الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١ الصفحة 11

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١

أَوْ غَيْرِهِ كَمَوْتِ الْجَانِي، فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِغَيْرِ رِضَا الْجَانِي.

وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: مُوجِبُ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ (الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ) مُبْهَمًا لاَ بِعَيْنِهِ، وَعَلَى كِلاَ الْقَوْلَيْنِ تَجِبُ الدِّيَةُ عِنْدَ سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِمَوْتِ الْجَانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

ج - الدِّيَةُ فِي أَحْوَال سُقُوطِ الْقِصَاصِ:

٢٣ - إِذَا وُجِدَ مَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ بَدَلًا عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ حَال سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِسَبَبِ الشُّبْهَةِ أَمْثِلَةً، مِنْهَا:

١ - قَتْل الْوَالِدِ وَلَدَهُ:

٢٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَتَل الْوَالِدُ وَلَدَهُ فَلاَ قِصَاصَ لِحَدِيثِ: " لاَ يُقَادُ الأَْبُ مِنِ ابْنِهِ (٢) " وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْوَالِدِ لِشُبْهَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.

وَفِي حُكْمِ الْوَالِدِ الْجَدُّ وَالْوَالِدَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُقْتَل الأُْمُّ بِقَتْل وَلَدِهَا.

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٤١، والدسوقي مع الشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٣٩، مغني المحتاج ٤ / ٤٨، كشاف القناع ٧ / ٥٤٣، ٥٤٥.

(٢) حديث: " لا يقاد الأب من ابنه. . . " أخرجه البيهقي في السنن (٨ / ٣٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر، ونقل الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٣٣٩ - ط المجلس العلمي) عن البيهقي أنه صححه.

وَهَذَا بِخِلاَفِ قَتْل الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَعَلَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ لِتَحْقِيقِ حِكْمَةِ الْحَيَاةِ بِالزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى الزَّجْرِ فِي جَانِبِ الْوَلَدِ لاَ فِي جَانِبِ الْوَالِدِ؛ وَلأَِنَّ الْوَالِدَ كَانَ سَبَبًا فِي حَيَاةِ الْوَلَدِ فَلاَ يَكُونُ الْوَلَدُ سَبَبًا فِي مَوْتِهِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَتَل الرَّجُل ابْنَهُ مُتَعَمِّدًا، وَاعْتَرَفَ بِقَصْدِ قَتْلِهِ، أَوْ فَعَل بِهِ فِعْلًا مِنْ شَأْنِهِ الْقَتْل مِثْل أَنْ يَذْبَحَهُ أَوْ يَشُقَّ بَطْنَهُ، وَلاَ شُبْهَةَ لَهُ فِي ادِّعَاءِ الْخَطَأِ يُقْتَل بِهِ قِصَاصًا (١) .

٢ - الاِشْتِرَاكُ مَعَ مَنْ لاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ:

٢٥ - لَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي قَتْل رَجُلٍ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوِ انْفَرَدَ وَالآْخَرُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ لَوِ انْفَرَدَ، كَالصَّبِيِّ مَعَ الْبَالِغِ، وَالْمَجْنُونِ مَعَ الْعَاقِل، وَالْخَاطِئِ مَعَ الْعَامِدِ فَإِنَّهُ لاَ قِصَاصَ عَلَى أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي شَرِيكِ الْمُخْطِئِ وَالْمَجْنُونِ. فَتَجِبُ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ وَنِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ وَالْمَجْنُونِ. وَاسْتَدَلُّوا لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٥، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٤٣، مغني المحتاج ٤ / ١٨، والمهذب ٢ / ١٧٤، والمغني ٧ / ٦٦٦، ٦٦٧، والدسوقي ٤ / ٢٤٢، والفواكه الدواني ٢ / ٢٥٩.

فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ - كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ - بِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي فِعْل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ فِعْل مَنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوِ انْفَرَدَ مُسْتَقِلًّا فِي الْقَتْل، فَيَكُونُ فِعْل الآْخَرِ فَضْلًا (١) .

وَفِي شَرِيكِ الصَّبِيِّ قَال الْمَالِكِيَّةُ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إِنْ تَمَالآَ عَلَى قَتْلِهِ عَمْدًا، وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ عَمْدَهُ كَخَطَئِهِ. وَإِنْ لَمْ يَتَمَالآَ عَلَى قَتْلِهِ وَتَعَمَّدَا قَتْلَهُ، أَوْ تَعَمَّدَ الْكَبِيرُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُهَا.

