الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 23

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

قِيَامِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِهِ فِي حَالَةٍ، وَانْتِفَاؤُهُ بِانْتِفَائِهِ، وَزَائِدٌ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِدُونِهِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، فَالصَّلاَةُ مَاهِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَهَا الشَّارِعُ تَارَةً بِأَرْكَانٍ وَأُخْرَى بِأَقَل مِنْهَا. ثُمَّ إِنَّ اعْتِبَارَ الْقِرَاءَةِ، وَالْقُعُودِ الأَْخِيرِ رُكْنَيْنِ زَائِدَيْنِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحَل خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ. أَمَّا الْقِرَاءَةُ فَالأَْكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا رُكْنٌ زَائِدٌ.

كَمَا انْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِتَقْسِيمِ الرُّكْنِ فِي الصَّلاَةِ إِلَى رُكْنٍ طَوِيلٍ وَرُكْنٍ قَصِيرٍ، فَالْقَصِيرُ عِنْدَهُمْ رُكْنَانِ: الاِعْتِدَال بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَمَا عَدَاهُمَا طَوِيلٌ.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَطْوِيل الرُّكْنِ الْقَصِيرِ عَمْدًا بِسُكُوتٍ أَوْ ذِكْرٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ يُبْطِل الصَّلاَةَ؛ لأَِنَّ تَطْوِيلَهُ تَغْيِيرٌ لِوَضْعِهِ، وَيُخِل بِالْمُوَالاَةِ؛ وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ بَل لِلْفَصْل بَيْنَ الأَْرْكَانِ، وَأَمَّا تَطْوِيلُهُ سَهْوًا فَلاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.

وَمِقْدَارُ التَّطْوِيل عِنْدَهُمْ أَنْ يُلْحَقَ الاِعْتِدَال بَعْدَ الرُّكُوعِ بِالْقِيَامِ لِلْقِرَاءَةِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، وَالْمُرَادُ قِرَاءَةُ الْوَاجِبِ فَقَطْ لاَ قِرَاءَتُهُ مَعَ الْمَنْدُوبِ أَيِ الْفَاتِحَةِ وَأَقَل التَّشَهُّدِ (١) .

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ١١٣ دار الكتاب العربي، حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٠ دار إحياء التراث العربي، تيسير التحرير ٢ / ١٢٩، مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٠ هـ، ونهاية المحتاج ٢ / ٧١ ط مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م - ١٣٨٦ هـ، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٦ دار إحياء التراث العربي.

أَقَل الرُّكْنِ وَأَكْمَلُهُ:

١٤ - قَدْ يَكُونُ لِلرُّكْنِ كَيْفِيَّتَانِ يَتَحَقَّقُ بِهِمَا، إِحْدَاهُمَا: كَيْفِيَّةُ الإِْجْزَاءِ وَيُطْلِقُ عَلَيْهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَالشَّافِعِيَّةِ أَقَل الرُّكْنِ، وَالثَّانِيَةُ: كَيْفِيَّةُ الْكَمَال، وَهِيَ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي تُوَافِقُ السُّنَّةَ.

وَمِنْ تِلْكَ الأَْرْكَانِ فِي بَابِ الصَّلاَةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، فَيَنُصُّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لَهُمَا كَيْفِيَّتَيْنِ فَأَقَل الرُّكُوعِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ مِنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَنْحَنِيَ حَتَّى تَقْتَرِبَ فِيهِ رَاحَتَا كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ خَفْضُ الرَّأْسِ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا﴾، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ الاِقْتِصَارِ عَلَى الأَْقَل. وَأَكْمَل الرُّكُوعِ أَنْ يُسَوِّيَ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ، وَيُمَكِّنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ مُفَرِّقًا أَصَابِعَهُ وَنَاصِبًا لِرُكْبَتَيْهِ. وَأَقَل السُّجُودِ مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلاَّهُ، وَهُنَاكَ خِلاَفٌ فِي بَقِيَّةِ الأَْعْضَاءِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا: (رُكُوع، سُجُود) .

وَأَكْمَل السُّجُودِ أَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَنْشُرَ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ، وَيُفَرِّقَ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعَ

بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَهَذَا فِي الرَّجُل. أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ (١) .

