الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
الْعَمَل بِهَا بَعْضُهُمْ كَابْنِ عَقِيلٍ وَالآْجُرِّيِّ. (١) وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (٢) . وَلِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ وَالْخِلاَفِ فِيهِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (خُلْطَة) .
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَال فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إِنْ كَانَ مَال الرَّجُل مُفَرَّقًا بَيْن بَلَدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَوَاشِي فَلاَ أَثَرَ لِتَفَرُّقِهِ، بَل يُزَكَّى زَكَاةَ مَالٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَوَاشِي وَكَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةُ قَصْرٍ فَأَكْثَرُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَجَّحَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ كُل مَالٍ مِنْهَا يُزَكَّى مُنْفَرِدًا عَمَّا سِوَاهُ، فَإِنْ كَانَ كِلاَ الْمَالَيْنِ نِصَابًا زَكَّاهُمَا كَنِصَابَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالآْخَرُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ زَكَّى مَا تَمَّ نِصَابًا دُونَ الآْخَرِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْل عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ اجْتِمَاعُ مَال الْجَمَاعَةِ حَال الْخُلْطَةِ فِي مَرَافِقِ الْمِلْكِ وَمَقَاصِدِهِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ حَتَّى جَعَلَهُ كَمَالٍ وَاحِدٍ وَجَبَ تَأْثِيرُ الاِفْتِرَاقِ الْفَاحِشِ فِي الْمَال
_________
(١) فتح القدير ١ / ٤٩٦، والدسوقي ١ / ٤٣٩، ونهاية المحتاج ٣ / ٦١، والمغني ٢ / ٦١٩.
(٢) حديث: " لا يفرق بين مجتمع ولا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣١٤ - ط السلفية) من حديث أنس.
الْوَاحِدِ حَتَّى يَجْعَلَهُ كَمَالَيْنِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلأَِنَّ كُل مَالٍ تُخْرَجُ زَكَاتُهُ بِبَلَدِهِ. (١)
شُرُوطُ الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ:
١٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ شُرُوطٌ:
١ - كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ.
٢ - وَكَوْنُ مَمْلُوكِيَّتِهِ مُطْلَقَةً (أَيْ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا رَقَبَةً وَيَدًا) .
٣ - وَكَوْنُهُ نَامِيًا.
٤ - وَأَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَاتِ الأَْصْلِيَّةِ.
٥ - حَوَلاَنُ الْحَوْل.
٦ - وَبُلُوغُهُ نِصَابًا، وَالنِّصَابُ فِي كُل نَوْعٍ مِنَ الْمَال بِحَسَبِهِ.
٧ - وَأَنْ يَسْلَمَ مِنْ وُجُودِ الْمَانِعِ، وَالْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَالِكِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ.
١٧ - الشَّرْطُ الأَْوَّل: كَوْنُ الْمَال مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ:
فَلاَ زَكَاةَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَجِبُ فِي سَوَائِمِ الْوَقْفِ، وَالْخَيْل الْمُسَبَّلَةِ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ.
قَالُوا: لأَِنَّ فِي الزَّكَاةِ تَمْلِيكًا، وَالتَّمْلِيكُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لاَ يُتَصَوَّرُ، قَالُوا: وَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ؛
_________
(١) شرح المنتهى ١ / ٣٨٥، والمغني ٢ / ٦١٧.
لأَِنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالإِْحْرَازِ، فَزَال مِلْكُ الْمُسْلِمِ عَنْهُ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ زَكَاةَ فِي الْمُوصَى بِهِ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ. وَتَجِبُ فِي الْمَوْقُوفِ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَسَاجِدَ، أَوْ بَنِي تَمِيمٍ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُمْ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ، فَلَوْ وَقَفَ نُقُودًا لِلسَّلَفِ يُزَكِّيهَا الْوَاقِفُ أَوِ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهَا مِنْهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مِلْكِهَا، أَوْ زَكَّاهَا إِنْ كَانَتْ نِصَابًا، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَتَسَلَّفْهَا أَحَدٌ، فَإِنْ تَسَلَّفَهَا أَحَدٌ زُكِّيَتْ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ. (٢)
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ، أَوْ كَانَ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لاَ يَتَعَيَّنُ لَهُ مَالِكٌ لاَ زَكَاةَ فِيهِ. وَكَذَا النَّقْدُ الْمُوصَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، أَوْ لِيُشْتَرَى بِهِ وَقْفٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، بِخِلاَفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ: لاَ تَجِبُ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ يَنْتَقِل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لاَ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. (٣)
١٨ - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِلْكِيَّةُ الْمَال مُطْلَقَةً:
وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُمْ بِالْمِلْكِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٩.
