الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
الإِْمَامِ أَفْضَل مِنْ تَفْرِيقِهَا بِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمُسْتَحِقِّينَ، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، وَبِهِ يَبْرَأُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (١) .
ثُمَّ قَال الْحَنَابِلَةُ: تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ، أَوْلَى وَأَفْضَل مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ، لأَِنَّهُ إِيصَالٌ لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَيَسْلَمُ عَنْ خَطَرِ الْخِيَانَةِ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ عُمَّالِهِ؛ وَلأَِنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَفِيهِ تَوْفِيرٌ لأَِجْرِ الْعِمَالَةِ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إِعْطَاءِ مَحَاوِيجِ أَقْرِبَائِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ، وَصِلَتِهِمْ بِهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فَالأَْفْضَل لَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي، لِئَلاَّ يَمْنَعَهُ الشُّحُّ مِنْ إِخْرَاجِهَا.
أَمَّا لَوْ طَلَبَ الإِْمَامُ الْعَادِل الزَّكَاةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَال ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَالْخِلاَفُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ جَمْعَ زَكَاةِ الْمَال الْبَاطِنِ لاَ يُبِيحُ مَعْصِيَتَهُ فِي ذَلِكَ إِنْ طَلَبَهُ، لأَِنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَأَمْرُ الإِْمَامِ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ كَحُكْمِ الْقَاضِي، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الإِْمَامَ الْعَدْل إِنْ طَلَبَهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ إِخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ (٢) .
_________
(١) المغني ٢ / ٦٤٤، وشرح المنهاج ٢ / ٤٢، وتحفة المحتاج ٣ / ٣٤٤.
(٢) الدسوقي ١ / ٥٠٣.
دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الأَْئِمَّةِ الْجَائِرِينَ، وَإِلَى الْبُغَاةِ:
١٤٣ - إِنْ أَخَذَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ الزَّكَاةَ قَهْرًا أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا.
وَكَذَا إِنْ أَكْرَهَ الإِْمَامُ الْمُزَكِّيَ فَخَافَ الضَّرَرَ إِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الاِمْتِنَاعِ عَنْ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ، أَوْ عَلَى إِخْفَاءِ مَالِهِ، أَوْ إِنْكَارِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ حِينَئِذٍ، وَأَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ عَنْ دَافِعِهَا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَخَذَ الْخَوَارِجُ وَالسَّلاَطِينُ الْجَائِرُونَ زَكَاةَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ كَزَكَاةِ السَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ، فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي مَصَارِفِهِ الْمَشْرُوعَةِ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَى الْمُزَكِّي، وَإِلاَّ فَعَلَى الْمُزَكِّي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِعَادَةُ إِخْرَاجِهَا. وَفِي حَالَةِ كَوْنِ الآْخِذِ لَهَا الْبُغَاةَ لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُطَالِبَ أَصْحَابَ الأَْمْوَال بِهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَحْمِهِمْ مِنَ الْبُغَاةِ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ، وَيُفْتَى الْبُغَاةُ بِأَنْ يُعِيدُوا مَا أَخَذُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَأَمَّا الأَْمْوَال الْبَاطِنَةُ فَلاَ يَصِحُّ دَفْعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ دَفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ
_________
(١) فتح القدير ١ / ٥١٢، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٤، والفتاوى الهندية ١ / ١٩٠.
اخْتِيَارًا، فَدَفَعَهَا السُّلْطَانُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ تُجْزِئْهُ. فَإِنْ طَلَبَهَا الْجَائِرُ فَعَلَى رَبِّهَا جَحْدُهَا وَالْهَرَبُ بِهَا مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ أَكْرَهَهُ جَازَ.
وَهَذَا إِنْ كَانَ جَائِرًا فِي أَخْذِهَا أَوْ صَرْفِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ عَادِلًا فِيهَا وَجَائِرًا فِي غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ (١) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ، فَصَرْفُهَا إِلَيْهِ أَفْضَل، وَكَذَا زَكَاةُ الْمَال الظَّاهِرِ سَوَاءٌ لَمْ يَطْلُبْهَا أَوْ طَلَبَهَا، وَفِي التُّحْفَةِ إِنْ طَلَبَهَا وَجَبَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ وَالْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إِذَا غَلَبُوا عَلَى الْبَلَدِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ.
