الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
وَتَرَشَّاهُ: لاَيَنَهُ، كَمَا يُصَانَعُ الْحَاكِمُ بِالرِّشْوَةِ
- وَاسْتَرْشَى: طَلَبَ رِشْوَةً
- وَالرَّاشِي: مَنْ يُعْطِي الَّذِي يُعِينُهُ عَلَى الْبَاطِل.
- وَالْمُرْتَشِي: الآْخِذُ
- وَالرَّائِشُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمَا يَسْتَزِيدُ لِهَذَا، وَيَسْتَنْقِصُ لِهَذَا.
وَقَدْ تُسَمَّى الرِّشْوَةُ الْبِرْطِيل وَجَمْعُهُ بَرَاطِيل.
قَال الْمُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْبِرْطِيل بِمَعْنَى الرِّشْوَةِ، هَل هُوَ عَرَبِيٌّ أَوْ لاَ؟ .
وَفِي الْمَثَل: الْبَرَاطِيل تَنْصُرُ الأَْبَاطِيل (١) .
وَالرِّشْوَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يُعْطَى لإِبْطَال حَقٍّ، أَوْ لإِحْقَاقِ بَاطِلٍ (٢) .
وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التَّعْرِيفِ اللُّغَوِيِّ، حَيْثُ قُيِّدَ بِمَا أُعْطِيَ لإِحْقَاقِ الْبَاطِل، أَوْ إِبْطَال الْحَقِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُصَانَعَةُ:
٢ - الْمُصَانَعَةُ: أَنْ تَصْنَعَ لِغَيْرِكَ شَيْئًا لِيَصْنَعَ لَكَ آخَرَ مُقَابِلَهُ، وَكِنَايَةٌ عَنِ الرِّشْوَةِ، وَفِي الْمَثَل: مَنْ صَانَعَ بِالْمَال لَمْ يَحْتَشِمْ مِنْ طَلَبِ الْحَاجَةِ (٣) .
_________
(١) التعريفات ١٤٨ - دار الكتاب العربي، الرهوني على الزرقاني ٧ / ٢٩٤ - بولاق، الباجوري على ابن القاسم ٢ / ٣٤٣ - مصطفى البابي.
(٢) تاج العروس، المعجم الوسيط، حاشية الطحطاوي على الدر ٣ / ١٧٧.
(٣) لسان العرب، المصباح، المعجم الوسيط.
ب - السُّحْتُ - بِضَمِّ السِّينِ:
٣ - أَصْلُهُ مِنَ السَّحْتِ - بِفَتْحِ السِّينِ - وَهُوَ الإِْهْلاَكُ وَالاِسْتِئْصَال، وَالسُّحْتُ: الْحَرَامُ الَّذِي لاَ يَحِل كَسْبُهُ؛ لأَِنَّهُ يَسْحَتُ الْبَرَكَةَ أَيْ: يُذْهِبُهَا.
وَسُمِّيَتِ الرِّشْوَةُ سُحْتًا (١) . وَقَدْ سَارَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ (٢) .
لَكِنَّ السُّحْتَ أَعَمُّ مِنَ الرِّشْوَةِ، لأَِنَّ السُّحْتَ كُل حَرَامٍ لاَ يَحِل كَسْبُهُ.
ج - الْهَدِيَّةُ:
٤ - مَا أَتْحَفْتَ بِهِ غَيْرَكَ، أَوْ مَا بَعَثْتَ بِهِ لِلرَّجُل عَلَى سَبِيل الإِْكْرَامِ، وَالْجَمْعُ هَدَايَا وَهَدَاوَى - وَهِيَ لُغَةُ أَهْل الْمَدِينَةِ -
يُقَال: أَهْدَيْتُ لَهُ وَإِلَيْهِ، وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ (٣)﴾ .
قَال الرَّاغِبُ: وَالْهَدِيَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِاللُّطْفِ، الَّذِي يُهْدِي بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، وَالْمِهْدَى: الطَّبَقُ الَّذِي يُهْدَى عَلَيْهِ.
وَالْمِهْدَاءُ: مَنْ يُكْثِرُ إِهْدَاءَ الْهَدِيَّةِ (٤) .
وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ الرِّشْوَةُ هِيَ: مَا يُعْطَى بَعْدَ الطَّلَبِ، وَالْهَدِيَّةُ قَبْلَهُ (٥) .
_________
(١) النهاية ٢ / ٣٤٥، المفردات ٢٢٥، المصباح.
(٢) المقنع ٣ / ٦١١ - السلفية.
(٣) سورة النمل / ٣٥.
(٤) لسان العرب، المصباح، المعجم الوسيط والمفردات ٥٤١
(٥) كشاف القناع ٢ / ٢٧٨.
د - الْهِبَةُ:
٥ - الْهِبَةُ فِي اللُّغَةِ الْعَطِيَّةُ بِلاَ عِوَضٍ (١) .
قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الْهِبَةُ: الْعَطِيَّةُ الْخَالِيَةُ عَنِ الأَْعْوَاضِ وَالأَْغْرَاضِ، فَإِذَا كَثُرَتْ سُمِّيَ صَاحِبُهَا وَهَّابًا (٢) .
وَاتَّهَبْتُ الْهِبَةَ: قَبِلْتُهَا، وَاسْتَوْهَبْتُهَا: سَأَلْتُهَا، وَتَوَاهَبُوا: وَهَبَ بَعْضُهُمُ الْبَعْضَ (٣) .
وَاصْطِلاَحًا: إِذَا أُطْلِقَتْ هِيَ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ حَال الْحَيَاةِ بِلاَ عِوَضٍ. وَقَدْ تَكُونُ بِعِوَضٍ فَتُسَمَّى هِبَةَ الثَّوَابِ (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالْهِبَةِ، أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِيصَالًا لِلنَّفْعِ إِلَى الْغَيْرِ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الْعِوَضِ ظَاهِرًا فِي الْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الرِّشْوَةِ يَنْتَظِرُ النَّفْعَ، وَهُوَ عِوَضٌ.
و الصَّدَقَةُ:
٦ - مَا يُخْرِجُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ كَالزَّكَاةِ، لَكِنِ الصَّدَقَةُ فِي الأَْصْل تُقَال لِلْمُتَطَوَّعِ بِهِ، وَالزَّكَاةُ لِلْوَاجِبِ، وَقَدْ يُسَمَّى الْوَاجِبُ صَدَقَةً، إِذَا تَحَرَّى صَاحِبُهَا الصِّدْقَ فِي فِعْلِهِ (٥) .
_________
(١) المصباح المغرب ٤٩٦ - دار الكتاب العربي.
(٢) النهاية ٥ / ٢٣١.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) نيل المآرب ٢ / ٩، ابن عابدين ٤ / ٥٠٨، والمغني ٥ / ٦٨٤، ٦٨٥، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ٣٧٣
(٥) المفردات ٢٧٨، التعريفات ١٧٤
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ وَالْعَطِيَّةُ مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَكُلُّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَاسْمُ الْعَطِيَّةِ شَامِلٌ لِجَمِيعِهَا (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالصَّدَقَةِ: أَنَّ الصَّدَقَةَ تُدْفَعُ طَلَبًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فِي حِينِ أَنَّ الرِّشْوَةَ تُدْفَعُ لِنَيْل غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ عَاجِلٍ.
أَحْكَامُ الرِّشْوَةِ:
٧ - الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَرِشْوَةُ الْمَسْئُول عَنْ عَمَلٍ حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ (٢)﴾، قَال الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الرِّشْوَةُ.
وَقَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَال النَّاسِ بِالإِْثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ .
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَال: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ " وَالرَّائِشَ (٤) ".
_________
(١) المغني ٥ / ٦٤٩.
(٢) سورة المائدة / ٤٢.
(٣) سورة البقرة / ١٨٨.
(٤) حديث عبد الله بن عمرو: " لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي " أخرجه الترمذي (٣ / ٦١٤ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح " وأخرجه أحمد (٥ / ٢٧٩ - ط الميمنية) من حديث ثوبان وفيها زيادة: " والرائش ".
وَيَحْرُمُ طَلَبُ الرِّشْوَةِ، وَبَذْلُهَا، وَقَبُولُهَا، كَمَا يَحْرُمُ عَمَل الْوَسِيطِ بَيْنَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي (١) .
غَيْرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - أَنْ يَدْفَعَ رِشْوَةً لِلْحُصُول عَلَى حَقٍّ، أَوْ لِدَفْعِ ظُلْمٍ أَوْ ضَرَرٍ، وَيَكُونُ الإِْثْمُ عَلَى الْمُرْتَشِي دُونَ الرَّاشِي (٢) .
قَال أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُل عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِالرِّشْوَةِ (٣) .
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَال: إِذَا عَجَزْتَ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَاسْتَعَنْتَ عَلَى ذَلِكَ بِوَالٍ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَثِمَ دُونَكَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ زَوْجَةً يُسْتَبَاحُ فَرْجُهَا، بَل يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْكَ؛ لأَِنَّ مَفْسَدَةَ الْوَالِي أَخَفُّ مِنْ مَفْسَدَةِ الزِّنَا وَالْغَصْبِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعَانَتُكَ بِالأَْجْنَادِ يَأْثَمُونَ وَلاَ تَأْثَمُ، وَكَذَلِكَ فِي غَصْبِ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا، وَحُجَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّادِرَ مِنَ الْمُعِينِ عِصْيَانٌ لاَ مَفْسَدَةَ فِيهِ، وَالْجَحْدَ وَالْغَصْبَ عِصْيَانٌ وَمَفْسَدَةٌ، وَقَدْ جَوَّزَ الشَّارِعُ الاِسْتِعَانَةَ بِالْمَفْسَدَةِ - لاَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَفْسَدَةٌ - عَلَى دَرْءِ
_________
(١) المغني ٩ / ٧٨، كشاف القناع ٦ / ٣١٦، الزواجر ٢ / ١٨٨، الكبائر للذهبي ١٤٢، نهاية المحتاج ٨ / ٢٤٣، نيل الأوطار ٨ / ٢٧٧، ابن عابدين ٤ / ٣٠٣، مواهب الجليل ٦ / ١٢٠، المحلى ٩ / ١٣١، ١٥٧
(٢) كشاف القناع ٦ / ٣١٦، نهاية المحتاج ٨ / ٢٤٣، القرطبي ٦ / ١٨٣، ابن عابدين ٤ / ٣٠٤، الحطاب ٦ / ١٢١، المحلى ٩ / ١٥٧، مطالب أولي النهى ٦ / ٤٧٩.
(٣) القرطبي ٦ / ١٨٣.
مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا، كَفِدَاءِ الأَْسِيرِ، فَإِنَّ أَخْذَ الْكُفَّارِ لِمَالِنَا حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ مَفْسَدَةُ إِضَاعَةِ الْمَال، فَمَا لاَ مَفْسَدَةَ فِيهِ أَوْلَى أَنْ يُجَوَّزَ.
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ يَسِيرًا نَحْوَ كِسْرَةٍ وَتَمْرَةٍ، حُرِّمَتْ الاِسْتِعَانَةُ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ لاَ يُبَاحُ بِالْيَسِيرِ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الأَْثَرِ بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ بِالْحَبَشَةِ فَرَشَا بِدِينَارَيْنِ، حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ. وَقَال: إِنَّ الإِْثْمَ عَلَى الْقَابِضِ دُونَ الدَّافِعِ (٢) .
وَعَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ: لاَ بَأْسَ بِأَنْ يُصَانِعَ الرَّجُل عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ إِذَا خَافَ الظُّلْمَ (٣) .
أَقْسَامُ الرِّشْوَةِ:
٨ - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الرِّشْوَةَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا:
أ - الرِّشْوَةُ عَلَى تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ وَالإِْمَارَةِ وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الآْخِذِ وَالْمُعْطِي.
ب - ارْتِشَاءُ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ، وَهُوَ كَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الآْخِذِ وَالْمُعْطِي، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ بِحَقٍّ؛ لأَِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
ج - أَخْذُ الْمَال لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، دَفْعًا
_________
(١) حاشية الرهوني ٧ / ٣١٣.
(٢) القرطبي ٦ / ١٨٤.
(٣) كشاف القناع ٦ / ٣١٦.
