الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ الْمَأْكُول بَرِّيًّا ذَا نَفْسٍ سَائِلَةٍ فَهُوَ صَالِحٌ لِلذَّكَاةِ.
وَلَهَا فِيهِ ثَلاَثَةُ آثَارٍ:
الأَْوَّل: بَقَاءُ طُهْرِهِ، وَالثَّانِي: حِل الاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ دُونَ دِبَاغٍ، وَالثَّالِثُ: حِل أَكْلِهِ (١) .
تَقْسِيمُ الذَّكَاةِ:
١٠ - سَبَقَ أَنَّ الذَّكَاةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الطَّاهِرِ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٢) . وَالْحَيَوَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ كَالْمُسْتَأْنَسِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ، أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَوْحِشِ مِنْهَا.
وَلِهَذَا كَانَتِ الذَّكَاةُ نَوْعَيْنِ:
(الأَْوَّل): الذَّبْحُ أَوِ النَّحْرُ عَلَى حَسَبِ نَوْعِ الْحَيَوَانِ إِنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ. (الثَّانِي): الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ أَوْ بِإِرْسَال الْجَارِحَةِ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْحَيَوَانِ وَتَوَحُّشِهِ بِالطَّيَرَانِ أَوِ الْعَدْوِ،
_________
(١) الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٦، ونهاية المحتاج ٨ / ١٠٥، ١٠٧، والمقنع ٣ / ٥٣٤، والخرشي على خليل بحاشية العدوي ٢ / ٣٢٣.
(٢) إنما قيد بالبري؛ لأن السمك لا ذكاة له عند الجمهور. وقيد بالطاهر؛ لأن النجس كالخنزير لا ذكاة له إجماعًا. وقيد بالذي له نفس سائلة؛ لأن ما لا نفس سائلة له إن كان غير مأكول فلا ذكاة له اتفاقًا، وإن كان مأكولًا كالجراد فلا ذكاة له عند الجمهور. وقد علم هـ
وَهُوَ كَالْبَدَل عَنِ الأَْوَّل، إِذْ لَمْ يُجِزْهُ الشَّارِعُ إِلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ رَحْمَةً بِالنَّاسِ وَرِعَايَةً لِحَاجَاتِهِمْ.
وَمِنْ هُنَا انْقَسَمَتِ الذَّكَاةُ إِلَى " اخْتِيَارِيَّةٍ " وَهِيَ النَّوْعُ الأَْوَّل " وَاضْطِرَارِيَّةٍ " وَهِيَ النَّوْعُ الثَّانِي. وَقَدِ انْفَرَدَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَسْمِيَةِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِهَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ (١) . وَسَمَّى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ النَّوْعَ الأَْوَّل ذَكَاةَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَالنَّوْعَ الثَّانِيَ ذَكَاةَ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ (٢) .
وَمَضَى أَنَّ هُنَاكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الذَّكَاةِ (٣) هُوَ ذَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبَقِيَ نَوْعٌ يَقُول بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ
فَجُمْلَةُ الأَْنْوَاعِ اتِّفَاقًا وَاخْتِلاَفًا أَرْبَعَةٌ هِيَ: الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ، وَالذَّكَاةُ الاِضْطِرَارِيَّةُ، وَذَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَذَكَاةُ الْجَنِينِ تَبَعًا لأُِمِّهِ.
النَّوْعُ الأَْوَّل مِنْ أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ:
الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ:
أ - حَقِيقَتُهَا.
١١ - حَقِيقَةُ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ الذَّبْحُ فِيمَا يُذْبَحُ وَهُوَ مَا عَدَا الإِْبِل مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهَا،
_________
(١) البدائع ٥ / ٤٠.
(٢) الإقناع بحاشية البجيرمي ٤ / ٢٤٦، ٢٤٧.
(٣) ر: ف / ٩.
وَالنَّحْرُ فِيمَا يُنْحَرُ وَهُوَ الإِْبِل خَاصَّةً، وَتَخْصِيصُ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ وَاجِبٌ فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهَا فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِلاَ خِلاَفٍ.
قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ لِمَنْ قَدَرَ، وَذَرِ الأَْنْفُسَ حَتَّى تَزْهَقَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: " الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ (١) . وَالْمَقْصُودُ بِالذَّكَاةِ فِي كَلاَمِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ ذَكَاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ لِغَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ صِفَةً أُخْرَى ذُكِرَتْ فِي أَحَادِيثِ الصَّيْدِ.