وَيَبْرَأُ الْمُزَكِّي بِدَفْعِهَا إِلَيْهِمْ، سَوَاءٌ صَرَفَهَا الإِْمَامُ فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لاَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ (٣) .
إِرْسَال الْجُبَاةِ وَالسُّعَاةِ لِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَصَرْفِهَا:
١٤٤ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُرْسِل السُّعَاةَ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، وَقَدْ
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٥٠٢، ٥٠٤.
(٢) القليوبي ٢ / ٤٢، ٤٣، وتحفة المحتاج ٣ / ٣٤٤، ومغني المحتاج ١ / ٤١٤.
(٣) شرح منتهى الإرادات ١ / ٤١٩، والمغني ٢ / ٦٤٤.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوَلِّي الْعُمَّال ذَلِكَ وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الأَْمْوَال، فَقَدِ اسْتَعْمَل عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَيْهَا، وَوَرَدَ أَنَّهُ اسْتَعْمَل ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ (١) .
وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يُرْسِلُونَ سُعَاتِهِمْ لِقَبْضِهَا.
وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي مَا يَلِي:
١ - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ يَسْتَعْمِل عَلَيْهَا كَافِرًا لأَِنَّهَا وِلاَيَةٌ، وَفِيهَا تَعْظِيمٌ لِلْوَالِي.
٢ - وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا، أَيْ ثِقَةً مَأْمُونًا، لاَ يَخُونُ وَلاَ يَجُورُ فِي الْجَمْعِ، وَلاَ يُحَابِي فِي الْقِسْمَةِ.
٣ - وَأَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي أُمُورِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ وَمَا لاَ يُؤْخَذُ، وَمُحْتَاجٌ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ وَقَائِعِ الزَّكَاةِ.
٤ - وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَمَل وَضَبْطِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ.
٥ - وَأَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَمَعْنَى اشْتِرَاطِهِ هُنَا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلأَْخْذِ مِنْهَا مُقَابِل عَمَلِهِ فِيهَا، فَلَوْ عَمِل بِلاَ أَجْرٍ أَوْ أُعْطِيَ أَجْرَهُ مِنْ مَال الْفَيْءِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ، وَ(ر: آل، جِبَايَة) .
وَالسُّعَاةُ عَلَى الزَّكَاةِ أَنْوَاعٌ فَمِنْهُمُ الْجَابِي:
_________
(١) استعماله ﷺ لابن اللتبية. أخرج حديثه البخاري (الفتح ٥ / ٢٢٠ - ط السلفية) من حديث أبي حميد الساعدي، ومسلم (٣ / ١٤٦٣ - ط الحلبي) .
وَهُوَ الْقَابِضُ لِلزَّكَاةِ، وَالْمُفَرِّقُ: وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَالْحَاشِرُ: وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الأَْمْوَال لِتُؤْخَذَ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ، وَالْكَاتِبُ لَهَا (١) .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ، أَوْ كَانَ الإِْمَامُ لاَ يُرْسِل السُّعَاةَ لِجَبْيِ الزَّكَاةِ فَيَجِبُ عَلَى أَهْل الأَْمْوَال إِخْرَاجُهَا وَتَفْرِيقُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل الْحَقِّ فِيهَا وَالإِْمَامُ نَائِبٌ (٢) .
مَوْعِدُ إِرْسَال السُّعَاةِ:
١٤٥ - الأَْمْوَال قِسْمَانِ: فَمَا كَانَ مِنْهَا لاَ يُشْتَرَطُ لِزَكَاتِهِ الْحَوْل كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ، فَهَذَا يُرْسِل الإِْمَامُ سُعَاتَهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا، فَفِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا بِحَيْثُ يَصِلُهُمْ وَقْتَ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْخَرْصِ، أَمَّا الْخَارِصُ فَيُرْسَل عِنْدَ بَدْءِ ظُهُورِ الصَّلاَحِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: خَرْص) .
