الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
النَّخَعِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَل الْحَمَّامَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (١) .
وَلاَ يُكْرَهُ ذِكْرُ اللَّهِ فِي الطَّرِيقِ (٢)، وَفِي الْحَدِيثِ مَا سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ ﷿ فِيهِ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِ تِرَةٌ (٣) . وَالأَْصْل فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْضِعِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْكَرَاهَةِ (٤) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) .
د - تَحَرِّي الأَْمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ:
٣١ - كَالْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٦) .
_________
(١) كشاف القناع ١ / ١٦٠، ومطالب أولي النهى ١ / ١٨٧، والفتوحات الربانية ١ / ١٤٦.
(٢) نزل الأبرار ص ٣٦٩، والفتوحات الربانية ١ / ١٤٦.
(٣) حديث: " ما سلك رجل طريقًا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة ". أخرجه أحمد (٢ / ٤٣٢ - ط الميمنية)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٩٣ - ط دار البيان) من حديث أبي هريرة، واللفظ لابن السني، وقال الهيثمي في المجمع (١٠: ٨٠): " رواه أحمد، وأبو إسحاق مولى عبد الله بن الحارث لم يوثقه أحد ولم يخرجه، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح ". والترة: النقص أو التبعة. النهاية. مادة: " وتر ".
(٤) الفتوحات الربانية ٦ / ١٧٦.
(٥) سورة الجمعة / ١٠.
(٦) سورة النور / ٣٦.
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (١) . وَمِنْهَا الْمَشَاعِرُ الْمُعَظَّمَةُ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) .
هـ - تَحَرِّي الأَْزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ:
٣٢ - وَذَلِكَ كَالْغُدُوِّ وَالآْصَال، وَأَطْرَافِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْمْرِ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِْبْكَارِ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ (٤) وَقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (٥) .
قِيل وَإِنَّمَا خَصَّ مِنَ النَّهَارِ الْبُكْرَةَ وَالْعَشِيَّ؛ لأَِنَّ الشُّغْل فِيهِمَا غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ.
قَال النَّوَوِيُّ: أَشْرَفُ أَوْقَاتِ الذِّكْرِ فِي النَّهَارِ الذِّكْرُ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، قَال ابْنُ عَلاَّنَ: إِنَّمَا فُضِّل الذِّكْرُ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِكَوْنِهِ تَشْهَدُهُ
_________
(١) الحديث تقدم تخريجه ف / ٣.
(٢) سورة البقرة / ١٩٨.
(٣) سورة غافر / ٥٥.
(٤) سورة طه / ١٣٠.
(٥) سورة الإنسان / ٢٥، ٢٦.
الْمَلاَئِكَةُ (١)، قَال تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٢) وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ (٣) وَمِنْ هُنَا كَرِهَ مَالِكٌ الْكَلاَمَ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لأَِجْل الاِنْشِغَال بِالذِّكْرِ وَيُكْرَهُ النَّوْمُ عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ (٤) .
وَمِنْ أَفْضَل مَوَاسِمِ الذِّكْرِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ. قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهَا، وَيُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ مَا لاَ يُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِهِ (٥) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٦) .
وَالأَْصْل أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَحَبٌّ فِي كُل وَقْتٍ، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَوْقَاتُ النَّهْيِ، بَل قَدْ نُقِل عَنِ الْغَزَالِيِّ فِي الإِْحْيَاءِ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ قَال: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَامَتْ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ،
_________
(١) الأذكار والفتوحات الربانية ٣ / ٦٣، ٧٤، ٧٥، ٧٦.
(٢) سورة الإسراء / ٧٨.
(٣) حديث: " من صلى الغداة في جماعة ". أخرجه الترمذي (٢ / ٤٨١ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، وقال: " حديث حسن غريب ".
(٤) مواهب الجليل ٢ / ٧٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٧، وجواهر الإكليل ١ / ٧٤.
(٥) الأذكار النووية والفتوحات الربانية ٤ / ٢٤٨.
