الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤
سُؤَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السُّؤَال: مَصْدَرُ (سَأَل) تَقُول: سَأَلْتُهُ الشَّيْءَ، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الشَّيْءِ سُؤَالًا وَمَسْأَلَةً، وَجَمْعُ سُؤَالٍ أَسْئِلَةٌ، وَجَمْعُ الْمَسْأَلَةِ مَسَائِل، وَقَال ابْنُ بَرِّيٍّ: سَأَلْتُهُ الشَّيْءَ اسْتَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ. (١) قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ (٢) وَسَأَلْتُهُ عَنِ الشَّيْءِ وَبِهِ: اسْتَخْبَرْتُهُ، وَفِي هَذَا قَال تَعَالَى: ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَل بِهِ خَبِيرًا﴾ (٤) وَحَدِيثُ: إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَل عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْل مَسْأَلَتِهِ. (٥)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: اسْتِدْعَاءُ مَعْرِفَةٍ أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ، أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَال (٦) .
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) سورة محمد / ٣٦.
(٣) سورة المائدة / ١٠١.
(٤) سورة الفرقان / ٥٩.
(٥) حديث: " إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ". أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٢٦٤ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٨٣١ - ط الحلبي) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٦) الكليات ٣ / ١٦.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِهِ:
الاِسْتِجْدَاءُ:
٢ - وَهُوَ مَنْ أَجْدَى عَلَيْهِ أَيْ أَعْطَاهُ، يُقَال: جَدَوْتُهُ جَدْوًا، وَأَجْدَيْتُهُ، وَاسْتَجْدَيْتُهُ: إِذَا أَتَيْتُهُ أَسْأَلُهُ حَاجَةً، وَطَلَبْتُ جَدْوَاهُ أَوْ طَلَبْتُ الصَّدَقَةَ مِنْهُ (١) .
الشِّحَاذَةُ:
٣ - الشِّحَاذَةُ هِيَ الإِْلْحَاحُ فِي الْمَسْأَلَةِ. (٢)
الأَْمْرُ:
٤ - الأَْمْرُ: هُوَ طَلَبُ الْفِعْل بِالْقَوْل عَلَى وَجْهِ الاِسْتِعْلاَءِ (٣) .
الدُّعَاءُ:
٥ - الدُّعَاءُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْل مِنَ الأَْدْنَى إِلَى الأَْعْلَى، (٤) فَالدُّعَاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤَال.
الاِلْتِمَاسُ:
٦ - الاِلْتِمَاسُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْل مِنَ الْمُسَاوِي. (٥)
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) المصباح المنير ولسان العرب.
(٣) المصباح المنير ولسان العرب.
(٤) المصباح المنير ولسان العرب.
(٥) المصباح المنير ولسان العرب.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ السُّؤَال بِاخْتِلاَفِ حَالَةِ السَّائِل وَنَوْعِ السُّؤَال، وَقَصْدِ السَّائِل مِنْهُ:
أَوَّلًا - السُّؤَال (بِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ):
٧ - السُّؤَال عَلَى وَجْهِ التَّبَيُّنِ وَالتَّعَلُّمِ عَمَّا تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا مَأْمُورٌ بِهِ، أَوْ مُبَاحٌ بِحَسَبِ حَال الْمَسْئُول عَنْهُ.
أَمَّا السُّؤَال عَمَّا لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ وَلاَ دُنْيَوِيَّةٌ عَلَى طَرِيقِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَنُّتِ لِغَرَضِ التَّعْجِيزِ وَتَغْلِيطِ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) قَال الطَّبَرِيُّ: ذَكَرَ أَنَّ الآْيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِ مَسَائِل كَانَ يَسْأَلُهَا إِيَّاهُ أَقْوَامٌ امْتِحَانًا لَهُ أَحْيَانًا وَاسْتِهْزَاءً أَحْيَانًا. (٢)
وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، يَقُول الرَّجُل مَنْ أَبِي؟ وَيَقُول الرَّجُل: تَضِل نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَل اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . (٣)
_________
(١» سورة المائدة / ١٠١.
(٢) تفسير الطبري ١١ / ٩٨ في تفسير الآية ١٠١ من المائدة.
(٣) حديث ابن عباس: " في نزول الآية من سورة المائدة ". أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٢٨٠ - ط السلفية) .