وَمَا كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْل كَالْمَوَاشِي: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ شَهْرًا مُعَيَّنًا مِنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ يُرْسِل إِلَيْهِمْ فِيهِ السَّاعِيَ كُل عَامٍ (٣) .
_________
(١) المجموع للنووي ٦ / ١٦٧ - ١٦٩، والقليوبي ٣ / ٢٠٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٤٤٣، ٤٩٥، والمغني ٢ / ٧٠٦، وابن عابدين ٢ / ٣٨.
(٢) المجموع ٦ / ١٧٨.
(٣) المجموع ٦ / ١٧٠. وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ١٥ و٣ / ٢٠٣.
حُقُوقُ الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ:
١٤٦ - الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ حَقَّهُ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي السَّاعِي.
وَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، كَأَنْ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، أَوْ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ غَالِبًا كَالرَّاعِي وَالْحَارِسِ وَالسَّائِقِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُعْطَى الرَّاعِي وَالْحَارِسُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الزَّكَاةِ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَامِلِينَ (١) .
وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ الأَْجْرِ الَّذِي يُعْطِيهِ إِيَّاهُ الإِْمَامُ، لِمَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى يَقُول: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا (٢) فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) .
وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَهْل الأَْمْوَال بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ بِسَبَبِ وِلاَيَتِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ لَمْ يَحِل لَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ وَيَسْتَأْثِرَ بِهِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَْزْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩٥، وابن عابدين ٢ / ٣٨، والمغني ٢ / ٦٥٤.
(٢) المخيط: الإبرة.
(٣) حديث: " من استعملناه منكم على عمل ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٦٤ - ط الحلبي) .
اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَال: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَال: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ - أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ - ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ - اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ، ثَلاَثًا (١) .
دُعَاءُ السَّاعِي لِلْمُزَكِّي:
١٤٧ - إِذَا أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَالِكِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَل عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢) وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل أَبِي أَوْفَى (٣) . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ ذَلِكَ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ. وَيَقُول: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ. وَإِنْ شَاءَ دَعَا بِغَيْرِ
_________
(١) حديث أبي حميد الساعدي. أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٢٠ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٤٦٣ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(٢) سورة التوبة / ١٠٣.
(٣) حديث: " كان إذا أتاه قوم بصدقتهم ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٦١ - ط السلفية) .
ذَلِكَ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَدْعُو بِالصَّلاَةِ عَلَى آل الْمُزَكِّي، بَل يَدْعُو بِغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ خَاصَّةٌ بِالأَْنْبِيَاءِ (١) .
مَا يَصْنَعُ السَّاعِي بِالْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ:
١٤٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ السَّاعِي جَائِرًا فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ أَوْ صَرْفِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُ مَنِ امْتَنَعَ أَوْ أَخْفَى مَالَهُ أَوْ غَلَبَ بِهِ؛ لأَِنَّ الْمُمْتَنِعَ أَوِ الْمُخْفِيَ يَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورًا. أَمَّا إِنْ كَانَ السَّاعِي عَادِلًا فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَوِ الْمُخْفِي، وَيُعَزِّرُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا فَعَلَهُ شُبْهَةٌ مُعْتَبَرَةٌ (٢) .
وَلَوْ خَرَجَ عَلَى الإِْمَامِ قَوْمٌ فَلَمْ يَقْدِرِ السَّاعِي عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ حَتَّى مَضَتْ أَعْوَامٌ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِمْ، يُؤْخَذُونَ بِزَكَاةِ مَا وُجِدَ مَعَهُمْ حَال الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ لِمَاضِي الأَْعْوَامِ وَلِعَامِ الْقُدْرَةِ، وَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا يُصَدَّقُونَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ لِمَنْعِهَا لاَ يُصَدَّقُونَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (٣) .
مَا يَصْنَعُ السَّاعِي عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْحَوْل عَلَى الْمُلاَّكِ (٤):
١٤٩ - قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا وَصَل السَّاعِي إِلَى
_________
(١) المجموع ٦ / ١٦٩ - ١٧١، والمغني ٢ / ٦٤٥.