(٦) سورة الحج / ٢٨.
فَيَنْبَغِي اسْتِعْمَالُهُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ لِمَكَانِ الْخِلاَفِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْحَطَّابُ (١) .
و الدُّعَاءُ بَعْدَ الأَْعْمَال الصَّالِحَةِ:
٣٣ - وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِكُمْ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ فِي الاِنْتِهَاءِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٤) وَقَال النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِي أَنْوَاعٍ مِنْهُ مُتَعَدِّدَةٍ (٥)، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٦) .
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٣١٤، والقليوبي ١ / ٢١٥.
(٢) سورة الجمعة / ١٠.
(٣) سورة النساء / ١٠٣.
(٤) سورة البقرة / ٢٠٠.
(٥) الفتوحات الربانية ٣ / ٢٧ - ٢٩.
(٦) حديث ابن عباس: " أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٢٤ - ٣٢٥ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٤١٠ - ط الحلبي) .
ز - تَجَنُّبُ الذِّكْرِ فِي أَحْوَالٍ مُعَيَّنَةٍ:
٣٤ - وَنَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:
١ - حَال قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
٢ - حَال الْجِمَاعِ. قَال ابْنُ عَلاَّنَ: الذِّكْرُ عِنْدَ نَفْسِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوِ الْجِمَاعِ لاَ يُكْرَهُ بِالْقَلْبِ بِالإِْجْمَاعِ. وَأَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ حِينَئِذٍ فَلَيْسَ مِمَّا شُرِعَ لَنَا وَلاَ نَدَبَنَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلاَ نُقِل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَل يَكْفِي فِي هَذِهِ الْحَال الْحَيَاءُ وَالْمُرَاقَبَةُ (١) .
أَمَّا عِنْدَ إِرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوِ الْجِمَاعِ فَهُنَاكَ أَذْكَارٌ مَأْثُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
٣ - حَال خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ يَسْمَعُ صَوْتَ الْخَطِيبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) وَلأَِنَّ الإِْنْصَاتَ إِلَى الْخُطْبَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٣) . وَمِثَالُهُ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيل (٤) . لَكِنْ إِنْ كَانَ لاَ يَسْمَعُ لِبُعْدِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مِنَ الْكَلاَمِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، قَال أَحْمَدُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ:
_________
(١) الفتوحات الربانية ١ / ١٤٣.
(٢) سورة الأعراف / ٢٠٤.
(٣) الفتوحات الربانية ١ / ١٤٤، والقليوبي ١ / ٢٨٠.
(٤) مواهب الجليل ٢ / ١٧٦، والدسوقي ١ / ٣٨٥، وجواهر الإكليل ١ / ٩٨، والزرقاني ٢ / ٦٣
وَرَخَّصَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ عَطَاءٌ وَسَعِيدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ. وَاحْتَجَّ لِهَذَا بِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ. . الْحَدِيثَ ". (١)
وَإِنْ كَانَ لِلذِّكْرِ سَبَبٌ كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلاَمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا كَتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ سَلاَمًا وَلاَ يُشَمِّتُ عَاطِسًا إِنْ كَانَ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ، وَيَفْعَلُهُ إِذَا لَمْ يَسْمَعْ (٢)، وَكَالتَّأْمِينِ عَلَى دُعَاءِ الْخَطِيبِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّعَوُّذِ عِنْدَ ذِكْرِ مَا يَسْتَدْعِيهِ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِهِ عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي أَنَّهُ يُسِرُّهُ أَوْ يَجْهَرُ بِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ عَطَسَ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ حَمِدَ اللَّهَ سِرًّا (٣) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَحِل التَّحْرِيمِ لِلذِّكْرِ
_________
(١) حديث: " يحضر الجمعة ثلاثة نفر ". أخرجه أبو داود (١ / ٦٦٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وإسناده حسن.
(٢) المغني ٢ / ٣٢٠ - ٣٢٤، والقليوبي على شرح المنهاج ١ / ٢٨٠.