وَفِي بَابِ الْحَجِّ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَأَقَلُّهُ أَنْ يَحْصُل بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ وَلَوْ لَحْظَةً، وَلَوْ مَارًّا بِهَا، أَوْ نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا، فَمَنْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ اللَّحْظَةُ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ صَارَ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ الْفَسَادُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ زَوَال يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَمِنَ الْغُرُوبِ إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ مَالِكٍ، فَالرُّكْنُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الاِسْتِقْرَارُ لَحْظَةً فِي عَرَفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، أَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَال فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ.

وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ لِفِعْلِهِ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ (٢) .

وَقَدْ عَدَّ الْحَنَابِلَةُ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ وَاجِبًا يَجِبُ فِي تَرْكِهِ دَمٌ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٠ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ١ / ٢٣٩ دار الفكر، مواهب الجليل ١ / ٥١٩، ٥٢٠ دار الفكر، مغني المحتاج ١ / ١٦٤، ١٦٨، ١٧٠ دار إحياء التراث العربي، شرح روض الطالب ١ / ١٥٦، ١٦٠ وما بعدها المكتبة الإسلامية، كشاف القناع ١ / ٣٤٧، ٣٥٠ عالم الكتب.

(٢) حديث: " لتأخذوا مناسككم ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣ - الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَكُونُ الْجَمْعُ وَاجِبًا فِيمَا إِذَا وَقَفَ نَهَارًا، أَمَّا إِذَا وَقَفَ لَيْلًا فَلاَ وَاجِبَ عَلَيْهِ.

وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ إِرَاقَةَ الدَّمِ حِينَئِذٍ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ (١) .

تَرْكُ الرُّكْنِ وَتَكْرَارُهُ:

١٥ - لِتَرْكِ الرُّكْنِ آثَارٌ وَصُوَرٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ كَيْفِيَّةِ التَّرْكِ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَفِي كُل حَالَةٍ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مَظَانِّهِ مِنَ الْمَوْسُوعَةِ. كَمَا أَنَّ تَكْرَارَ الرُّكْنِ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَى التَّرْكِ مَعَ ضَوَابِطَ وَتَفْصِيلاَتٍ تُنْظَرُ فِي مَظَانِّهَا.

تَرْكُ الرُّكْنِ فِي الْعُقُودِ:

١٦ - تَرْكُ الرُّكْنِ فِي الْعُقُودِ يُوجِبُ بُطْلاَنَهَا، وَذَلِكَ لاِنْعِدَامِ الأُْمُورِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا لِيَتَحَقَّقَ الْعَقْدُ فِي الْخَارِجِ.

فَمَنْ تَرَكَ الإِْيجَابَ أَوِ الْقَبُول فِي جَمِيعِ صُوَرِهِمَا فِي أَيِّ عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ فَعَقْدُهُ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ كَمَنْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ وَلَمْ

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٣٧٣ دار إحياء التراث العربي، الفتاوى الهندية ١ / ٢٢٩ المطبعة الأميرية ببولاق الطبعة الثانية، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٦ دار الفكر، مغني المحتاج ١ / ٤٩٨ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٢ / ٤٩٤ عالم الكتب.

يَقَعْ عَلَى سَبِيل التَّعَاطِي فَيَكُونُ بَيْعُهُ حِينَئِذٍ بَاطِلًا (١) .

ثُمَّ إِنْ تَخَلَّفَ الرُّكْنُ فِي الْعُقُودِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَدْخُل فِي حَالَةِ الْبُطْلاَنِ، وَاَلَّتِي يُفَرِّقُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَالَةِ الْفَسَادِ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (بُطْلاَن (٢» .

وَأَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بُطْلاَنِ الْعُقُودِ فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (بُطْلاَن (٣» .

الرُّكْنُ بِمَعْنَى جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ الْمَحْسُوسَةِ:

اسْتِلاَمُ الأَْرْكَانِ فِي الطَّوَافِ:

١٧ - اسْتَحَبَّ الْفُقَهَاءُ اسْتِلاَمَ رُكْنَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ.

الأَْوَّل: الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ، وَيُسَنُّ تَقْبِيلُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ اسْتَقْبَل النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَرَ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَال: يَا عُمَرُ، هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ (٤) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥، ٩٩، حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٣ ط مصطفى الحلبي، شرح المحلي بهامش قليوبي وعميرة ٢ / ١٥٢ ط عيسى البابي الحلبي، حاشية الجمل ٣ / ٥ ط دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٣ / ١٤٦ ط عالم الكتب.