لِلضَّرَرِ أَوْ جَلْبًا لِلنَّفْعِ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الآْخِذِ فَقَطْ.
د - إِعْطَاءُ إِنْسَانٍ غَيْرِ مُوَظَّفٍ عِنْدَ الْقَاضِي أَوِ الْحَاكِمِ مَالًا لِيَقُومَ بِتَحْصِيل حَقِّهِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَحِل دَفْعُ ذَلِكَ وَأَخْذُهُ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ مُعَاوَنَةُ الإِْنْسَانِ لِلآْخَرِ بِدُونِ مَالٍ وَاجِبَةً، فَأَخْذُ الْمَال مُقَابِل الْمُعَاوَنَةِ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ بِمَثَابَةِ أُجْرَةٍ (١) .
حُكْمُ الرِّشْوَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَشِي:
أ - الإِْمَامُ وَالْوُلاَةُ:
٩ - قَال ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ الْهَدِيَّةِ إِلَى السُّلْطَانِ الأَْكْبَرِ، وَإِلَى الْقُضَاةِ وَالْعُمَّال وَجُبَاةِ الأَْمْوَال - وَيُقْصَدُ بِالْكَرَاهِيَةِ الْحُرْمَةُ -.
وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَل الْهَدِيَّةَ (٢)، وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَّقَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا، وَلَمَّا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَدِيَّةَ، قِيل لَهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُهَا، فَقَال: كَانَتْ لَهُ هَدِيَّةً، وَهِيَ لَنَا رِشْوَةٌ؛ لأَِنَّهُ كَانَ يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ لِنُبُوَّتِهِ
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٠٣، البحر الرائق ٦ / ٢٨٥، درر الحكام ٤ / ٥٣٦، شرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٢٥.
(٢) حديث: " كان يقبل الهدية " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٠٣ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٧٥٥ - ط الحلبي) من حديث أنس وعائشة.
لاَ لِوِلاَيَتِهِ، وَنَحْنُ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَيْنَا لِوِلاَيَتِنَا (١) .
يُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (إِمَامَة فِقْرَة ٢٨، ٢٩) .
ب - الْعُمَّال:
١٠ - وَحُكْمُ الرِّشْوَةِ إِلَى الْعُمَّال (الْوُلاَةِ) كَحُكْمِ الرِّشْوَةِ إِلَى الإِْمَامِ - كَمَا مَرَّ فِي كَلاَمِ ابْنِ حَبِيبٍ لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَدَايَا الأُْمَرَاءِ غُلُولٌ (٢) . وَلِحَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ (٣) .
قَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ تَعَزُّزَ الأَْمِيرِ وَمَنَعَتَهُ بِالْجُنْدِ وَبِالْمُسْلِمِينَ لاَ بِنَفْسِهِ، فَكَانَتِ الْهَدِيَّةُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ، فَإِذَا اسْتَبَدَّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ خِيَانَةً، بِخِلاَفِ هَدَايَا رَسُول اللَّهِ ﷺ؛ لأَِنَّ تَعَزُّزَهُ وَمَنَعَتَهُ كَانَتْ بِنَفْسِهِ لاَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَصَارَتِ الْهَدِيَّةُ لَهُ لاَ لِلْمُسْلِمِينَ (٤) .
ج - الْقَاضِي:
١١ - وَالرِّشْوَةُ إِلَى الْقَاضِي حَرَامٌ بِالإِْجْمَاعِ (٥) .
_________
(١) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك ١ / ٣٠.
(٢) حديث: " هدايا الأمراء غلول " أخرجه أحمد (٥ / ٤٢٤ ط. الميمنية) من حديث أبي حميد الساعدي، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٨٩ - ط شركة الطباعة الفنية)، ولكن له شواهد من أحاديث صحابة آخرين يتقوى بها، ذكر بعضها ابن حجر.
(٣) حديث ابن اللتبية. أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٢٠ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٤٦٣ ط الحلبي) من حديث أبي حميد الساعدي.
(٤) شرح أدب القاضي ٢ / ٤٤، وكشاف القناع ٢ / ٢٧٨.
