الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ (١) .
وَفِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَسَائِل تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَسْبِيح) .
التَّحْمِيدُ:
٩ - وَيُسَمَّى أَيْضًا الْحَمْدَلَةَ، وَهُوَ قَوْل: الْحَمْدُ لِلَّهِ نُطْقًا. وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَمْدِ لِلَّهِ: أَنَّ كُل حَمْدٍ أَوْ حَقِيقَةَ الْحَمْدِ أَوِ الْحَمْدَ الْمَعْهُودَ أَيِ الَّذِي حَمِدَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَحَمِدَهُ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، مَمْلُوكٌ أَوْ مُسْتَحَقٌّ لَهُ، فَحَمْدُ غَيْرِهِ لاَ اعْتِدَادَ بِهِ؛ لأَِنَّ كُل النِّعَمِ مِنْهُ تَعَالَى، وَفِي الْحَدِيثِ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ (٢) . وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ الْمَعْنَى الاِسْتِغْرَاقُ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ (٣) .
وَحَقِيقَةُ الْحَمْدِ: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيل الاِخْتِيَارِيِّ عَلَى قَصْدِ التَّبْجِيل، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَدْحَ، فَإِنَّ الْمَدْحَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيل الاِخْتِيَارِيِّ وَغَيْرِهِ (٤) . وَقِيل الْحَمْدُ الْوَصْفُ
_________
(١) حديث: " سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٣٩٠ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: " اللهم لك الحمد كله ". أخرجه البيهقي كما في الترغيب للمنذري (٢ / ٤٤١ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، وصدره المنذري بصيغة التضعيف.
(٣) الفتوحات الربانية ١ / ١٨٤، ونزل الأبرار ص ١٥٨.
(٤) نزل الأبرار ص ١٥٨، والقليوبي على شرح المنهاج ١ / ٤، والفتوحات الربانية ٣ / ١٨٥.
بِالْجَمِيل اخْتِيَارِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِقَصْدِ الثَّنَاءِ (١)، وَهَذَا أَصَحُّ. وَقِيل الْحَمْدُ فِي الْعُرْفِ يَكُونُ بِالْقَوْل وَبِالْفِعْل أَيْضًا (٢) .
وَمَعْنَى الشُّكْرِ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَمْدِ إِلاَّ أَنَّهُ كَمَا قَال الزَّمَخْشَرِيُّ أَعَمُّ مَوْرِدًا، أَيْ لأَِنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَالْحَمْدُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مُتَعَلَّقًا؛ لأَِنَّ الشُّكْرَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، وَالْحَمْدُ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ وَيَكُونُ لِمُجَرَّدِ اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالْجَمِيل.
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالتَّمْجِيدُ أَخَصُّ مِنَ التَّحْمِيدِ، فَإِنَّ التَّمْجِيدَ: الْمَدْحُ بِصِفَاتِ الْجَلاَل وَالْمُلْكِ وَالسُّؤْدُدِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ (٣) .
وَالذِّكْرُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ وَشُكْرِهِ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفَضْلُهُ كَبِيرٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٤) وَقَال ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٥) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِلأَْسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ: إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ (٦) وَقَال:
_________
(١) القليوبي على شرح المنهاج ١ / ٤.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٠.
(٣) نزل الأبرار ص ١٥٨، ١٥٩، ولسان العرب، ومختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص ٩٤.
(٤) سورة البقرة / ١٥٢.
(٥) سورة إبراهيم / ٧.
(٦) حديث: " إن ربك يحب الحمد ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٥ - ط الميمنية) وذكره الهيثمي في المجمع (٩ / ٦٦ - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجالهما ثقات، وفي بعضهم خلاف ".
الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأَُ الْمِيزَانَ (١) .