وَعَنْهُ ﷺ: الْحَلاَل مَا أَحَل اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ. (١) وَوَرَدَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ: كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيل وَقَال، وَكَثْرَةِ السُّؤَال، وَإِضَاعَةِ الْمَال. (٢)
وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ الْمَسَائِل، وَعَابَهَا (٣)
وَالْمُرَادُ الْمَسَائِل الدَّقِيقَةُ الَّتِي لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: " شَرُّ النَّاسِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ شَرَّ الْمَسَائِل كَيْ يُغَلِّطُوا الْعُلَمَاءَ (٤)
السُّؤَال بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْمُتَكَلِّمِ:
٨ - قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ السُّؤَال إِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْ عَالِمٍ أَوْ غَيْرِ عَالِمٍ. وَأَعْنِي بِالْعَالَمِ الْمُجْتَهِدِ، وَغَيْرِ الْعَالِمِ الْمُقَلِّدِ. وَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُول عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
_________
(١) حديث: " الحلال ما أحل الله في كتابه ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٢٠ - ط الحلبي) والحاكم (٤ / ١١٥ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث سلمان الفارسي، واستغربه الترمذي، وضعف الذهبي أحد رواته.
(٢) حديث: " كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ". أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٢٦٤ - ط السلفية) من حديث معاوية.
(٣) حديث: " كره المسائل وعابها ". أخرجه البخاري (الفتح١٣ / ٢٧٦ - ط السلفية) من حديث سهل بن سعد.
(٤) لسان العرب، وتفسير الطبري في تفسير الآية ١٠١ من المائدة.
(الأَْوَّل) سُؤَال الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ. وَذَلِكَ فِي الْمَشْرُوعِ يَقَعُ عَلَى وُجُوهٍ، كَتَحْقِيقِ مَا حَصَل، أَوْ رَفْعِ إِشْكَالٍ عَنَّ لَهُ، وَتَذَكَّرَ مَا خَشِيَ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ، أَوْ تَنْبِيهِ الْمَسْئُول عَلَى خَطَأٍ يُورِدُهُ مَوْرِدَ الاِسْتِفَادَةِ، أَوْ نِيَابَةٍ مِنْهُ عَنِ الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ، أَوْ تَحْصِيل مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ فَاتَهُ مِنَ الْعِلْمِ.
(وَالثَّانِي) سُؤَال الْمُتَعَلِّمِ لِمِثْلِهِ، وَذَلِكَ أَيْضًا يَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ، كَمُذَاكَرَتِهِ لَهُ بِمَا سَمِعَ، أَوْ طَلَبِهِ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِمَّا سَمِعَهُ الْمَسْئُول، أَوْ تَمَرُّنِهِ مَعَهُ فِي الْمَسَائِل قَبْل لِقَاءِ الْعَالِمِ، أَوِ التَّهَدِّي بِعَقْلِهِ إِلَى فَهْمِ مَا أَلْقَاهُ الْعَالِمُ.
(وَالثَّالِثُ) سُؤَال الْعَالِمِ لِلْمُتَعَلِّمِ. وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ كَذَلِكَ، كَتَنْبِيهٍ عَلَى مَوْضِعِ إِشْكَالٍ يَطْلُبُ رَفْعَهُ، أَوِ اخْتِبَارِ عَقْلِهِ أَيْنَ بَلَغَ؟ وَالاِسْتِعَانَةِ بِفَهْمِهِ إِنْ كَانَ لِفَهْمِهِ فَضْلٌ، أَوْ تَنْبِيهِهِ عَلَى مَا عَلِمَ لِيَسْتَدِل بِهِ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ.
(وَالرَّابِعُ) وَهُوَ الأَْصْل الأَْوَّل، سُؤَال الْمُتَعَلِّمِ لِلْعَالِمِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْ. فَأَمَّا الأَْوَّل وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مُسْتَحَقٌّ إِنْ عُلِمَ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ عَارِضٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا، وَإِلاَّ فَالاِعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَيْسَ الْجَوَابُ بِمُسْتَحَقٍّ بِإِطْلاَقٍ، بَل فِيهِ تَفْصِيلٌ. فَيَلْزَمُ الْجَوَابُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا سُئِل عَنْهُ مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ فِي نَازِلَةٍ وَاقِعَةٍ، أَوْ فِي أَمْرٍ فِيهِ نَصٌّ شَرْعِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَعَلِّمِ،
لاَ مُطْلَقًا، وَيَكُونُ السَّائِل مِمَّنْ يَحْتَمِل عَقْلُهُ الْجَوَابَ، وَلاَ يُؤَدِّي السُّؤَال إِلَى تَعَمُّقٍ وَلاَ تَكَلُّفٍ، وَهُوَ مِمَّا يُبْنَى عَلَيْهِ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَقَدْ لاَ يَلْزَمُ الْجَوَابُ فِي مَوَاضِعَ، بِمَا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ. أَوِ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ لاَ نَصَّ فِيهَا لِلشَّارِعِ. وَقَدْ لاَ يَجُوزُ، كَمَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِل عَقْلُهُ الْجَوَابَ أَوْ كَانَ فِيهِ تَعَمُّقٌ، أَوْ أَكْثَرُ مِنَ السُّؤَالاَتِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الأَْغَالِيطِ وَفِيهِ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ. (١) انْتَهَى كَلاَمُ الشَّاطِبِيِّ.
