الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
أَحَدُهُمَا نِصَابًا زُكِّيَ الْجَمِيعُ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ الآْخَرُ نِصَابًا، وَكَذَا إِنْ كَانَا بِضَمِّ أَحَدِهِمَا إِلَى الآْخَرِ يَكْمُل مِنْهُمَا نِصَابٌ، كَأَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ نِصَابِ ذَهَبٍ وَرُبُعُ نِصَابِ فِضَّةٍ، وَإِلاَّ فَلاَ زَكَاةَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ بَلَغَ الذَّهَبُ الْمَخْلُوطُ بِالْفِضَّةِ نِصَابَ الذَّهَبِ فَفِيهِ زَكَاةُ الذَّهَبِ، وَإِنْ بَلَغَتِ الْفِضَّةُ نِصَابَ الْفِضَّةِ فَفِيهَا زَكَاةُ الْفِضَّةِ إِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْفِضَّةِ، أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلذَّهَبِ فَهُوَ كُلُّهُ ذَهَبٌ، لأَِنَّهُ أَعَزُّ وَأَغْلَى قِيمَةً (١) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
الْقَدْرُ الْوَاجِبُ:
٧٢ - تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِمَّا وَجَبَتْ فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِنِسْبَةِ رُبُعِ الْعُشْرِ (٥. ٢)
وَهَكَذَا بِالإِْجْمَاعِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْصِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الصَّاحِبَانِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ وَقْصَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ (٢١٠) دَرَاهِمَ فَفِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي الزَّائِدِ بِحِسَابِهِ، وَهُوَ فِي الْمِثَال رُبُعُ دِرْهَمٍ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ (٢) .
_________
(١) فتح القدير ١ / ٥٢٣، وشرح المنهاج ٢ / ٢٢، والمغني ٣ / ٦.
(٢) حديث: " إذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٢٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب، وصححه ابن القطان كما في نصب الراية (٣ / ٣٥٣ - ط المجلس العلمي) .
وَلأَِنَّ الْوَقْصَ فِي السَّائِمَةِ لِتَجَنُّبِ التَّشْقِيصِ، وَلاَ يَضُرُّ فِي النَّقْدَيْنِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى النِّصَابِ عَفْوٌ لاَ شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ خُمُسَ نِصَابٍ. فَإِذَا بَلَغَ الزَّائِدُ فِي الْفِضَّةِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ فِيهَا دِرْهَمٌ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِي الزَّائِدِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَهَكَذَا، وَكَذَا فِي الذَّهَبِ لاَ شَيْءَ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ مَثَاقِيل (١) . وَاحْتَجَّ لَهُ ابْنُ الْهُمَامِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا لَيْسَ فِيمَا دُونَ الأَْرْبَعِينَ صَدَقَةٌ (٢) .
وَحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ لاَ يَأْخُذَ مِنَ الْكُسُورِ شَيْئًا (٣) .
_________
(١) فتح القدير ١ / ٥٢٠، ٥٢١، وابن عابدين ٢ / ٣١، والشرح الكبير مع الدسوقي ١ / ٤٥٥، وشرح المنهاج ٢ / ٢٢، والمغني ٣ / ٦.
(٢) حديث: " ليس فيما دون الأربعين صدقة ". أورده الزيلعي في نصب الراية (٢ / ٣٦٧ - ط المجلس العلمي) وذكر أن عبد الحق الإشبيلي أورده في الأحكام بهذا اللفظ، وأنه لم يعزه إلى أحد، وقال الزيلعي: والموجود في كتاب عمرو بن حزم: " وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراه وهو في المستدرك للحاكم (١ / ٣٩٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الإمام أحمد كما في نصب الراية.
(٣) حديث: " أمر معاذًا أن لا يأخذ من الكسور شيئا ". أخرجه الدارقطني (٢ / ٩٣ - دار المحاسن) وأعله بضعف راو فيه وبالانقطاع بين معاذ والراوي عنه.
ب - الزَّكَاةُ فِي الْفُلُوسِ:
٧٣ - الْفُلُوسُ مَا صُنِعَ مِنَ النُّقُودِ مِنْ مَعْدِنٍ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفُلُوسَ إِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا رَائِجَةً أَوْ سِلَعًا لِلتِّجَارَةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا، وَإِلاَّ فَلاَ (١) .