وَتُسَنُّ الْحَمْدَلَةُ فِي ابْتِدَاءِ كُل عَمَلٍ ذِي بَالٍ، فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَةِ النِّكَاحِ، وَالْخُطْبَةِ عِنْدَ عَقْدِهِ، وَفِي التَّدْرِيسِ، وَالتَّصْنِيفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبَعْدَ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ وَعِنْدَ الْعُطَاسِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ، وَفِي افْتِتَاحِ الدُّعَاءِ وَاخْتِتَامِهِ وَعِنْدَ حُصُول النِّعَمِ أَوِ انْدِفَاعِ الْمَكْرُوهِ وَيُسَنُّ لِمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ أَنْ يَقُول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حَالٍ) . (٢) وَاسْتِيفَاؤُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَحْمِيد) .
التَّكْبِيرُ:
١٠ - وَهُوَ لُغَةً التَّعْظِيمُ، وَشَرْعًا قَوْل: (اللَّهُ أَكْبَرُ) .
وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِهِ مُطْلَقًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٤) وَقَوْلِهِ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥)، وَفِي السُّنَّةِ
_________
(١) حديث: " الحمد لله تملأ الميزان ". أخرجه مسلم (١ / ٢٠٣ - ط الحلبي) من حديث أبي مالك الأشعري.
(٢) الفتوحات الربانية ٣ / ٢٨٥ - ٢٩٥، ونزل الأبرار ص ١٥٨.
(٣) سورة المدثر / ٣.
(٤) سورة الإسراء / ١١١.
(٥) سورة البقرة / ١٨٥.
قَال النَّبِيُّ ﷺ: كُل تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ (١) .
وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَمِنْهَا تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ بِالصَّلاَةِ وَتَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَال فِيهَا، وَالتَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ وَالصَّلاَةِ، وَالتَّكْبِيرُ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُكَبَّرُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ.
وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعِنْدَ تَمَامِ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ، وَفِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ طَوَافِهِ، وَعِنْدَ ابْتِدَاءِ سَعْيِهِ، وَفِي أَثْنَاءِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. وَيُكَبِّرُ الذَّابِحُ وَالصَّائِدُ مَعَ التَّسْمِيَةِ، وَسُنَّ التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل وَيُسَنُّ لِلْمُسَافِرِ إِذَا عَلاَ شَرَفًا أَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَكْبِير) .
وَوَرَدَ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَحَبُّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ فَذَكَرَ مِنْهُنَّ التَّكْبِيرَ (٣) .
_________
(١) حديث: " كل تكبرة صدقة " أخرجه مسلم (١ / ٤٩٩ - ط الحلبي) من حديث أبي ذر.
(٢) فتاوى ابن تيمية ١٠ / ١٩٦.
(٣) حديث: " أحب الكلام إلى الله أربع ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٥ - ط الحلبي) من حديث سمرة بن جندب.
الْحَوْقَلَةُ:
١١ - هِيَ قَوْل: " لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ". وَمَعْنَاهَا عَلَى مَا قَال ابْنُ حَجَرٍ: لاَ تَحْوِيل لِلْعَبْدِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلاَ قُوَّةَ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَفِي الْفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ أَنَّ تَفْسِيرَهَا بِذَلِكَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا (١) وَفِي لَفْظِهِ: بِعَوْنِ اللَّهِ. وَقَال النَّوَوِيُّ: هِيَ اسْتِسْلاَمٌ وَتَفْوِيضٌ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلاَ قُوَّةٌ فِي جَلْبِ نَفْعٍ، إِلاَّ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ.
وَوَرَدَ فِي فَضْلِهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لأَِبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ (٢) .
وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا فِي إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَحَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ (٣) .
_________
(١) حديث: " تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٩٩ - ط القدسي) وقال: " رواه البزار بإسنادين أحدهما منقطع وفيه عبد الله بن خراش والغالب عليه الضعف، والآخر متصل حسن ".
(٢) حديث: " يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٥٠٠ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢٠٧٦ - ط الحلبي) .