أَمَّا إِذَا اشْتَرَكَ أَجْنَبِيٌّ مَعَ الأَْبِ فِي قَتْل وَلَدِهِ فَالْجُمْهُورُ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) عَلَى أَنَّهُ يُقْتَل شَرِيكُ الأَْبِ، وَعَلَى الأَْبِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً عِنْدَ مَنْ يَقُول بِعَدَمِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي فِعْل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ (٢) .

وَتَفْصِيلُهُ فِي: (قِصَاص) .

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٣٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٧، والدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ٢٤٦، ٢٤٧، والمغني ٧ / ٦٧٦، ٦٧٧، ٦٨٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٠، ٢١، وحاشية القليوبي ٤ / ١٠٨.

(٢) البدائع ٧ / ٢٣٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٧، والدسوقي ٤ / ٢٤٦، ٢٤٧، ومغني المحتاج ٤ / ٢٠، والمغني ٧ / ٦٣٦، ٦٦٦.

٣ - إِرْثُ الْوَلَدِ حَقَّ الاِقْتِصَاصِ مِنْ أَصْلِهِ:

٢٦ - إِذَا وَرِثَ الْوَلَدُ الْقِصَاصَ مِنْ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ عَلَى الآْخَرِ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَذَلِكَ لِشُبْهَةِ الْوِرَاثَةِ. فَلَوْ قَتَل أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ صَاحِبَهُ وَلَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِوَلَدِهِ، وَلاَ يَجِبُ لِلْوَلَدِ قِصَاصٌ عَلَى وَالِدِهِ.؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَلأَنْ لاَ يَجِبَ لَهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى. أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُول وَلَدٌ سِوَاهُ أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ أَمْ لَمْ يَكُنْ؛ لأَِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ لَوَجَبَ لَهُ جُزْءٌ مِنْهُ وَلاَ يُمْكِنُ وُجُوبُهُ. وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْضُهُ سَقَطَ كُلُّهُ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لاَ يَتَبَعَّضُ، وَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ مُسْتَحَقِّي الْقِصَاصِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْوَالِدِ بِسَبَبِ قَتْل وَلَدِهِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ.

وَكَذَا لَوْ قَتَل رَجُلٌ أَخَاهُ أَوْ أَحَدًا يَرِثُ ابْنُهُ حَقَّ الْقِصَاصِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ.

وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخْرَى تَمْنَعُ الْقِصَاصَ (١) . يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِ: (قِصَاص، قَتْل، شُبْهَة) .

_________

(١) الزيلعي ٦ / ١٠٥، ١٠٦، والفواكه الدواني ٢ / ٢٥٧، ونهاية المحتاج ٧ / ٢١، المغني لابن قدامة ٧ / ٦٦٨، ٦٦٩.

د - الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ:

٢٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْل بِالسَّبَبِ مُطْلَقًا، بَل تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ الْقَتْل مُبَاشَرَةً، وَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فَيُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِل فِي بَعْضِ حَالاَتِ التَّسَبُّبِ عِنْدَهُمْ.

وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالْقِصَاصِ فِي حَالاَتٍ أُخْرَى بَل قَالُوا بِوُجُوبِ الدِّيَةِ (١) .

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَتْلٌ بِالتَّسَبُّبِ) .

مَا تَجِبُ مِنْهُ الدِّيَةُ: (أُصُول الدِّيَةِ):

٢٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْبِل أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ، فَتُقْبَل إِذَا أُدِّيَتْ مِنْهَا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ (٢) .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى الإِْبِل: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ أُصُول الدِّيَةِ أَيْ مَا تُقْضَى مِنْهُ الدِّيَةُ مِنَ الأَْمْوَال ثَلاَثَةُ أَجْنَاسٍ: الإِْبِل وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٣٩، ٢٧٤، والمهذب ٢ / ١٩٤، المغني ٧ / ٦٤٥، ٨٢٢، ٨٢٣، الدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ٢٤٣، ٢٤٤، والمواق ٦ / ٢٤١، ومغني المحتاج ٤ / ٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٤٥.

(٢) البدائع ٧ / ٢٥٣، ٢٥٤، والفواكه الدواني ٢ / ٢٥٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٦٦، ومغني المحتاج ٤ / ٥٥، ٥٦، وكشاف القناع ٦ / ١٨، ١٩، والمغني ٧ / ٧٥٩ وما بعدها.

فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الإِْبِل (١)، وَقَوْلِهِ ﵊: عَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْل الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ (٢) .

فَالدِّيَةُ عَلَى أَهْل الإِْبِل مِائَةٌ مِنَ الإِْبِل، وَعَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ وَعَلَى أَهْل الْوَرِقِ (الْفِضَّةِ) اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لِقَوْلِهِ ﷺ: عَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْل الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا قُتِل فَجَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.