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي ١ / ٤٥٩، ٤٨٥.
(٣) مطالب أولي النهى ٢ / ١٦، والمجموع ٥ / ٣٣٩.
التَّامِّ: وَهُوَ مَا كَانَ فِي يَدِ مَالِكِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ.
وَالْمِلْكُ النَّاقِصُ يَكُونُ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَال مُعَيَّنَةٍ، مِنْهَا:
١ - مَال الضِّمَارِ: وَهُوَ كُل مَالٍ مَالِكُهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ لِكَوْنِ يَدِهِ لَيْسَتْ عَلَيْهِ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، كَالْبَعِيرِ الضَّال، وَالْمَال الْمَفْقُودِ، وَالْمَال السَّاقِطِ فِي الْبَحْرِ، وَالْمَال الَّذِي أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مُصَادَرَةً، وَالدَّيْنِ الْمَجْحُودِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَال الْمَغْصُوبِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى أَخْذِهِ، وَالْمَسْرُوقِ الَّذِي لاَ يَدْرِي مَنْ سَرَقَهُ، وَالْمَال الْمَدْفُونِ فِي الصَّحْرَاءِ إِذَا خَفِيَ عَلَى الْمَالِكِ مَكَانُهُ، فَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الْبَيْتِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَيْ لأَِنَّهُ فِي مَكَانٍ مَحْدُودٍ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ فِي مَال الضِّمَارِ زَكَاةٌ
وَلأَِنَّ الْمَال إِذَا لَمْ يَكُنْ الاِنْتِفَاعُ بِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ مَقْدُورًا لاَ يَكُونُ الْمَالِكُ بِهِ غَنِيًّا. قَالُوا:
وَهَذَا بِخِلاَفِ ابْنِ السَّبِيل (أَيِ الْمُسَافِرِ عَنْ وَطَنِهِ) فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِهِ؛ لأَِنَّ مَالِكَهُ يَقْدِرُ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَكَذَا الدَّيْنُ الْمُقَرُّ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَى مَلِيءٍ (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٩، والمغني ٣ / ٤٨.
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْمَال الضَّائِعَ وَنَحْوَهُ كَالْمَدْفُونِ فِي صَحْرَاءَ إِذَا ضَل صَاحِبُهُ عَنْهُ أَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لاَ يُحَاطُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُزَكَّى لِعَامٍ وَاحِدٍ إِذَا وَجَدَهُ صَاحِبُهُ وَلَوْ بَقِيَ غَائِبًا عَنْهُ سِنِينَ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَال الضَّائِعِ وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ دَفْعُهَا حَتَّى يَعُودَ الْمَال. فَإِنْ عَادَ يُخْرِجُهَا صَاحِبُهُ عَنِ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ كُلِّهَا؛ لأَِنَّ السَّبَبَ الْمِلْكُ، وَهُوَ ثَابِتٌ. قَالُوا: لَكِنْ لَوْ تَلِفَ الْمَال، أَوْ ذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ. وَكَذَا عِنْدَهُمُ الْمَال الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ لاِنْقِطَاعِ خَبَرِهِ، أَوِ انْقِطَاعِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ (٢) .
وَالْمَال الْمَوْرُوثُ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ إِلاَّ بَعْدَ قَبْضِهِ، يَسْتَقْبِل بِهِ الْوَارِثُ حَوْلًا، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَقَامَ سِنِينَ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَارِثُ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. (٣)
الزَّكَاةُ فِي مَال الأَْسِيرِ، وَالْمَسْجُونِ وَنَحْوِهِ:
١٩ - مَنْ كَانَ مَأْسُورًا أَوْ مَسْجُونًا قَدْ حِيل بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ، ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا نَفَذَ، وَكَذَا
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٤٥٧، ٤٥٨.
(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ٣٩، ٤٠، والمغني ٣ / ٤٨.
(٣) الدسوقي ١ / ٤٥٨.