(٢) المجموع ٦ / ١٧٣.
(٣) الشرح الكبير للدردير ١ / ٤٤٧.
(٤) ترى اللجنة أن هذه الصور إجرائية تختلف باختلاف الزمان والمكان ووسائل المواصلات والاتصالات وغيرها مما جد ومما سيجد.
أَرْبَابِ الأَْمْوَال، فَإِنْ كَانَ حَوْل صَاحِبِ الْمَال قَدْ تَمَّ أَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَإِنْ كَانَ حَوْل بَعْضِهِمْ لَمْ يَتِمَّ سَأَلَهُ السَّاعِي تَعْجِيل الزَّكَاةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَالِكِ إِجَابَتُهُ، فَإِنْ عَجَّلَهَا بِرِضَاهُ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجْبُرْهُ، ثُمَّ إِنْ رَأَى السَّاعِي الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوَكِّل مَنْ يَأْخُذُهَا عِنْدَ حُلُولِهَا وَيُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِهَا فَعَل. وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَخِّرَهَا لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل فَعَل، وَيَكْتُبُهَا كَيْ لاَ يَنْسَاهَا أَوْ يَمُوتَ فَلاَ يَعْلَمَهَا السَّاعِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَرْجِعَ فِي وَقْتِ حُلُولِهَا لِيَأْخُذَهَا فَعَل، وَإِنْ وَثِقَ بِصَاحِبِ الْمَال جَازَ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ تَفْرِيقَهَا (١) .
وَتَقَدَّمَ أَنَّ وُصُول السَّاعِي شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ، فَهُوَ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ يَوْمَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ (٢) .
حِفْظُ الزَّكَاةِ:
١٥٠ - عَلَى السَّاعِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَال الزَّكَاةِ. وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى مُسْتَحَقِّيهِ، أَوْ يُوصِلَهُ إِلَى الإِْمَامِ إِنْ فَضَل مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ فِي سَبِيل ذَلِكَ أَنْ يَتَّخِذَ حَارِسًا أَوْ رَاعِيًا وَنَحْوَهُمَا.
وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ وَسَائِل الْحِفْظِ وَسْمُ
_________
(١) المجموع ٦ / ١٧٣.
(٢) الدسوقي والشرح الكبير ١ / ٤٤٧.
بَهَائِمِ الصَّدَقَةِ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا؛ وَلِئَلاَّ تَضِيعَ، وَيَسِمُهَا بِالنَّارِ بِعَلاَمَةٍ خَاصَّةٍ، كَأَنْ تَكُونَ عَلاَمَةُ الْوَسْمِ (لِلَّهِ) لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: وَافَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَبِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِل الصَّدَقَةِ (١) وَلآِثَارٍ وَرَدَتْ مِنْ فِعْل عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (٢) .
بَيْتُ مَال الزَّكَاةِ:
١٥١ - عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ بَيْتًا لأَِمْوَال الزَّكَاةِ تُحْفَظُ فِيهِ وَتُضْبَطُ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ صَرْفِهَا لأَِهْلِهَا (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: بَيْتُ الْمَال ".
تَصَرُّفَاتُ السَّاعِي فِي الزَّكَاةِ:
١٥٢ - إِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ يُفَرِّقُهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا مِنْ أَهْل الْبَلَدِ الَّتِي جَمَعَهَا فِيهَا إِنْ كَانَ الإِْمَامُ أَذِنَ لَهُ فِي تَفْرِيقِهَا، فَلاَ يَنْقُلُهَا إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا فُقَرَاءُ
_________
(١) حديث أنس: " وافيت النبي ﷺ وبيده ميسم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٦٦ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٠٩ - ط الحلبي) ورواية مسلم مختصرة ليس فيها " يسم إبل الصدقة ".
(٢) المجموع للنووي ٦ / ١٧٥ - ١٧٧.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٥٧، و٣ / ٢٨٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢١٤ ط ١٣٢٧ هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٣، ٢٤ نشر حامد الفقي، والدسوقي ١ / ٤٩٥.