(٥) فتاوى قاضي خان ٢ / ٣٦٣، الرهوني ٧ / ٣١٠، نهاية المحتاج ٨ / ٢٤٢، كشاف القناع ٦ / ٣١٦.
قَال الْجَصَّاصُ: وَلاَ خِلاَفَ فِي تَحْرِيمِ الرِّشَا عَلَى الأَْحْكَامِ؛ لأَِنَّهُ مِنَ السُّحْتِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَاتَّفَقَتِ الأُْمَّةُ عَلَيْهِ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي (١) .
قَال فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ (٢): وَيَحْرُمُ قَبُولُهُ هَدِيَّةً، وَاسْتِعَارَتُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَالْهَدِيَّةِ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ كَالأَْعْيَانِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ خَتَنَ وَلَدَهُ وَنَحْوُهُ فَأُهْدِيَ لَهُ، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهَا لِلْوَلَدِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى الرِّشْوَةِ، فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَالأَْوْلَى أَنَّهُ كَالْهَدِيَّةِ، وَفِي الْفُنُونِ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ (٣) .
وَهَدِيَّةُ الْقَاضِي فِيهَا تَفْصِيلٌ تُنْظَرُ فِي (هَدِيَّة، قَضَاء) .
د - الْمُفْتِي:
١٢ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُفْتِي قَبُول رِشْوَةٍ مِنْ أَحَدٍ لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ، وَلَهُ قَبُول هَدِيَّةٍ (٤) .
قَال ابْنُ عَرَفَةَ: قَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَا أُهْدِيَ لِلْمُفْتِي، إِنْ كَانَ يَنْشَطُ لِلْفُتْيَا أُهْدِيَ لَهُ أَمْ لاَ، فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَنْشَطُ إِذَا أُهْدِيَ
_________
(١) الجصاص ٢ / ٤٣٣ دار الفكر - بيروت.
(٢) كشاف القناع ٦ / ٣١٦، ٣١٧
(٣) درر الحكام ٤ / ٥٣٨، شرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٣٣، ٦٤، ينظر مراجع للشافعية وغيرهم ككتاب أدب القضاء للماوردي وابن أبي الدم.
(٤) الحطاب ٦ / ١٢١، الروضة ١١ / ١١١، أسنى المطالب ٤ / ٢٨٤، كشاف القناع ٦ / ٣٠١.
لَهُ فَلاَ يَأْخُذُهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ خُصُومَةٌ، وَالأَْحْسَنُ أَنْ لاَ يَقْبَل الْهَدِيَّةَ مِنْ صَاحِبِ الْفُتْيَا، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَيْشُونٍ وَكَانَ يَجْعَل ذَلِكَ رِشْوَةً (١) .
هـ - الْمُدَرِّسُ:
١٣ - إِنْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ تَحَبُّبًا وَتَوَدُّدًا لِعِلْمِهِ وَصَلاَحِهِ فَلاَ بَأْسَ بِقَبُولِهِ، وَإِنْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ لِيَقُومَ بِوَاجِبِهِ فَالأَْوْلَى عَدَمُ الأَْخْذِ (٢) .
و الشَّاهِدُ:
١٤ - وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّاهِدِ أَخْذُ الرِّشْوَةِ. وَإِذَا أَخَذَهَا سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ (٣) .
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (شَهَادَة) .
حُكْمُ الرِّشْوَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاشِي:
أ - الْحَاجُّ:
١٥ - لاَ يَلْزَمُ الْحَجُّ مَعَ الْخَفَارَةِ (٤)، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً؛ لأَِنَّهَا رِشْوَةٌ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ، وَقَال مَجْدُ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَحَفِيدُهُ تَقِيُّ
_________
(١) الحطاب ٦ / ١٢١.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣١١، نهاية المحتاج ٨ / ٢٤٣.
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون - بهامش فتح العلي ١ / ١٩٧، الحطاب ٦ / ١٢١، ١٧٥، المهذب ٢ / ٣٣٠، المغني ٩ / ٤٠، ١٦٠
(٤) الخفارة - مثلثة الخاء: اسم لجعل الخفير، والخفير هو الحارس والحامي (المطلع ١٦٢، كشاف القناع ٢ / ٣٩١) .