَمُودٍ وَلاَ شَجَرَةٍ إِلاَّ جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبَيْهِ الأَْيْمَنِ أَوِ الأَْيْسَرِ، وَلاَ يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا (٤) . وَهَذَا إِذَا كَانَتِ السُّتْرَةُ نَحْوَ عَصًا مَنْصُوبَةٍ أَوْ حَجَرٍ بِخِلاَفِ الْجِدَارِ الْعَرِيضِ وَنَحْوِهِ، وَبِخِلاَفِ
_________
(١) حديث: " صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٧٩ - ط السلفية) من حديث بلال.
(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٠٢، ٢٠٣، ومراقي الفلاح ص ١٠١، والقليوبي ١ / ١٩٢، ونهاية المحتاج ٢ / ٥٠.
(٣) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٢٤٦.
(٤) حديث: " ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عمود ولا شجرة ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٤٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله ابن القطان بجهالة بعض رواته. كذا في نصب الراية (٢ / ٨٤ - ط المجلس العلمي) .
الصَّلاَةِ عَلَى السَّجَّادَةِ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ تَكُونُ عَلَيْهَا لاَ إِلَيْهَا (١) .
سُتْرَةُ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لِلْمَأْمُومِينَ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ تَكْفِي الْمَأْمُومِينَ سَوَاءٌ أَصَلَّوْا خَلْفَهُ أَمْ بِجَانِبَيْهِ. فَلاَ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتَّخِذَ سُتْرَةً (٢) . وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالأَْبْطُحِ إِلَى عَنَزَةٍ رُكِزَتْ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ. (٣)
وَاخْتَلَفُوا: هَل سُتْرَةُ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَوْ هِيَ سُتْرَةٌ لَهُ خَاصَّةً وَهُوَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، فَفِي أَكْثَرِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ
_________
(١) مراقي الفلاح والطحطاوي عليها ص ٢٠١، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٠، نهاية المحتاج ٢ / ٥٠، والدسوقي ١ / ٢٤٦ وما بعدها، والقليوبي ١ / ١٩٢، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٠٢ وما بعدها.
(٢) مراقي الفلاح ص ٢٠١، وابن عابدين ١ / ٤٢٨، والدسوقي ١ / ٢٤٥، وكشاف القناع ١ / ٣٨٣، ٣٨٤، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٠٢، ٢٠٣.
(٣) حديث: " صلى بالأبطح إلى عنزة ركزت له ولم يكن للقوم سترة ". ورد عن أبي جحيفة قال: " إن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة - الظهر ركعتين والعصر ركعتين - تمر بين يديه المرأة والحمار ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٧٣ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٦١ - ط الحلبي) . وقال العيني في البناية (٢ / ٤٣٩ - ط دار الفكر): (قوله: ولم يكن للقوم سترة، ليس هذا في الحديث) . والعنزة: عصا أقصر من الرمح ولها زج أي حديدة في أسفلها.
لِمَنْ خَلْفَهُ. وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْخِلاَفَ فِي ذَلِكَ (١) . قَال بَعْضُهُمْ: الْخِلاَفُ لَفْظِيٌّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَال آخَرُونَ: الْخِلاَفُ حَقِيقِيٌّ وَلَهُ ثَمَرَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الإِْمَامُ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ كَمَا نُقِل عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ يُمْتَنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَ الإِْمَامِ وَبَيْنَ الصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ كَمَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ؛ لأَِنَّهُ مُرُورٌ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ الصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ وَالصَّفِّ الَّذِي بَعْدَهُ لأَِنَّهُ قَدْ حَال بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَهُوَ الصَّفُّ الأَْوَّل، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لَهُمْ كَمَا يَقُول عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُ فَيَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ الصَّفِّ الأَْوَّل وَالإِْمَامِ لِوُجُودِ الْحَائِل وَهُوَ الإِْمَامُ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلاَفَ حَقِيقِيٌّ وَالْمُعْتَمَدُ قَوْل مَالِكٍ (٢) .
الْمُرُورُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ:
١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُرُورَ وَرَاءَ السُّتْرَةِ لاَ يَضُرُّ، وَأَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَيَأْثَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِْثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ
_________
(١) الشرح الصغير للدردير ١ / ٣٣٤، والطحطاوي ص ٢٠١، وكشاف القناع ١ / ٣٨٣، ٣٨٤.
(٢) الدسوقي ١ / ٢٤٥، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي ١ / ٣٣٤، ٣٣٥، والحطاب ١ / ٥٣٣، ٥٣٥، وانظر المغني ٢ / ٢٣٧، ٢٣٨.