وَتَخْصِيصُ الإِْبِل بِالنَّحْرِ وَمَا عَدَاهَا بِالذَّبْحِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ وَاجِبٌ، وَوَجْهُ اسْتِحْبَابِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الإِْبِل النَّحْرَ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحَ فَقَال: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) . وَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
_________
(١) أثر عمر بن الخطاب وابن عباس أخرجهما عبد الرزاق في المصنف (٤ / ٤٩٥ - ط المجلس العلمي) . وورد في معناهما حديث مرفوع، فعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة وأورده الزيلعي في نصب الراية (٤ / ١٨٥ - ط المجلس العلمي)، ونقل عن ابن الهادي في التنقيح أنه قال: " هذا إسناد ضعيف بمرة ".
(٢) سورة الكوثر / ٢.
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١) . وَقَال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) . وَالذِّبْحُ - بِكَسْرِ الذَّال - بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ إِسْمَاعِيل ﵇؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الذَّكَاةِ إِنَّمَا هُوَ الأَْسْهَل عَلَى الْحَيَوَانِ، وَمَا فِيهِ نَوْعُ رَاحَةٍ لَهُ فَهُوَ أَفْضَل، وَالأَْسْهَل فِي الإِْبِل النَّحْرُ لِخُلُوِّ لَبَّتِهَا عَنِ اللَّحْمِ وَاجْتِمَاعِ اللَّحْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَنَحْوُهَا جَمِيعُ عُنُقِهَا لاَ يَخْتَلِفُ (٣) .
وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِالإِْبِل سَائِرَ مَا طَال عُنُقُهُ كَالإِْوَزِّ وَالْبَطِّ وَمَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّعَامِ (٤) . وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ النَّحْرَ فِي الإِْبِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وَقَاسُوا عَلَى الإِْبِل مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّرَافِيِّ وَالْفِيَلَةِ.
وَأَجَازُوا الذَّبْحَ وَالنَّحْرَ - مَعَ أَفْضَلِيَّةِ الذَّبْحِ - فِي الْبَقَرِ لِوُرُودِ الذَّبْحِ فِيهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وَأَمَّا النَّحْرُ فَقَدْ قِيل فِي تَعْلِيلِهِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ عُنُقَ الْبَقَرَةِ لَمَّا كَانَ فَوْقَ الشَّاةِ وَدُونَ عُنُقِ الْبَعِيرِ جَازَ فِيهَا الأَْمْرَانِ جَمِيعًا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ؛ لِقُرْبِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ، وَالنَّحْرُ فِيهِ أَخَفُّ، وَلَمْ يَجُزِ الذَّبْحُ فِي الْبَعِيرِ لِبُعْدِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ.
_________
(١) سورة البقرة / ٦٧.
(٢) سورة الصافات / ١٠٧.
(٣) البدائع ٥ / ٤٠، ٤١، والمقنع ٣ / ٥٣٨.
(٤) الإقناع بحاشية البجيرمي ٤ / ٢٤٩، ٢٥٠.
وَقَاسُوا عَلَيْهِ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِهِ وَخَيْلِهِ وَبِغَالِهِ، وَأَوْجَبُوا الذَّبْحَ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الأَْصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ (١) .
ب - الْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِهَا:
١٢ - الْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ التَّذْكِيَةِ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول لِمَكَانِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَلاَ يَزُول إِلاَّ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ، وَأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِإِحْلاَل الطَّيِّبَاتِ خَاصَّةً قَال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِل لَهُمْ قُل أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَيُحِل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣) . وَلاَ يَطِيبُ إِلاَّ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَذَلِكَ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ، وَلِهَذَا حُرِّمَتِ الْمَيْتَةُ؛ لأَِنَّ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فِيهَا قَائِمٌ، وَلِذَا لاَ يَطِيبُ مَعَ قِيَامِهِ، وَلِهَذَا يَفْسُدُ فِي أَدْنَى مُدَّةٍ لاَ يَفْسُدُ فِي مِثْلِهَا الْمَذْبُوحُ، وَكَذَا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِذَا لَمْ تُدْرَكْ حَيَّةً، فَتُذْبَحُ أَوْ تُنْحَرُ (٤) .
وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَيْضًا التَّنْفِيرُ عَنِ الشِّرْكِ وَأَعْمَال الْمُشْرِكِينَ، وَتَمْيِيزُ مَأْكُول الآْدَمِيِّ عَنْ مَأْكُول
_________
(١) الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٤، والمنتقى شرح الموطأ ٣ / ١٠٨ الناشر دار الكتاب العربي.
(٢) سورة المائدة / ٤.
(٣) سورة الأعراف / ١٥٧.
(٤) بدائع الصنائع ٥ / ٤٠، وينظر مغني المحتاج ٤ / ٢٦٧.
السِّبَاعِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ الإِْنْسَانُ إِكْرَامَ اللَّهِ لَهُ بِإِبَاحَةِ إِزْهَاقِ رَوْحِ الْحَيَوَانِ لأَِكْلِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (١) .