وَحُكْمُ الْفُلُوسِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حُكْمُ الْعُرُوضِ. نَقَل الْبُنَانِيِّ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَال الْحَوْل عَلَى فُلُوسٍ عِنْدَهُ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُدِيرًا فَيُقَوِّمَهَا كَالْعُرُوضِ. قَالُوا: وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا (أَيْ فُلُوسًا) عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْعُرُوضِ، وَالْعُرُوضُ يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا بِالْقِيمَةِ دَنَانِيرَ مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتِ الْفُلُوسُ لِلنَّفَقَةِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، كَعُرُوضِ الْقُنْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ كَاَلَّتِي عِنْدَ الصَّيَارِفَةِ تُزَكَّى زَكَاةَ الْقِيمَةِ، كَسَائِرِ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٢، والفتاوى الهندية ١ / ١٧٩.
(٢) البناني بهامش الزرقاني ٢ / ١٤١، والدسوقي ١ / ٤١٩ وقد لاحظ الشيخ محمد حسنين مخلوف أن قول المالكية المذكور حين كان التعامل ينفرد بالذهب والفضة، فإن في زكاتهما ما يكفي الفقراء، أما حيث انتهى التعامل بهما أو قل، فحاجة الفقير تقتضي إلحاق الفلوس بها نظرا للفقراء. والله أعلم. (التبيان في زكاة الأثمان للش
عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَلاَ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا بَل تُخْرَجُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْعُرُوضِ (١) .
زَكَاةُ الْمَوَادِّ الثَّمِينَةِ الأُْخْرَى:
٧٤ - لاَ زَكَاةَ فِي الْمَوَادِّ الثَّمِينَةِ الْمُقْتَنَاةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَذَلِكَ كَالْجَوَاهِرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْفَيْرُوزِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا مَا صُنِعَ مِنَ التُّحَفِ الثَّمِينَةِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ حَسُنَتْ صَنْعَتُهَا وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ فَفِيهَا الزَّكَاةُ عَلَى مَا يَأْتِي (٢) .
ج - زَكَاةُ الأَْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ (وَرَقِ النَّوْطِ):
٧٥ - إِنَّ مِمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الأَْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ وَاجِبَةٌ، نَظَرًا لأَِنَّهَا عَامَّةُ أَمْوَال النَّاسِ وَرُءُوسُ أَمْوَال التِّجَارَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَغَالِبُ الْمُدَّخَرَاتِ، فَلَوْ قِيل بِعَدَمِ الزَّكَاةِ فِيهَا لأَدَّى إِلَى ضَيَاعِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ﴾ (٣) وَلاَ سِيَّمَا أَنَّهَا أَصْبَحَتْ عُمْلَةً نَقْدِيَّةً مُتَوَاضَعًا عَلَيْهَا فِي
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٢٣٥ الرياض مكتبة النصر الحديثة، ومطالب أولي النهى ٢ / ٨٩.
(٢) المجموع ٦ / ٦.
(٣) سورة الذاريات / ١٩.
جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، وَيَنْبَغِي تَقْدِيرُ النِّصَابِ فِيهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (١) .
ضَمُّ الذَّهَبِ إِلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ، وَضَمُّ عُرُوضِ التِّجَارَةِ إِلَيْهِمَا:
٧٦ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل الثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ) إِلَى أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ، وَمِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِمَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا نِصَابٌ، وَمِنَ الآْخَرِ مَالًا يَبْلُغُ النِّصَابَ يُزَكَّيَانِ جَمِيعًا، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ نَفْعَهُمَا مُتَّحِدٌ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمَا ثَمَنَانِ، فَمِنْهُمَا الْقِيَمُ وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَيُتَّخَذَانِ لِلتَّحَلِّي.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل أَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ فِي أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَكْمُل وَحْدَهُ نِصَابًا، لِعُمُومِ حَدِيثِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ (٢) .
وَالْقَائِلُونَ بِالضَّمِّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الضَّمَّ يَكُونُ بِالأَْجْزَاءِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا ذَهَبًا، وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا لَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ الأَْوَّل
_________
(١) العقود الياقوتية ص ٢١٣.
(٢) حديث: " ليس فيما دون. . . " سبق تخريجه ف / ٧٠.