(٣) مواهب الجليل ٢ / ١٧٦، والدسوقي ١ / ٣٨٥، وجواهر الإكليل ١ / ٩٨.
أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ هُوَ فِي حَالَةِ كَوْنِ الْخَطِيبِ فِي ذِكْرِ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ دُونَ مَا عَدَاهَا، فَلاَ يَحْرُمُ قَبْلَهَا وَلاَ بَيْنَهَا وَلاَ بَعْدَهَا وَلاَ يُكْرَهُ (١) .
ح - اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ:
٣٥ - مِنْ آدَابِ الذِّكْرِ اسْتِقْبَال الذَّاكِرِ الْقِبْلَةَ. قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا الْعَابِدُونَ لِلَّهِ ﷾ وَالدَّاعُونَ لَهُ وَالْمُتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ (٢) .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ لِكُل شَيْءٍ سَيِّدًا وَإِنَّ سَيِّدَ الْمَجَالِسِ قُبَالَةُ الْقِبْلَةِ (٣) .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ اسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ (٤) .
ط - الرَّغْبَةُ وَالْخُشُوعُ وَالتَّدَبُّرُ:
٣٦ - مِنْ آدَابِ الذِّكْرِ أَنْ يَجْلِسَ الذَّاكِرُ مُتَذَلِّلًا
_________
(١) القليوبي ١ / ٢٨٠.
(٢) تحفة الذاكرين ص ٣٤، ٣٥، الفتوحات الربانية ١ / ١٣٦.
(٣) حديث: " إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة ". أورده الهيثمي في المجمع (٨ / ٥٩ - ط القدسي)، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن ".
(٤) حديث: " لما أراد النبي ﷺ أن يدعو في الاستسقاء استقبل القبلة ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥١٥ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن زيد الأنصاري.
مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلَوْ ذَكَرَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الأَْحْوَال جَازَ وَلاَ كَرَاهَةَ، وَيَكُونُ تَارِكًا لِلأَْفْضَل. اهـ.
قَال ابْنُ عَلاَّنَ: قَوْلُهُ مُتَخَشِّعًا أَيْ ذَا خُشُوعٍ فِي الْبَاطِنِ وَلَوْ بِتَكَلُّفِهِ، وَقِيل الْخُشُوعُ فِي الْجَوَارِحِ وَالْخُضُوعُ فِي الْقَلْبِ (١) . وَمِمَّا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (٢) وَقَال ابْنُ كَثِيرٍ: أَيِ اذْكُرِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَبِالْقَوْل (٣) . وَقَال أَبُو حَيَّانَ: أَيْ يَذْكُرُهُ بِالْقَوْل الْخَفِيِّ الَّذِي يُشْعِرُ بِالتَّذَلُّل وَالْخُضُوعِ كَمَا يُنَاجِي الْمُلُوكَ (٤) .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الذَّاكِرُ مُتَدَبِّرًا مُتَعَقِّلًا لِمَا يَذْكُرُ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل وَذِكْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَإِنْ جَهِل شَيْئًا مِمَّا يَذْكُرُ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَبَيَّنَهُ وَلاَ يَحْرِصَ عَلَى تَحْصِيل الْكَثْرَةِ بِالْعَجَلَةِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَدَاءِ الذِّكْرِ مَعَ الْغَفْلَةِ وَهُوَ خِلاَفُ الْمَطْلُوبِ، وَقَلِيل الذِّكْرِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْهُ مَعَ الْجَهْل وَالْفُتُورِ.
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: التَّدَبُّرُ لِلذِّكْرِ أَكْمَل لأَِنَّ الذَّاكِرَ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُخَاطِبِ وَالْمُنَاجِي. ثُمَّ قَال: وَيَكُونُ أَجْرُهُ أَتَمَّ وَأَوْفَى، وَلاَ يُنَافِي ثُبُوتَ
_________
(١) الفتوحات الربانية ١ / ١٣٦، وتحفة الذاكرين ص ٣٦.