ج - تَقْسِيمُ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ:
١٣ - تَنْقَسِمُ الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ - كَمَا عُلِمَ مِنْ حَقِيقَتِهَا - إِلَى ذَبْحٍ وَنَحْرٍ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ وَشَرَائِطُ وَآدَابُ وَمَكْرُوهَاتٌ.
(أَوَّلًا) الذَّبْحُ:
حَقِيقَةُ الذَّبْحِ:
١٤ - حَقِيقَةُ الذَّبْحِ قَطْعُ الأَْوْدَاجِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فِي الْحَلْقِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الأَْوْدَاجَ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ يُحِيطَانِ بِهِمَا وَيُسَمَّيَانِ (الْوَدَجَيْنِ) (٢) . فَإِذَا فَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَدْ أَتَى بِالذَّكَاةِ بِكَمَالِهَا. وَإِنْ فَرَى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ حَل إِذَا اسْتَوْعَبَ قَطْعَهُمَا؛ لأَِنَّ الذَّبْحَ إِزَالَةُ الْحَيَاةِ، وَالْحَيَاةُ لاَ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِهِمَا
_________
(١) حجة الله البالغة للدهلوي ٢ / ٨١٢ وما بعدها نشر دار الكتب الحديثة بالقاهرة.
(٢) سميت العروق الأربعة أوداجًا تغليبًا، كما قيل: القمران في الشمس والقمر.
عَادَةً وَقَدْ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ إِذْ هُمَا عِرْقَانِ كَسَائِرِ الْعُرُوقِ، وَالْحَيَاةُ لاَ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ عِرْقَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْعُرُوقِ (١) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَطَعَ أَكْثَرَ الأَْوْدَاجِ، وَهُوَ ثَلاَثَةٌ مِنْهَا - أَيَّ ثَلاَثَةٍ كَانَتْ - وَتَرَكَ وَاحِدًا حَل؛ لأَِنَّ لِلأَْكْثَرِ حُكْمَ الْجَمِيعِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي أُصُول الشَّرْعِ، وَالذَّكَاةُ بُنِيَتْ عَلَى التَّوْسِعَةِ حَيْثُ يُكْتَفَى فِيهَا بِبَعْضٍ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْكَيْفِيَّةِ فَيُقَامُ الأَْكْثَرُ فِيهَا مَقَامَ الْجَمِيعِ (٢) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَحِل حَتَّى يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَأَحَدَ الْعِرْقَيْنِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعُرُوقِ يُقْصَدُ بِقَطْعِهِ غَيْرُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الآْخَرُ، إِذِ الْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالْوَدَجَانِ مَجْرَيَانِ لِلدَّمِ، فَإِذَا قُطِعَ أَحَدُهُمَا حَصَل بِقَطْعِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا، وَإِذَا تُرِكَ الْحُلْقُومُ أَوِ الْمَرِيءُ لَمْ يَحْصُل بِقَطْعِ مَا سِوَاهُ الْمَقْصُودُ مِنْ قَطْعِهِ (٣) .
وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَحِل حَتَّى يَقْطَعَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْرْبَعَةِ أَكْثَرَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَطَعَ الأَْكْثَرَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْرْبَعَةِ، فَقَدْ حَصَل الْمَقْصُودُ بِالذَّبْحِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٠٥، ١١٠، والمقنع ٣ / ٥٣٧، ٥٣٨.
(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٤١.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٤٢.
وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ؛ لأَِنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ مَا يَخْرُجُ بِقَطْعِ الْجَمِيعِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَطَعَ جَمِيعَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ حَل، وَلاَ يَكْفِي نِصْفُ الْحُلْقُومِ مَعَ جَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ عَلَى الأَْصَحِّ (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ يُشْتَرَطُ قَطْعُ الأَْوْدَاجِ الأَْرْبَعَةِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الْبَنَّا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَغَيْرُهُمْ (٣)، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ قَطْعَ الأَْعْضَاءِ الأَْرْبَعَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَطْعَ بَعْضِهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالأَْصْل التَّحْرِيمُ فَلاَ يُعْدَل عَنْهُ إِلاَّ بِيَقِينٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ (٤) وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الْجِلْدُ وَلاَ تُفْرَى الأَْوْدَاجُ.
حُكْمُ الْمُغَلْصَمَةِ:
١٥ - الْمُغَلْصَمَةُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَلْصَمَهُ إِذَا قَطَعَ غَلْصَمَتَهُ. وَالْغَلْصَمَةُ هِيَ جَوْزَةُ الْعُنُقِ وَهِيَ رَأْسُ الْحُلْقُومِ، وَهِيَ صَفِيحَةٌ غُضْرُوفِيَّةٌ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٤١.
(٢) الشرح الصغير مع بلغة السالك ٢ / ٣١٤.
(٣) المقنع ٣ / ٥٣٧، ٥٣٨.