نِصَابٌ، وَالثَّانِيَ ٢٥ نِصَابٌ، فَيَكْمُل مِنْهُمَا نِصَابٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثُلُثُ نِصَابٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَثُلُثَانِ مِنَ الآْخَرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ بِالتَّقْوِيمِ فِي أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، أَيْ يُضَمُّ الأَْكْثَرُ إِلَى الأَْقَل، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ نِصْفُ نِصَابِ فِضَّةٍ، وَرُبُعُ نِصَابِ ذَهَبٍ تُسَاوِي قِيمَتُهُ نِصْفَ نِصَابِ فِضَّةٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
أَمَّا الْعُرُوض فَتُضَمُّ قِيمَتُهَا إِلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ وَيَكْمُل بِهَا نِصَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا (١) . وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْعُمْلَةُ النَّقْدِيَّةُ الْمُتَدَاوَلَةُ.
ثَالِثًا: زَكَاةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ:
٧٧ - التِّجَارَةُ تَقْلِيبُ الْمَال بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِغَرَضِ تَحْصِيل الرِّبْحِ (٢) .
وَالْعَرْضُ بِسُكُونِ الرَّاءِ، هُوَ كُل مَالٍ سِوَى النَّقْدَيْنِ، قَال الْجَوْهَرِيُّ: الْعَرْضُ الْمَتَاعُ، وَكُل شَيْءٍ فَهُوَ عَرْضٌ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهُمَا عَيْنٌ، وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُرُوض الأَْمْتِعَةُ الَّتِي لاَ يَدْخُلُهَا كَيْلٌ وَلاَ وَزْنٌ وَلاَ يَكُونُ حَيَوَانًا وَلاَ عَقَارًا.
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٤، والمجموع ٦ / ١٨، والمغني ٣ / ٢، ٣، والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٥٥.
(٢) شرح المنهاج ٢ / ٢٧.
أَمَّا الْعَرَضُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهُوَ شَامِلٌ لِكُل أَنْوَاعِ الْمَال، قَل أَوْ كَثُرَ، قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتَاعِ الدُّنْيَا عَرَضٌ (١) . وَفِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ (٢) .
وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ جَمْعُ الْعَرْضِ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَهِيَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ كُل مَا أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ سَوَاءٌ مِنْ جِنْسٍ تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ كَالإِْبِل وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ، أَوْ لاَ، كَالثِّيَابِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَال (٣) .
حُكْمُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ:
٧٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ هُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٤)
وَبِحَدِيثِ سَمُرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّ لِلْبَيْعِ (٥) .
_________
(١) لسان العرب.
(٢) حديث: " ليس الغنى عن كثرة العرض ". أخرجه البخاري (الفتح١١ / ٢٧١ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٢٦ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) شرح فتح القدير ١ / ٥٢٦.
(٤) سورة البقرة / ٢٦٧.
(٥) حديث سمرة: " كان النبي ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢١٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال ابن حجر: في إسناده جهالة، كذا في التلخيص (٢ / ١٧٩ - طبع شركة الطباعة الفنية) .
وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: فِي الإِْبِل صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهَا (١) وَقَال حَمَاسٌ: مَرَّ بِي عُمَرُ فَقَال: أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فَقُلْتُ: مَا لِي إِلاَّ جِعَابُ أُدْمٍ. فَقَال: قَوِّمْهَا ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا. وَلأَِنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلنَّمَاءِ بِإِعْدَادِ صَاحِبِهَا فَأَشْبَهَتِ الْمُعَدَّ لِذَلِكَ خِلْقَةً كَالسَّوَائِمِ وَالنَّقْدَيْنِ.
شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَكُونَ لِزَكَاتِهَا سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ كَوْنِهَا عُرُوضَ تِجَارَةٍ:
أ - السَّوَائِمُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ:
٧٩ - فَلَوْ كَانَ لَدَيْهِ سَوَائِمُ لِلتِّجَارَةِ بَلَغَتْ نِصَابًا، فَلاَ تَجْتَمِعُ زَكَاتَانِ إِجْمَاعًا، لِحَدِيثِ: لاَ ثَنْيَ فِي الصَّدَقَةِ (٢) بَل يَكُونُ فِيهَا زَكَاةُ الْعَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، كَأَنْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل لِلتِّجَارَةِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَل مِنْ خَمْسٍ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ فَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا مِنَ الأَْثْمَانِ وَجَبَتْ فِيهَا زَكَاةُ الْقِيمَةِ.