لَوْ وَكَّل فِي مَالِهِ نَفَذَتِ الْوَكَالَةُ. (١)
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ كَوْنَ الرَّجُل مَفْقُودًا أَوْ أَسِيرًا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ فِي حَقِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِ الْبَاطِنَةِ، لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مَغْلُوبًا عَلَى عَدَمِ التَّنْمِيَةِ فَيَكُونُ مَالُهُ حِينَئِذٍ كَالْمَال الضَّائِعِ، وَلِذَا يُزَكِّيهَا إِذَا أُطْلِقَ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَالأَْمْوَال الضَّائِعَةِ. وَفِي قَوْل الأُْجْهُورِيِّ وَالزَّرْقَانِيِّ: لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا أَصْلًا. وَفِي قَوْل الْبُنَانِيِّ: لاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنِ الأَْسِيرِ وَالْمَفْقُودِ، بَل تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمَا كُل عَامٍ، لَكِنْ لاَ يَجِبُ الإِْخْرَاجُ مِنْ مَالِهِمَا بَل يَتَوَقَّفُ مَخَافَةَ حُدُوثِ الْمَوْتِ. (٢)
أَمَّا الْمَال الظَّاهِرُ فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْفَقْدَ وَالأَْسْرَ لاَ يُسْقِطَانِ زَكَاتَهُ؛ لأَِنَّهُمَا مَحْمُولاَنِ عَلَى الْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِهِمَا الظَّاهِرِ وَتُجْزِئُ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ نِيَّةَ الْمُخْرِجِ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ. (٣)
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
زَكَاةُ الدَّيْنِ:
٢٠ - الدَّيْنُ مَمْلُوكٌ لِلدَّائِنِ، وَلَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ صَاحِبِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ: فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَعِكْرِمَةُ مَوْلَى
_________
(١) المغني ٣ / ٥٠.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٤٨١.
(٣) المصدر نفسه ١ / ٤٨٠.
ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ، فَلَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ، كَعُرُوضِ الْقَنِيَّةِ (وَهِيَ الْعُرُوض الَّتِي تُقْتَنَى لأَِجْل الاِنْتِفَاعِ الشَّخْصِيِّ) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْحَال قِسْمَانِ: دَيْنٌ حَالٌّ مَرْجُوُّ الأَْدَاءِ، وَدَيْنٌ حَالٌّ غَيْرُ مَرْجُوِّ الأَْدَاءِ.
٢١ - فَالدَّيْنُ الْحَال الْمَرْجُوُّ الأَْدَاءِ: هُوَ مَا كَانَ عَلَى مُقِرٍّ بِهِ بَاذِلٍ لَهُ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ: أَنَّ زَكَاتَهُ تَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ كُل عَامٍ لأَِنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ لَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِكُل مَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل: أَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الإِْخْرَاجُ قَبْل قَبْضِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْحَال، وَلَيْسَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَالٍ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ. عَلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي يَقْدِرُ صَاحِبُهَا أَنْ يَأْخُذَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، بَل يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا عِنْدَ الْحَوْل. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الأَْظْهَرِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الدَّيْنِ الْمَرْجُوِّ الأَْدَاءِ فِي نِهَايَةِ كُل حَوْلٍ، كَالْمَال الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ
وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ. (١)
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ الدَّيْنَ أَنْوَاعًا: فَبَعْضُ الدُّيُونِ يُزَكَّى كُل عَامٍ وَهِيَ دَيْنُ التَّاجِرِ الْمُدِيرِ عَنْ ثَمَنِ بِضَاعَةٍ تِجَارِيَّةٍ بَاعَهَا، وَبَعْضُهَا يُزَكَّى لِحَوْلٍ مِنْ أَصْلِهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ قَبْضِهِ وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْمَدِينِ سِنِينَ، وَهُوَ مَا أَقْرَضَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ نَقْدٍ، وَكَذَا ثَمَنُ بِضَاعَةٍ بَاعَهَا مُحْتَكِرٌ، وَبَعْضُ الدُّيُونِ لاَ زَكَاةَ فِيهِ، وَهُوَ مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنْ نَحْوِ هِبَةٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ عِوَضِ جِنَايَةٍ. (٢)
٢٢ - وَأَمَّا الدَّيْنُ غَيْرُ الْمَرْجُوِّ الأَْدَاءِ، فَهُوَ مَا كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ جَاحِدٍ أَوْ مُمَاطِلٍ، وَفِيهِ مَذَاهِبُ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْل قَتَادَةَ وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلٌ مُقَابِلٌ لِلأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ تَمَامِ الْمِلْكِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ هُوَ الأَْظْهَرُ: أَنَّهُ يُزَكِّيهِ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي الدَّيْنِ الْمَظْنُونِ " إِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُزَكِّهِ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ يُزَكِّيهِ إِذَا قَبَضَهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الْمَدِينِ
_________
(١) المغني ٣ / ٤٦، وشرح المنهاج ٢ / ٤٠.