(٤) حديث: " نهى عن شريطة الشيطان " أخرجه أبو داود (٣ / ٢٥٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأعله ابن القطان بأحد رواته، كذا في الفيض للمناوي (٦ / ٣٣٢ - ط المكتبة التجارية) .
عِنْدَ أَصْل اللِّسَانِ، سَرْجِيَّةُ الشَّكْل، مُغَطَّاةٌ بِغِشَاءٍ مُخَاطِيٍّ، وَتَنْحَدِرُ إِلَى الْخَلْفِ لِتَغْطِيَةِ فَتْحَةِ الْحَنْجَرَةِ لإِقْفَالِهَا فِي أَثْنَاءِ الْبَلْعِ (١) .
وَالْمُرَادُ بِالْمُغَلْصَمَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الذَّبِيحَةُ الَّتِي انْحَازَتِ الْجَوْزَةُ فِيهَا لِجِهَةِ الْبَدَنِ، بِأَنْ يُمِيل الذَّابِحُ يَدَهُ إِلَى جِهَةِ الذَّقَنِ فَلاَ يَقْطَعُ الْجَوْزَةَ بَل يَجْعَلُهَا كُلَّهَا مُنْحَازَةً لِجِهَةِ الْبَدَنِ مَفْصُولَةً عَنِ الرَّأْسِ (٢) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الْمُغَلْصَمَةَ لاَ يَحِل أَكْلُهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ حِينَئِذٍ صَارَ فَوْقَ الْحُلْقُومِ، فَإِنَّ الذَّبْحَ لَمْ يَكُنْ فِي الْحُلْقُومِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الرَّأْسِ (٣) .
وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مَا خُلاَصَتُهُ: صَرَّحَ فِي " الذَّخِيرَةِ " بِأَنَّ الذَّبْحَ إِذَا وَقَعَ أَعْلَى مِنَ الْحُلْقُومِ لاَ يَحِل؛ لأَِنَّ الْمَذْبَحَ هُوَ الْحُلْقُومُ، لَكِنْ رِوَايَةُ الرُّسْتُغْفَنِيِّ تُخَالِفُ هَذِهِ حَيْثُ قَال: هَذَا قَوْل الْعَوَامِّ وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ، فَتَحِل سَوَاءٌ بَقِيَتِ الْعُقْدَةُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أَوِ الصَّدْرَ؛ لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَنَا قَطْعُ أَكْثَرِ الأَْوْدَاجِ وَقَدْ
_________
(١) كذا عرفها مجمع اللغة العربية في المعجم الوسيط، مادة: (غلصم) .
(٢) الشرح الصغير ١ / ٣١٣.
(٣) الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ٣١٣، والخرشي مع العدوي ٢ / ١٠١، وحاشية الرهوني على الزرقاني ٣ / ٢، ٣، وحاشية كنون بهامش حاشية الرهوني ٣ / ٢، ٣، والشرواني على التحفة ٩ / ٣٢٢.
وُجِدَ.
وَقَدْ شَنَّعَ الأَْتْقَانِيُّ فِي " غَايَةِ الْبَيَانِ " عَلَى مَنْ شَرَطَ بَقَاءَ الْعُقْدَةِ فِي الرَّأْسِ وَقَال: إِنَّهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى الْعُقْدَةِ فِي كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ كَلاَمِ رَسُولِهِ ﷺ بَل الذَّكَاةُ بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَقَدْ حَصَلَتْ، لاَ سِيَّمَا عَلَى قَوْل الإِْمَامِ مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِثَلاَثٍ مِنَ الأَْرْبَعِ أَيًّا كَانَتْ، وَيَجُوزُ تَرْكُ الْحُلْقُومِ أَصْلًا، فَبِالأَْوْلَى إِذَا قُطِعَ مِنْ أَعْلاَهُ وَبَقِيَتِ الْعُقْدَةُ أَسْفَلَهُ (١) .
شَرَائِطُ الذَّبْحِ:
هِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: شَرَائِطُ فِي الْمَذْبُوحِ، وَشَرَائِطُ فِي الذَّابِحِ، وَشَرَائِطُ فِي الآْلَةِ.
شَرَائِطُ الْمَذْبُوحِ:
١٦ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الذَّبْحِ ثَلاَثُ شَرَائِطَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَذْبُوحِ وَهِيَ:
١ - أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَقْتَ الذَّبْحِ.
٢ - أَنْ يَكُونَ زَهُوقُ رُوحِهِ بِمَحْضِ الذَّبْحِ.
٣ - أَلاَّ يَكُونَ صَيْدًا حَرَمِيًّا. وَزَادَ بَعْضُ الْمَذَاهِبِ شَرَائِطَ أُخْرَى مِنْهَا:
٤ - أَلاَّ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالنَّحْرِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٧.