وَإِنَّمَا قَدَّمُوا زَكَاةَ الْعَيْنِ عَلَى زَكَاةِ التِّجَارَةِ لأَِنَّ
_________
(١) حديث أبي ذر مرفوعًا: " في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقتها ". أخرجه الدارقطني (٢ / ١٠١ طبع دار المحاسن) من حديث أبي ذر وقال ابن حجر: إسناده لا بأس به، كذا في التلخيص (٢ / ١٧٩ ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) حديث: " لا ثنى في الصدقة " أخرجه ابن أبي شيبة (٣ / ٢١٨ - ط الدار السلفية) من حديث فاطمة.
زَكَاةَ الْعَيْنِ أَقْوَى ثُبُوتًا لاِنْعِقَادِ الإِْجْمَاعِ عَلَيْهَا، وَاخْتِصَاصِ الْعَيْنِ بِهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تُزَكَّى زَكَاةَ التِّجَارَةِ لأَِنَّهَا أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ؛ لأَِنَّهَا تَجِبُ فِيمَا زَادَ بِالْحِسَابِ، لَكِنْ قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ نِصَابَ سَائِمَةٍ وَلَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهُ نِصَابًا مِنَ الأَْثْمَانِ فَلاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ، بَل تَجِبُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ، كَمَنْ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل لِلتِّجَارَةِ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا شَاةٌ.
وَنَظِيرُ هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ غَلَّةُ مَال التِّجَارَةِ، كَأَنْ يَكُونَ ثَمَرًا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلتِّجَارَةِ (١) .
ب - الْحُلِيُّ وَالْمَصْنُوعَاتُ الذَّهَبِيَّةُ وَالْفِضِّيَّةُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ:
٨٠ - أَمَّا الْمَصُوغَاتُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ إِنْ كَانَتْ أَقَل مِنْ نِصَابٍ بِالْوَزْنِ، وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهَا عَنْ نِصَابٍ بِسَبَبِ الْجَوْدَةِ أَوِ الصَّنْعَةِ، وَيُزَكَّى عَلَى أَسَاسِ الْقِيمَةِ الشَّامِلَةِ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُرَصَّعَةِ (٢) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ
_________
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٧٢، والمغني ٣ / ٣٤، ٣٥، وشرح المنهاج ٢ / ٣١، والمجموع ٦ / ٥٠.
(٢) الدسوقي ١ / ٤٧٢، ٤٦١.
لاَ تُقَوَّمُ لِعَدَمِ الاِعْتِدَادِ بِهَا شَرْعًا، أَمَّا الصَّنْعَةُ الْمُبَاحَةُ فَتَدْخُل فِي التَّقْوِيمِ إِنْ كَانَ الْحُلِيُّ لِلتِّجَارَةِ، وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ بِالْقِيمَةِ كَسَائِرِ أَمْوَال التِّجَارَةِ، وَيُقَوَّمُ بِنَقْدٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَ بِفِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ، إِنْ كَانَ تَقْوِيمُهُ بِنَقْدٍ آخَرَ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ نَقَصَ عَنْ نِصَابِهِ، كَخَوَاتِمَ فِضَّةٍ لِتِجَارَةٍ زِنَتُهَا (مِائَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا) وَقِيمَتُهَا (عِشْرُونَ) مِثْقَالًا ذَهَبًا، فَيُزَكِّيهَا بِرُبُعِ عُشْرِ قِيمَتِهَا، فَإِنْ كَانَ وَزْنُهَا (مِائَتَيْ) دِرْهَمٍ، وَقِيمَتُهَا تِسْعَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا وَجَبَ أَنْ لاَ تُقَوَّمَ، وَأَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهَا (١) .
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ عَابِدِينَ أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْحُلِيِّ وَالْمَصْنُوعِ مِنَ النَّقْدَيْنِ بِالْوَزْنِ مِنْ حَيْثُ النِّصَابُ وَمِنْ حَيْثُ قَدْرُ الْمُخْرَجِ، وَعِنْدَ زُفَرَ الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الأَْنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (٢) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَصُوغِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّذِي لِلتِّجَارَةِ هَل يُزَكَّى زَكَاةَ الْعَيْنِ أَوْ زَكَاةَ الْقِيمَةِ قَوْلاَنِ (٣) .
ج - الأَْرَاضِي الزِّرَاعِيَّةُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا:
٨١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ١ / ٤٠٤، ٤٠٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠.
(٣) المجموع ٦ / ٥٣.