(٣) فتح الباري ١١ / ٥٠٠، ٥٠١ ك. القدر ب ٧، وكشاف القناع ١ / ٢٤٦، والفتوحات الربانية ١ / ٢٤١ - ٢٤٣
وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الأَْمْرُ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (١) . وَاسْتِيفَاءُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَوْقَلَة) .
الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ:
١٢ - هَذِهِ الأَْنْوَاعُ الْخَمْسَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنَ الأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ وَرَدَ تَسْمِيَتُهَا " الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ. قِيل: وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيل وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ (٢) وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قُل سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَهُنَّ يَحْطُطْنَ الْخَطَايَا كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا، وَهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. وَفِي لَفْظٍ خُذْهُنَّ قَبْل أَنْ يُحَال بَيْنَكَ وَبَيْنَهُنَّ (٣) .
وَوَرَدَ فِي فَضْل الأَْرْبَعِ الأُْوَل مِنْهُنَّ أَحَادِيثُ
_________
(١) سورة الكهف / ٣٩.
(٢) حديث: " استكثروا من الباقيات الصالحات ". أخرجه أحمد (٣ / ٧٥ - ط الميمنية)، وفي إسناده راو ضعفه الذهبي في الميزان (٢ / ٢٤ - ٢٥ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ". أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١٠ / ٩٠ - ط القدسي) وقال: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما عمر بن راشد اليمامي، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
جَامِعَةٌ، مِنْهَا أَنَّهُنَّ " أَحَبُّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ " (١)
وَمِنْهَا حَدِيثُ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا " هُنَّ أَفْضَل الْكَلاَمِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَهُنَّ مِنَ الْقُرْآنِ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ " (٢) وَأَنَّهُنَّ " أَحَبُّ إِلَيْهِ ﷺ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ " (٣) . " وَأَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنَ الْكَلاَمِ أَرْبَعًا " (٤) فَذَكَرَهُنَّ (٥) .
وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهِنَّ بَعْدَ السَّلاَمِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَيَأْتِي صِيغَةُ ذَلِكَ.
الاِسْتِرْجَاعُ:
١٣ - هُوَ قَوْل " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ".
وَمَعْنَى " إِنَّا لِلَّهِ " إِقْرَارُ قَائِلِهَا أَنَّنَا نَحْنُ وَأَهْلُنَا وَأَمْوَالُنَا عَبِيدٌ لِلَّهِ يَصْنَعُ فِينَا مَا يَشَاءُ. وَمَعْنَى " وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " إِقْرَارُ قَائِلِهَا عَلَى نَفْسِهِ بِالْهَلاَكِ ثُمَّ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ إِلَى انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحُكْمِ كَمَا كَانَ أَوَّل مَرَّةٍ.
_________
(١) حديث: " أحب الكلام إلى الله. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٥ - ط الحلبي) .
(٢) حديث سمرة: " هي أفضل الكلام بعد القرآن ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٠ - ط الميمنية)، وإسناده صحيح.
(٣) حديث: " أنهن أحب إليه ﷺ مما طلعت عليه الشمس ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٤) حديث: " إن الله اصطفى من الكلام أربعًا ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٢ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد معًا، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٨٧ - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح ".
(٥) تحفة الذاكرين ص ٢٤٣ - ٢٤٨.
وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ مُطْلَقًا، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً فَإِنَّهَا تُسَهِّل عَلَى الإِْنْسَانِ فَقْدَ مَا فَقَدَ، قَال تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ الأَْمْرُ بِهَا لِمَنْ مَاتَ لَهُ مَيِّتٌ، أَوْ بَلَغَهُ وَفَاةُ صَدِيقِهِ (٢)، وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَيَانُ بَعْضِ ذَلِكَ.
