الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
مُعْتَبَرَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُؤْكَل بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِدَّتَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ. (١)
وَإِنَّمَا حَلَّتْ ذَبِيحَةُ أَهْل الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وَالْمُرَادُ مِنْ طَعَامِهِمْ ذَبَائِحُهُمْ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِأَهْل الْكِتَابِ مَعْنًى، لأَِنَّ غَيْرَ الذَّبَائِحِ مِنْ أَطْعِمَةِ سَائِرِ الْكَفَرَةِ مَأْكُولٌ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الطَّعَامَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالذَّبَائِحِ فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُتَطَعَّمُ، وَالذَّبَائِحُ مِمَّا يُتَطَعَّمُ، فَيَدْخُل تَحْتَ اسْمِ الطَّعَامِ فَيَحِل لَنَا أَكْلُهَا. (٣)
مَنْ هُوَ الْكِتَابِيُّ:
٢٤ - الْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِيِّ فِي بَابِ الذَّبَائِحِ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ ذِمِّيًّا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ حَرْبِيًّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوَرَقِيقًا، لاَ الْمَجُوسِيُّ. (٤)
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ فِي كُلٍّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَلاَّ يُعْلَمَ دُخُول أَوَّل آبَائِهِمْ فِي الدِّينِ بَعْدَ بَعْثَةٍ نَاسِخَةٍ، فَالْيَهُودِيُّ الَّذِي عَلِمْنَا دُخُول أَوَّل آبَائِهِ فِي الْيَهُودِيَّةِ بَعْدَ بَعْثَةِ الْمَسِيحِ ﵇
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٤٥.
(٢) سورة المائدة / ٥.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٤٥، والخرشي على خليل بحاشية العدوي ٢ / ٣٠١، ونهاية المحتاج ٨ / ١٠٦، والمقنع ٣ / ٥٣٥.
(٤) البدائع ٥ / ٤٥، والخرشي ٢ / ٣٠١.
لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ، وَالنَّصْرَانِيُّ الَّذِي عَلِمْنَا دُخُول أَوَّل آبَائِهِ فِي الْمَسِيحِيَّةِ بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ؛ لأَِنَّ الدُّخُول فِي الدِّينِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ النَّاسِخَةِ لَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَيَكُونُ كَالرِّدَّةِ. (١)
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ كَوْنَ الرَّجُل كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ هُوَ حُكْمٌ يَسْتَفِيدُهُ بِنَفْسِهِ لاَ بِنَسَبِهِ، فَكُل مَنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْل الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ قَدْ دَخَل فِي دِينِهِمْ أَمْ لَمْ يَدْخُل، وَسَوَاءٌ أَكَانَ دُخُولُهُ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيل أَمْ قَبْل ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَدَ. (٢)
حُكْمُ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ وَالسَّامِرَةِ: (٣)
٢٥ - تُؤْكَل ذَبَائِحُ الصَّابِئَةِ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لاَ تُؤْكَل. فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يُؤْمِنُونَ بِكِتَابٍ، فَإِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ وَلاَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَلَكِنْ يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةَ فِي الاِسْتِقْبَال إِلَيْهَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ فِي بَعْضِ دِيَانَاتِهِمْ، وَهَذَا لاَ يَمْنَعُ الْمُنَاكَحَةَ
_________
(١) البجيرمي على الإقناع ٤ / ٢٣٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٢ - ٨٣.
(٢) المقنع ٣ / ٥٣٥.
(٣) الصابئة طائفة من النصارى نسبة إلى صابئ عم نوح، والسامرة فرقة من اليهود نسبة إلى السامري عابد العجل وهو الذي صنعه. (بجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٣٣) .