(٢) الدسوقي ١ / ٤٦٦، والزرقاني ٢ / ١٥١، بيروت، دار الفكر، عن طبعة القاهرة.
أَعْوَامًا. وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ وَاللَّيْثِ، وَالأَْوْزَاعِيِّ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَا كَانَ مِنَ الدَّيْنِ مَاشِيَةً فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الزَّكَاةِ فِي الْمَاشِيَةِ عِنْدَهُمُ السَّوْمُ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لاَ يَتَّصِفُ بِالسَّوْمِ. (١)
الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل:
٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ قَبْضِهِ فِي الْحَال فَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ إِذَا قَبَضَهُ عَنْ جَمِيعِ السَّنَوَاتِ السَّابِقَةِ.
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ زَكَاتِهِ عِنْدَ الْحَوْل وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ. (٢)
وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤَجَّل وَالْحَال.
أَقْسَامُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
٢٤ - ذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ الدُّيُونَ كُلَّهَا نَوْعٌ وَاحِدٌ، فَكُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا مِنْهَا زَكَّاهُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ نِصَابًا أَوْ بَلَغَ بِضَمِّهِ إِلَى مَا عِنْدَهُ نِصَابًا.
_________
(١) المغني ٣ / ٤٦، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢٠ / ٤٠، والدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٦.
(٢) المغني ٣ / ٤٧، وشرح المنهاج ٢ / ٤٠.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: الدَّيْنُ الْقَوِيُّ: وَهُوَ مَا كَانَ بَدَل مَالٍ زَكَوِيٍّ، كَقَرْضِ نَقْدٍ، أَوْ ثَمَنِ مَال سَائِمَةٍ، أَوْ عَرَضِ تِجَارَةٍ. فَهَذَا كُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا مِنْهُ زَكَّاهُ وَلَوْ قَلِيلًا (مَعَ مُلاَحَظَةِ مَذْهَبِهِ فِي الْوَقْصِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَلاَ زَكَاةَ فِي الْمَقْبُوضِ مِنْ دَيْنِ دَرَاهِمَ مَثَلًا إِلاَّ إِذَا بَلَغَتْ ٤٠ دِرْهَمًا وَيَكُونُ فِيهَا دِرْهَمٌ) وَحَوْلُهُ حَوْل أَصْلِهِ؛ لأَِنَّ أَصْلَهُ زَكَوِيٌّ فَيُبْنَى عَلَى حَوْل أَصْلِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
الثَّانِي: الدَّيْنُ الضَّعِيفُ: وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَنَ مَبِيعٍ وَلاَ بَدَلًا لِقَرْضِ نَقْدٍ، وَمِثَالُهُ الْمَهْرُ وَالدِّيَةُ وَبَدَل الْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ، فَهَذَا مَتَى قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ غَيْرُهُ قَدِ انْعَقَدَ حَوْلُهُ يُزَكِّيهِ مَعَهُ كَالْمَال الْمُسْتَفَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهِ نِصَابٌ فَإِنَّهُ لاَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِلاَّ إِذَا قَبَضَ مِنْهُ نِصَابًا وَحَال عَلَيْهِ الْحَوْل عِنْدَهُ مُنْذُ قَبْضِهِ؛ لأَِنَّهُ بِقَبْضِهِ أَصْبَحَ مَالًا زَكَوِيًّا.
الثَّالِثُ: الدَّيْنُ الْمُتَوَسِّطُ: وَهُوَ مَا كَانَ ثَمَنَ عَرَضِ قُنْيَةٍ مِمَّا لاَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَثَمَنِ دَارِهِ أَوْ مَتَاعِهِ الْمُسْتَغْرَقِ بِالْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ.
فَفِي رِوَايَةٍ، يُعْتَبَرُ مَالًا زَكَوِيًّا مِنْ حِينِ بَاعَ مَا بَاعَهُ فَتَثْبُتُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى مِنَ الْوَقْتِ، وَلاَ يَجِبُ الأَْدَاءُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَتِمَّ مَا يَقْبِضُهُ مِنْهُ نِصَابًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لاَ يَبْتَدِئُ حَوْلُهُ إِلاَّ