(٢) سورة الأعراف / ٢٠٥.
(٣) تفسير ابن كثير عند تفسير آخر سورة الأعراف.
(٤) الفتوحات الربانية ٣ / ٧٥.
مَا وَرَدَ الْوَعْدُ بِهِ مِنَ الأَْذْكَارِ لِمَنْ جَاءَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَدَبَّرْ مَعْنَاهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَقْيِيدُ مَا وَعَدَ بِهِ مِنْ ثَوَابِهَا بِالتَّدَبُّرِ وَالْفَهْمِ. وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ صِدِّيق حَسَن خَان (١) .
أَمَّا ابْنُ عَلاَّنَ فَقَال: نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ فَهْمِ مَعْنَى التَّهْلِيلَةِ، وَإِلاَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا صَاحِبُهَا فِي الإِْنْقَاذِ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، قَال: وَمِثْلُهَا بَاقِي الأَْذْكَارِ لاَ بُدَّ فِي حُصُول ثَوَابِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلَوْ بِوَجْهٍ (٢) .
ي - الْحِرْصُ عَلَى الذِّكْرِ فِي الْعُزْلَةِ وَالاِنْفِرَادِ عَنِ النَّاسِ:
٣٧ - الذِّكْرُ فِي حَال الْعُزْلَةِ عَنِ النَّاسِ وَالاِنْفِرَادِ عَنْهُمْ وَحَيْثُ لاَ يَعْلَمُ بِهِ إِلاَّ اللَّهُ تَعَالَى أَفْضَل مِنَ الذِّكْرِ فِي الْمَلأَِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْحَالَيْنِ فَضْلُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍَ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍَ خَيْرٍ مِنْهُمْ (٣) . قَال ابْنُ حَجَرٍ: " قَال بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الذِّكْرَ الْخَفِيَّ أَفْضَل مِنَ الذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ بِثَوَابٍ لاَ أُطْلِعُ عَلَيْهِ أَحَدًا (٤) . وَفِي
_________
(١) تحفة الذاكرين ص ٣٢، والفتوحات الربانية ١ / ١٤٨، ونزل الأبرار ص ١٠.
(٢) الفتوحات الربانية ١ / ١٤٨.
(٣) الحديث تقدم تخريجه في ف / ٣.
(٤) فتح الباري ١٣ / ٣٨٦.
الْحَدِيثِ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِل إِلاَّ ظِلُّهُ فَذَكَرَ مِنْهُمْ: وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلاَءٍ (١) قَال ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لأَِنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ (٢) .
وَسَيَأْتِي حُكْمُ الاِجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ (ف ٤٠) .
حُكْمُ إِخْفَاءِ الذِّكْرِ:
٣٨ - لاَ يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِمَّا رَتَّبَ الشَّارِعُ الأَْجْرَ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهِ مِنَ الأَْذْكَارِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِهِ الذَّاكِرُ وَيُسْمِعَ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ بِأَنَّ مَنْ قَال كَذَا كَانَ لَهُ مِنَ الأَْجْرِ كَذَا لاَ يَحْصُل لَهُ ذَلِكَ الأَْجْرُ إِلاَّ بِمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَى الْقَوْل، وَهُوَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالتَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ. وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِمُجَرَّدِ تَحْرِيكِ اللِّسَانِ بِغَيْرِ صَوْتٍ أَصْلًا بَل لاَ بُدَّ مِنْ صَوْتٍ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ شَفَتَاهُ (٣) .
_________
(١) حديث: " سبعة يظلهم الله في ظله ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٤٣ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة، ورواية: " ذكر الله في خلاء " أخرجها البخاري (الفتح ١٢ / ١١٢) .
(٢) فتح الباري ٢ / ١٤٧، وعمدة القاري ٥ / ١٧٩، ١٨٠.
(٣) حديث: " أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت شفتاه ". أخرجه أحمد (٢ / ٥٤٠ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، والحاكم (١ / ٤٩٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي الدرداء، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.