كَالْيَهُودِ مَعَ النَّصَارَى، فَلاَ يَمْنَعُ حِل الذَّبِيحَةِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ (وَعَابِدُ الْكَوَاكِبِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ) فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلاَ أَكْل ذَبَائِحِهِمْ. (١)
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ السَّامِرَةِ وَالصَّابِئَةِ فَأَحَلُّوا ذَبَائِحَ السَّامِرَةِ؛ لأَِنَّ مُخَالَفَتَهُمْ لِلْيَهُودِ لَيْسَتْ كَبِيرَةً، وَحَرَّمُوا ذَبَائِحَ الصَّابِئَةِ لِعِظَمِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلنَّصَارَى. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الصَّابِئَةَ فِرْقَةٌ مِنَ النَّصَارَى، وَالسَّامِرَةَ فِرْقَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَتُؤْكَل ذَبَائِحُ الصَّابِئَةِ إِنْ لَمْ تُكَفِّرْهُمُ النَّصَارَى وَلَمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي أُصُول دِينِهِمْ، وَتُؤْكَل ذَبَائِحُ السَّامِرَةِ إِنْ لَمْ تُكَفِّرْهُمُ الْيَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي أُصُول دِينِهِمْ. (٣)
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الصَّابِئَةِ، فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ أَحَدَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ فِي نَبِيِّهِمْ وَكِتَابِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ. (٤)
_________
(١) البدائع ٢ / ٢٧١، ٥ / ٤٦، وابن عابدين على الدر المختار ٥ / ١٨٨.
(٢) الخرشي بحاشية العدوي ٢ / ٣٠٣، والشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٣.
(٣) البجيرمي على الإقناع ٤ / ٢٣٣.
(٤) المغني ٨ / ٤٩٧.
حُكْمُ ذَبَائِحِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ:
٢٦ - يَسْتَوِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مَعَ سَائِرِ النَّصَارَى فِي حِل ذَبَائِحِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ عَلَى دِينِ النَّصَارَى، إِلاَّ أَنَّهُمْ نَصَارَى الْعَرَبِ فَيَتَنَاوَلُهُمْ عُمُومُ الآْيَةِ الشَّرِيفَةِ.
وَحَكَى صَاحِبُ " الْبَدَائِعِ " أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَال: لاَ تُؤْكَل ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْل الْكِتَابِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ ﷿ ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ (١)، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: تُؤْكَل، (٢) وَقَرَأَ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٣) . وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (جِزْيَة) .
حُكْمُ مَنِ انْتَقَل إِلَى دِينِ أَهْل الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهِمْ:
٢٧ - إِذَا انْتَقَل الْكِتَابِيُّ إِلَى دَيْنٍ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْكَفَرَةِ لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَصِرْ كِتَابِيًّا، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ.
وَإِذَا انْتَقَل الْكِتَابِيُّ مِنْ دِينِهِ إِلَى دَيْنِ أَهْل كِتَابٍ آخَرِينَ كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ، وَكَذَا لَوِ انْتَقَل غَيْرُ الْكِتَابِيِّ مِنَ الْكَفَرَةِ إِلَى دَيْنِ أَهْل الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ. (٤)
_________
(١) سورة البقرة / ٧٨.
(٢) البدائع ٥ / ٤٥، والقوانين الفقهية ١٢٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٤، والمقنع ٣ / ٥٣٥.
(٣) سورة المائدة / ٥١.
(٤) الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٥ / ١٩٠.
وَوَافَقَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا الأَْخِيرِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَجُوسِيَّ إِذَا تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الْمُنْتَقَل إِلَيْهِ وَيَصِيرُ لَهُ حُكْمُ أَهْل الْكِتَابِ مِنْ أَكْل ذَبِيحَتِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنِ انْتَقَل إِلَى دِينِ أَهْل كِتَابٍ بَعْدَ بَعْثَةٍ نَاسِخَةٍ لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ وَلاَ ذَبِيحَةُ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ. (٢)
حُكْمُ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ:
٢٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ أَيُّهُمَا كَانَ الْكِتَابِيُّ الأَْبَ أَوِ الأُْمَّ. (٣)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُعْتَبَرُ الأَْبُ فَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا تُؤْكَل وَإِلاَّ فَلاَ، هَذَا إِذَا كَانَ أَبًا شَرْعِيًّا بِخِلاَفِ الزَّانِي فَإِنَّ الْمُتَوَلِّدَ لاَ يَتْبَعُهُ وَإِنَّمَا يَتْبَعُ الأُْمَّ. (٤)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَةُ الْمُتَوَلِّدِ مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأَْصْلَيْنِ احْتِيَاطًا. (٥) وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. (٦)
شَرَائِطُ حِل ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ:
٢٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّمَا تُؤْكَل ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إِذَا
_________
(١) الخرشي على خليل ٢ / ٣٠٢.
(٢) البجيرمي على الإقناع ٤ / ٢٣٣.
(٣) البدائع ٥ / ٤٥، والمقنع ٣ / ٥٣٥.