هَذَا وَالسُّؤَال مِنَ الْمُقَلِّدِ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يُسَمَّى اسْتِفْتَاءً، وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (فَتْوَى) .
ثَانِيًا - السُّؤَال بِمَعْنَى طَلَبِ الْحَاجَةِ:
التَّعَرُّضُ لِلصَّدَقَةِ بِالسُّؤَال، أَوْ إِظْهَارِ أَمَارَةِ الْفَاقَةِ:
٩ - يَحْرِصُ الإِْسْلاَمُ عَلَى حِفْظِ كَرَامَةِ الْمُسْلِمِ، وَصَوْنِ نَفْسِهِ عَنِ الاِبْتِذَال وَالْوُقُوفِ بِمَوَاقِفِ الذُّل وَالْهَوَانِ، فَحَذَّرَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلصَّدَقَةِ بِالسُّؤَال، أَوْ بِإِظْهَارِ أَمَارَاتِ الْفَاقَةِ، بَل حَرَّمَ السُّؤَال عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهَا مِنْ مَالٍ أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى التَّكَسُّبِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا يَسْأَلُهُ زَكَاةً أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ كَفَّارَةً، وَلاَ يَحِل لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ إِنْ أُعْطِيَ بِالسُّؤَال أَوْ إِظْهَارِ الْفَاقَةِ. قَال الشَّبْرَامَلِّسِي: لَوْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ وَظَنَّهُ الدَّافِعُ مُتَّصِفًا بِهَا لَمْ يَمْلِكْ
_________
(١) الموافقات ٤ / ٣١٢ - ٣١٣.
مَا أَخَذَهُ، لأَِنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، إِذْ لَمْ يَسْمَحْ لَهُ إِلاَّ عَلَى ظَنِّ الْفَاقَةِ. (١) لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ سَأَل النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَال: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ (٢) وَعَنْهُ ﷺ: إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَل اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ (٣) وَقَال ﵊: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ. (٤)
أَمَّا إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الصَّدَقَةِ، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَهَا لِفَقْرٍ أَوْ زَمَانَةٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنِ الْكَسْبِ فَيَجُوزُ لَهُ السُّؤَال بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يُذِل نَفْسَهُ، وَأَنْ لاَ يُلِحَّ فِي السُّؤَال، أَوْ يُؤْذِيَ الْمَسْئُول، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بَاعِثَ الْمُعْطِي الْحَيَاءُ مِنَ السَّائِل أَوْ مِنَ الْحَاضِرِينَ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ السُّؤَال وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ١٦٩، كشاف القناع ٢ / ٢٧٣، الاختيار لتعليل المختار ٤ / ١٧٥ - ١٧٦.
(٢) حديث: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٢ - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود، وقال: حديث حسن.
(٣) حديث: " إذا سألت فاسأل الله ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٧ - ط الحلبي) . من حديث ابن عباس، وقال: حديث حسن صحيح.
(٤) حديث: " لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ". أخرجه الترمذي (٤ / ٥٢٣ - ط الحلبي) من حديث حذيفة، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر. كذا في علل الحديث (٢ / ١٣٨ - ط السلفية) .
مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَيَحْرُمُ أَخْذُهَا، وَيَجِبُ رَدُّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا بِحَيْثُ يَخْشَى الْهَلاَكَ إِنْ لَمْ يَأْخُذِ الصَّدَقَةَ، لِحَدِيثِ: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ. فَإِنْ خَافَ هَلاَكًا لَزِمَهُ السُّؤَال إِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ التَّكَسُّبِ. فَإِنْ تَرَكَ السُّؤَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ لأَِنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَالسُّؤَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي مَقَامِ التَّكَسُّبِ؛ لأَِنَّهَا الْوَسِيلَةُ الْمُتَعَيِّنَةُ لإِبْقَاءِ النَّفْسِ، وَلاَ ذُل فِيهَا لِلضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ كَأَكْل الْمَيْتَةِ. (١)
وَلاَ بَأْسَ بِسُؤَال الْمَاءِ لِلشُّرْبِ لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَال أَحْمَدُ فِي الْعَطْشَانِ الَّذِي لاَ يَسْتَسْقِي: يَكُونُ أَحْمَقَ، وَلاَ بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ الاِسْتِعَارَةِ وَالاِسْتِقْرَاضِ نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ قَال الآْجُرِّيُّ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ حَل الْمَسْأَلَةِ وَمَتَى تَحِل، وَمَا قَالَهُ بِمَعْنَى قَوْل أَحْمَدَ فِي أَنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدَيْنِهِ فَرْضٌ، وَلاَ بَأْسَ بِسُؤَال الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَشَسْعِ النَّعْل أَيْ سَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ، وَإِنْ أُعْطِيَ مَالًا طَيِّبًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلاَ اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ أَوْ هِبَةٍ وَجَبَ أَخْذُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَنَقَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢)
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ١٦٩، كشاف القناع ٢ / ٢٧٣، والاختيار ٤ / ١٧٦.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٢٧٤.
السُّؤَال فِي الْمَسْجِدِ:
١٠ - يُكْرَهُ السُّؤَال فِي الْمَسْجِدِ، وَالصَّدَقَةُ فِيهِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ إِلاَّ إِذَا كَانَ السَّائِل يَسْأَل وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ، فَتُمْنَعُ؛ لأَِنَّ السَّائِل فَعَل مَا لاَ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، فَلاَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٍ) .
ثَالِثًا - السُّؤَال بِاللَّهِ أَوْ بِوَجْهِ اللَّهِ
١١ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ السُّؤَال بِاللَّهِ، أَوْ بِوَجْهِ اللَّهِ مَكْرُوهٌ، كَأَنْ يَقُول: أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
كَمَا يُكْرَهُ رَدُّ السَّائِل بِذَلِكَ. (٢) لِخَبَرِ: لاَ يُسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ. (٣) وَخَبَرِ: مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ (٤) .
رَابِعًا - سُؤَال اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِهِ
١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُسْأَل اللَّهَ بِغَيْرِهِ كَأَنْ يَقُول السَّائِل: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِفُلاَنٍ، أَوْ
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٤٨ - ٣٧١، مواهب الجليل ٦ / ١٣.
(٢) أسنى المطالب ٤ / ٢٤١، حاشية القليوبي ٤ / ٢٧٢.
(٣) حديث: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ". أخرجه أبو داود (٢ / ٣١٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن عبد الله، وضعفه عبد الحق الأشبيلي وابن القطان كما في فيض القدير للمناوي (٦ / ٤٥١ - ط المكتبة التجارية) .
(٤) حديث: " من سألكم بالله فأعطوه ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٣٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (١ / ٤١٢ ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عمر، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
بِمَلاَئِكَتِكَ، أَوْ يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، لأَِنَّ هَذَا يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزَّتِهِ تَعَالَى بِالْعَرْشِ، وَصِفَاتُ اللَّهِ جَمِيعُهَا قَدِيمَةٌ بِقِدَمِ ذَاتِهِ، فَكَانَ الاِحْتِيَاطُ الإِْمْسَاكَ عَمَّا يَقْتَضِي الإِْيهَامَ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ بِجَوَازِ ذَلِكَ، لِلدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ، وَبِاسْمِكَ الأَْعْظَمِ، وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ ". (١)
وَالتَّفْصِيل فِي (دُعَاءٍ، وَتَوَسُّلٍ) .
خَامِسًا - الأَْسْئِلَةُ فِي الاِسْتِدْلاَل
١٣ - يُسَمِّي بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ الاِعْتِرَاضَاتُ الَّتِي تُورَدُ عَلَى كَلاَمِ الْمُسْتَدِل (الأَْسْئِلَةَ) وَبَعْضُهُمْ يَحْصُرُهَا فِي عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ مِنْهَا: النَّقْضُ، وَالْقَلْبُ، وَالْمُطَالَبَةُ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ مِنَ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) الاختيار ٤ / ١٦٤.
(٢) البحر المحيط ٥ / ٢٦٠ ط. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.