(٢) الموسوعة الفقهية ٨ / ١١٠.

(٣) الموسوعة الفقهية ٨ / ١١٩.

(٤) حديث: " يا عمر، هاهنا تسكب العبرات ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٨٢ - ط الحلبي)، وضعف إسناده البوصيري كما في مصباح الزجاجة (٢ / ١٣٤ - ط دار الجنان) .

وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، وَقَال: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (١) .

وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنْ تَكُونَ الْقُبْلَةُ بِلاَ صَوْتٍ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الصَّوْتِ بِالتَّقْبِيل قَوْلاَنِ: الْكَرَاهَةُ وَالإِْبَاحَةُ. قَال الشَّيْخُ الْحَطَّابُ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ زَرُّوقٍ فِي شَرْحِ الإِْرْشَادِ: وَرَجَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْجَوَازَ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ دُسُوقِيٌّ عَنِ الْحَطَّابِ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهِ.

قَال الْحَنَابِلَةُ: فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنْكَرَ الإِْمَامُ مَالِكٌ وَضْعَ الْخَدَّيْنِ عَلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، قَال فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ بِدْعَةٌ، قَال الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّجُودَ وَتَمْرِيغَ الْوَجْهِ عَلَيْهِ، قَال الْحَطَّابُ: قَال بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَكَانَ مَالِكٌ يَفْعَلُهُ إِذَا خَلاَ بِهِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْبِيل وَالسُّجُودُ ثَلاَثًا. فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَقْبِيلِهِ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّل يَدَهُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّل يَدَهُ (٢) . وَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نَافِعٍ قَال: رَأَيْتُ

_________

(١) حديث عابس بن ربيعة: " في تقبيل عمر للحجر ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٦٢ - ط السلفية) .

(٢) حديث ابن عمر: " أن النبي ﷺ استلم الحجر الأسود وقبل يده. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٩٢٤ - ط الحلبي) .

ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّل يَدَهُ. وَقَال: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ (١) وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُقَبِّل يَدَهُ بَل يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُقَبِّل يَدَهُ كَمَا يُقَبِّل الْحَجَرَ، وَالأَْوَّل هُوَ الْمَشْهُورُ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ التَّقْبِيل فِي الْحَجَرِ تَعَبُّدٌ وَلَيْسَتِ الْيَدُ بِالْحَجَرِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَيُسَنُّ أَنْ تَكُونَ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَبِّلُهَا أَوْ يَضَعُ إِحْدَاهُمَا، وَالأَْوْلَى أَنْ تَكُونَ الْيُمْنَى لأَِنَّهَا الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا فِيهِ شَرَفٌ.

فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنِ اسْتِلاَمِهِ بِيَدِهِ اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ كَعَصًا، ثُمَّ يُقَبِّل مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢) وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَضَعُ الْعَصَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ.

١٨ - فَإِنْ عَجَزَ عَنْ كُل ذَلِكَ لِشِدَّةِ الزِّحَامِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ شَيْءٍ فِيهَا مِنْ بَعِيدٍ وَلاَ يُزَاحِمُ النَّاسَ فَيُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَال لِعُمَرَ: يَا عُمَرُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لاَ تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ

_________

(١) حديث نافع قال: " رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٢٤ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم ". أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٢٥١ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٧٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّل وَكَبِّرْ (١) . وَلأَِنَّ الاِسْتِلاَمَ سُنَّةٌ، وَإِيذَاءُ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ أَوْلَى مِنَ الإِْتْيَانِ بِالسُّنَّةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ (٢) . قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشِيرُ إِلَيْهِ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ كَأَنَّهُ وَاضِعُهَا عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ وَيَجْعَل بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ مُشِيرًا بِهِمَا إِلَيْهِ وَظَاهِرَهُمَا نَحْوَ وَجْهِهِ، وَصَرَّحُوا بِتَقْبِيل كَفَّيْهِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي التَّقْبِيل كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ إِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِتَقْبِيل مَا أَشَارَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الإِْشَارَةُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا. وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يُقَبِّل الْمُشَارَ بِهِ قَالُوا: لِعَدَمِ وُرُودِهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ اسْتِلاَمُهُ يُكَبِّرُ فَقَطْ إِذَا حَاذَاهُ مِنْ غَيْرِ إِشَارَةٍ بِيَدِهِ وَلاَ رَفْعٍ، وَصِفَةُ الاِسْتِلاَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الْحَجَرِ وَيَضَعَ فَمَه بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيُقَبِّلَهُ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ

_________

(١) حديث: " يا عمر إنك رجل قوي ". أخرجه أحمد (١ / ٢٨ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٢٤١ - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد وفيه راو لم يسم " وبين الشافعي في روايته لهذا الحديث أن المبهم هو عبد الرحمن بن نافع بن الحارث، وهذا لم يسمع من عمر بن الخطاب ففيه انقطاع، لكن رواه البيهقي بإسناد آخر عن سعيد بن المسيب مرسلًا، فهو مما يقوي هذا الطريق، يراجع سنن البيهقي (٥ / ٨٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٢) حديث ابن عباس: " طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير كلما أتى. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٧٦ - ط السلفية) .

أَنْ يَلْمِسَهُ بِيَدِهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ.

الثَّانِي: الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ، فَيُسَنُّ اسْتِلاَمُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فِي الطَّوَافِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لاَ يَسْتَلِمُ إِلاَّ الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ (١) .

وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَقْبِيلُهُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُقَبِّل مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ.

وَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنِ اسْتِلاَمِهِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: لأَِنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ لِتَرَتُّبِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ فِي الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ فَكَذَا هُنَا، وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنَّهُ يُقَبِّل مَا أَشَارَ بِهِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهُوَ كَذَلِكَ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشِيرُ عِنْدَ الزِّحَامِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ إِذَا حَاذَاهُ.

١٩ - وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَحْكَامِ اسْتِلاَمِ الرُّكْنَيْنِ يُرَاعَى فِي كُل طَوْفَةٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لاَ يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ الأَْسْوَدَ فِي كُل طَوْفَةٍ (٢) . وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَأَمَّا اسْتِلاَمُ الرُّكْنَيْنِ

_________

(١) حديث ابن عمر: " أنه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٢٤ - ط الحلبي) .

(٢) حديث ابن عمر: " أنه ﷺ كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني في كل طوفة ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٤٠ - ٤٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .

الآْخَرَيْنِ - الشَّامِيِّ وَالْعِرَاقِيِّ - فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي الْجُمْلَةِ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَلاَ يَسْتَلِمُ وَلاَ يُقَبِّل الرُّكْنَيْنِ الآْخَرَيْنِ، لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ (١) .

وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِكَرَاهَةِ اسْتِلاَمِ الرُّكْنَيْنِ الْعِرَاقِيِّ وَالشَّامِيِّ - وَهِيَ كَرَاهَةٌ تَنْزِيهِيَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - قَالُوا: لأَِنَّهُمَا لَيْسَا رُكْنَيْنِ حَقِيقَةً بَل مِنْ وَسَطِ الْبَيْتِ؛ لأَِنَّ بَعْضَ الْحَطِيمِ مِنَ الْبَيْتِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُسَنُّ اسْتِلاَمُ الرُّكْنَيْنِ وَلاَ تَقْبِيلُهُمَا. قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ تَقْبِيل الأَْرْكَانِ الثَّلاَثَةِ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ كَوْنِهِ سُنَّةً، فَلَوْ قَبَّلَهُنَّ أَوْ غَيْرَهُنَّ مِنَ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا وَلاَ خِلاَفَ الأَْوْلَى، بَل يَكُونُ حَسَنًا، كَمَا نَقَلَهُ فِي الاِسْتِقْصَاءِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَال: وَأَيُّ الْبَيْتِ قَبَّل فَحَسَنٌ غَيْرَ أَنَّا نُؤْمَرُ بِالاِتِّبَاعِ. قَال الإِْسْنَوِيُّ: فَتَفَطَّنْ لَهُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ.

٢٠ - وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلاَفِ الأَْرْكَانِ فِي هَذِهِ الأَْحْكَامِ أَنَّ الرُّكْنَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ فِيهِ فَضِيلَتَانِ: كَوْنُ الْحَجَرِ فِيهِ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَالْيَمَانِيُّ فِيهِ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇.

_________

(١) حديث ابن عمر: " لم أر النبي ﷺ يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٧٣ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٢٤ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.