(٤) العدوي على الخرشي ٢ / ٣٠٣.
(٥) البجيرمي على الإقناع ٤ / ٢٣٣.
(٦) المقنع ٣ / ٥٢٥.
لَمْ يُشْهَدْ ذَبْحُهُ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ شُهِدَ وَسُمِعَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَجَرَّدَ التَّسْمِيَةَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ كَمَا بِالْمُسْلِمِ. وَإِنْ سُمِعَ مِنْهُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ عَنَى بِهِ ﷿ الْمَسِيحَ ﵇ تُؤْكَل؛ لأَِنَّهُ أَظْهَرَ تَسْمِيَةً هِيَ تَسْمِيَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ إِذَا نَصَّ فَقَال مَثَلًا: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ، فَلاَ تَحِل، وَإِذَا سُمِعَ مِنْهُ أَنْ سَمَّى الْمَسِيحَ وَحْدَهُ أَوْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَالْمَسِيحَ لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) . وَهَذَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَلاَ يُؤْكَل. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَحِل ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إِذَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ أُهِّل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْمُسْلِمِ. (٣)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ ثَلاَثُ شَرَائِطَ:
أ - أَنْ يَذْبَحَ مَا يَحِل لَهُ بِشَرْعِنَا مِنْ غَنَمٍ وَبَقَرٍ وَغَيْرِهِمَا إِذَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ - أَيْ ذَبَحَ مَا يَمْلِكُهُ - وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ لِنَفْسِهِ حَيَوَانًا ذَا ظُفُرٍ، وَهُوَ مَا لَهُ جِلْدَةٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَالإِْبِل وَالإِْوَزِّ فَلاَ يَحِل لَنَا أَكْلُهُ (٤)
_________
(١) سورة النحل / ١١٥.
(٢) البدائع ٥ / ٤٦.
(٣) الإقناع بحاشية البجيرمي ٤ / ٢٥١، ٢٥٦.
(٤) الخرشي مع العدوي ٢ / ٣٠٣.
وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يُقَيِّدُوا الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِ الْيَهُودِيِّ ذَبَحَ لِنَفْسِهِ بَل قَالُوا: لَوْ ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ ذَا ظُفُرٍ لَمْ يَحِل لَنَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ. (١)
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ ذَبَحَ لِمُسْلِمٍ بِأَمْرِهِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ التَّحْرِيمُ - كَمَا ذَكَرَهُ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ - سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَمْ لاَ. وَفِي (الشَّرْحِ الصَّغِيرِ): الرَّاجِحُ الْكَرَاهَةُ. (٢)
فَإِنْ ذَبَحَ لِمُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَالظَّاهِرُ الْحِل - كَمَا قَرَّرَهُ الْعَدَوِيُّ - لأَِنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى ذَبْحِهِ الْمُوجِبِ لِغُرْمِهِ يَصِيرُ كَالْمَمْلُوكِ لَهُ. (٣)
وَإِنْ ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ لِكِتَابِيٍّ آخَرَ مَا يَحِل لَهُمَا حَل لَنَا، أَوْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا حَرُمَ عَلَيْنَا، أَوْ مَا يَحِل لأَِحَدِهِمَا وَيَحْرُمُ عَلَى الآْخَرِ. فَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ حَال الذَّابِحِ. (٤)
ب - أَلاَّ يَذْكُرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ كَأَنْ قَال: بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَوِ الْعَذْرَاءِ أَوَالصَّنَمِ لَمْ يُؤْكَل، بِخِلاَفِ مَا لَوْ ذَبَحُوا لأَِنْفُسِهِمْ ذَبِيحَةً بِقَصْدِ أَكْلِهِمْ مِنْهَا وَلَوْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَأَفْرَاحِهِمْ، وَقَصَدُوا التَّقَرُّبَ بِهَا لِعِيسَى ﵇
_________
(١) المقنع ٣ / ٥٤٣.
(٢) العدوي على الخرشي ٢ / ٣٠٣، الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٥.
(٣) الخرشي مع العدوي ٢ / ٣٠٦.
(٤) الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٥.
أَوَالصَّلِيبِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْمَيْهِمَا فَإِنَّهُ يَحِل لَنَا أَكْلُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ. (١)
وَبِالْحِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَال أَحْمَدُ فِي أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ أَنَّهُ سُئِل عَنْهُ فَقَال: كُلُوا وَأَطْعِمُونِي رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَذَلِكَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الأَْسْوَدِ وَمَكْحُولٌ وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وَهَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْل مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ. (٣)
وَقِيل: إِنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اسْمَ عِيسَى ﵇ أَوَالصَّلِيبِ لاَ يَضُرُّ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَضُرُّ إِخْرَاجُهُ قُرْبَةً لِذَاتِ غَيْرِ اللَّهِ لأَِنَّهُ الَّذِي أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. (٤)
ج - أَلاَّ يَغِيبَ حَال ذَبْحِهِ عَنَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِل الْمَيْتَةَ، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ حُضُورِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ خَوْفًا مِنْ كَوْنِهِ قَتَلَهَا أَوَنَخَعَهَا أَوَسَمَّى عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ.
_________
(١) الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٤.
(٢) سورة المائدة / ٥.
(٣) المقنع ٣ / ٥٤٤.
(٤) الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٥.
وَلاَ تُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ فِي الْكِتَابِيِّ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلاَفِ الْمُسْلِمِ. (١)
٣٠ - الشَّرِيطَةُ (الثَّالِثَةُ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَكُونَ حَلاَلًا إِذَا أَرَادَ ذَبْحَ صَيْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ الْوَحْشُ طَيْرًا كَانَ أَوْ دَابَّةً. فَالْمُحْرِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ الْبَرِّيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ التَّعَرُّضُ بِاصْطِيَادٍ أَمْ ذَبْحٍ أَمْ قَتْلٍ أَمْ غَيْرِهَا، وَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَدُل الْحَلاَل عَلَى صَيْدِ الْبَرِّ أَوْ يَأْمُرَ بِهِ أَوْ يُشِيرَ إِلَيْهِ، فَمَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ مَيْتَةٌ، وَكَذَا مَا ذَبَحَهُ الْحَلاَل بِدَلاَلَةِ الْمُحْرِمِ أَوْ إِشَارَتِهِ. قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣) .
وَخَرَجَ بِالصَّيْدِ: الْمُسْتَأْنَسِ كَالدَّجَاجِ وَالْغَنَمِ وَالإِْبِل، فَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يُذَكِّيَهَا؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِالصَّيْدِ أَيْ بِمَا شَأْنُهُ أَنْ يُصَادَ وَهُوَ الْوَحْشُ فَبَقِيَ غَيْرُهُ عَلَى عُمُومِ الإِْبَاحَةِ. وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ جَمِيعُ الْمَذَاهِبِ. (٤)
_________
(١) الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٤، القوانين الفقهية ١٨٥.
(٢) سورة المائدة / ٩٥.
(٣) سورة المائدة / ٩٦.
(٤) البدائع ٥ / ٥٠، والشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٢٩٧، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٣٢، ٣٤١، والمقنع ١ / ٤٣٦، والدسوقي ٢ / ٧٢، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٥، وكشاف القناع ٢ / ٤٣٧.
٣١ - الشَّرِيطَةُ (الرَّابِعَةُ) ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اشْتِرَاطِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ التَّذَكُّرِ وَالْقُدْرَةِ. فَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَا لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ - مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا - وَمَنْ نَسِيَهَا أَوْ كَانَ أَخْرَسَ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ.
وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١)
نَهَى سُبْحَانَهُ عَنْ أَكْل مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَسَمَّاهُ فِسْقًا، وَالْمَقْصُودُ مَا تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ لْيَأْكُل (٢) وَيُقَاسُ عَلَى الْمُسْلِمِ - فِي الْحَدِيثِ - الْكِتَابِيُّ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا طَعَامَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ مَا يُشْتَرَطُ فِينَا. (٣)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ
_________
(١) سورة الأنعام / ١٢١.
(٢) حديث: " المسلم يكفيه اسمه " أخرجه الدارقطني (٤ / ٢٩٦ - ط دار المحاسن)، وأعله ابن القطان بما قيل في أحد رواته، كذا في نصب الراية للزيلعي (٤ / ١٨٢ - ط المجلس العلمي)، ثم ذكر الزيلعي أنه أعل كذلك بالوقف.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٤٦، ٤٧، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٩، والشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٩، والبجيرمي على الإقناع ٤ / ٢٥١، والمقنع ٣ / ٥٤٠، ٥٤١.