التَّسْمِيَةُ:
١٤ - وَهِيَ قَوْل (بِسْمِ اللَّهِ) أَوْ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
يُقَال: سَمَّيْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَيْ قُلْتَ بِسْمِ اللَّهِ، وَيُقَال أَيْضًا: بَسْمَلْتُ، وَالْمَصْدَرُ الْبَسْمَلَةُ.
وَمَعْنَاهَا: أَبْتَدِئُ هَذَا الْفِعْل أَوْ هَذَا الْقَوْل مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَلَى إِتْمَامِهِ، أَوْ مُتَبَرِّكًا بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى. وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهَا فَاتِحَةَ كِتَابِهِ وَجَمِيعَ سُوَرِهِ مَا عَدَا سُورَةَ (بَرَاءَةٌ) . وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الْغُسْل وَدُخُول الْمَسْجِدِ أَوِ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَعَلَى الذَّبْحِ وَإِرْسَال النَّصْل أَوِ الْجَارِحَةِ عَلَى الصَّيْدِ وَعَلَى الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ أَوِ الْجِمَاعِ، وَكَذَا عِنْدَ دُخُول الْخَلاَءِ (٣) . وَيُنْظَرُ
_________
(١) سورة البقرة / ١٥٥، ١٥٦.
(٢) الأذكار النووية والفتوحات الربانية ٤ / ٢٩، ١٢٠ - ١٢٤ و٣ / ٢٩٦.
(٣) تفسير ابن كثير ١ / ١٨ القاهرة، عيسى الحلبي، وتفسير الرازي ١ / ١٠٢، ١٠٣.
تَفْصِيل الْقَوْل فِي كُل شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ وَ(ر: تَسْمِيَة) .
قَوْل مَا شَاءَ اللَّهُ:
١٥ - وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (١) قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ هَذِهِ الْجَنَّةُ هِيَ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَال الزَّجَّاجُ وَالْفَرَّاءُ: تَقْدِيرُهُ: الأَْمْرُ مَا شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَال: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ الْعَيْنُ (٢) وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِذَا خَرَجَ الرَّجُل مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَال: بِسْمِ اللَّهِ قَال الْمَلَكُ: هُدِيتَ، وَإِذَا قَال: مَا شَاءَ اللَّهُ قَال: كُفِيتَ، وَإِذَا قَال: لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ قَال الْمَلِكُ: وُقِيتَ.
قَال أَشْهَبُ: قَال مَالِكٌ: يَنْبَغِي لِكُل مَنْ دَخَل مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُول هَذَا. يَعْنِي مَا وَرَدَ فِي الآْيَةِ (٣) .
_________
(١) سورة الكهف / ٣٩.
(٢) حديث: " من رأى شيئًا فأعجبه فقال: ما شاء الله " أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٠٦ - ط دار البيان)، وفي إسناده أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف كما في " ميزان الاعتدال " للذهبي (٤ / ٤٩٧ - ط الحلبي) .
(٣) تفسير القرطبي ١٠ / ٤٠٦، ٤٠٧.
الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ:
١٦ - وَهِيَ قَوْل " صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ " أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يُفِيدُ سُؤَال اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِهِ وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ (٢) . وَمِنَ الصِّيَغِ الْوَارِدَةِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الأَْنْصَارِيِّ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٣) .
وَالصَّلاَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَقِيل: رَحْمَتُهُ لَهُ، وَصَلاَةُ الْمَلاَئِكَةِ وَالْعِبَادِ عَلَيْهِ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّعْظِيمِ (٤) .
_________
(١) سورة الأحزاب / ٥٦.
(٢) حديث: " لا تجعلوا قبري عبدًا. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٣٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة، وصححه النووي في الأذكار (ص ٢٠٦ - ط دار ابن كثير) .
(٣) حديث أبي مسعود الأنصاري في سؤال بشير بن سعد، أخرجه مسلم (١ / ٣٠٥ - ط الحلبي) .
(٤) الفتوحات الربانية ٢ / ٣٤٠، وتحفة الذاكرين ص ٢٤.