قَال النَّفْرَاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: صَرْفُ دِينَارِ الدِّيَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، كَدِينَارِ السَّرِقَةِ وَالنِّكَاحِ، بِخِلاَفِ دِينَارِ الْجِزْيَةِ وَالزَّكَاةِ فَصَرْفُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا دِينَارُ الصَّرْفِ فَلاَ يَنْضَبِطُ (٣) .

_________

(١) حديث: " إن في النفس مائة من الإبل " تقدم من حديث عمرو بن حزم ف / ٧.

(٢) حديث: " على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم ". مركب من حديثين، الأول تقدم من حديث عمرو بن حزم ف / ٧، والثاني ورد من قضائه ﷺ، أخرجه أبو داود (٤ / ٦٨١ - ٦٨٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث ابن عباس، وأعل بالإرسال كما في التلخيص لابن حجر (٤ / ٢٣ ط شركة الطباعة الفنية) .

(٣) الزيلعي ١ / ١٢٧، والفواكه الدواني ٢ / ٢٥٧، ومغني المحتاج ٤ / ٥٦، وكشاف القناع ٦ / ٨، والمغني ٧ / ٧٦٠. وحديث: أن رجلًا قتل فجعل رسول الله ﷺ ديته اثني عشر ألفًا. تقدم في التعليق على الحديث السابق.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الدِّيَةُ مِنَ الْوَرِقِ عَشَرَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ؛ لِقَوْل عُمَرَ ﵁: (الدِّيَةُ عَشَرَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ)، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا مَعَ أَنَّ الْمَقَادِيرَ لاَ تُعْرَفُ إِلاَّ سَمَاعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدِّيَةِ فِي قَتِيلٍ بِعَشَرَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ

وَلأَِنَّ الدِّينَارَ مُقَوَّمٌ فِي الشَّرْعِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَمَا فِي الزَّكَاةِ، فَإِنَّ نِصَابَ الْفِضَّةِ فِي الزَّكَاةِ مُقَدَّرٌ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَنِصَابَ الذَّهَبِ فِيهَا بِعِشْرِينَ دِينَارًا.

قَال الزَّيْلَعِيُّ: يُحْمَل مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى وَزْنِ خَمْسَةٍ، وَمَا رَوَيْنَاهُ عَلَى وَزْنِ سِتَّةٍ، وَهَكَذَا كَانَتْ دَرَاهِمُهُمْ فِي زَمَانِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى زَمَانِ عُمَرَ ﵁ فَاسْتَوَيَا (١) . وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي مِقْدَارِ الدِّيَةِ يَرْجِعُ إِلَى سِعْرِ صَرْفِ الدِّينَارِ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ أُصُول الدِّيَةِ خَمْسَةٌ: الإِْبِل

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٥٤. وحديث: " قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم. . . " قال عنه الزيلعي: " غريب " كذا في نصب الراية (٤ / ٣٦٢ - ط المجلس العلمي) يعني أنه لا أصل له.

وَالذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَهَذَا قَوْل عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى. وَزَادَ عَلَيْهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - الْحُلَل، فَتَكُونُ أُصُول الدِّيَةِ سِتَّةَ أَجْنَاسٍ.

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ قَامَ خَطِيبًا فَقَال: أَلاَ إِنَّ الإِْبِل قَدْ غَلَتْ. . فَفَرَضَهَا عَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْل الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَعَلَى أَهْل الْبَقَرِ مَائِتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْل الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْل الْحُلَل مِائَتَيْ حُلَّةٍ (١) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَأَيُّ شَيْءٍ أَحْضَرَهُ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ مِنَ الْجَانِي أَوِ الْعَاقِلَةِ مِنْ هَذِهِ الأُْصُول لَزِمَ الْوَلِيَّ أَوِ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَهْل ذَلِكَ النَّوْعِ أَمْ لَمْ يَكُنْ؛ لأَِنَّهَا أُصُولٌ فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا، فَكَانَتِ الْخِيَرَةُ إِلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْل طَاوُسٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ: إِنَّ الأَْصْل فِي الدِّيَةِ الإِْبِل لاَ غَيْرُ؛ لِقَوْلِهِ: أَلاَ إِنَّ قَتِيل الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِْبِل (٣) .

وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَغَلَّظَ

_________

(١) المغني ٧ / ٧٥٩، والبدائع ٧ / ٢٥٣، ٢٥٤.

(٢) الزيلعي ٦ / ٢٧، والمغني ٧ / ٧٦١.

(٣) حديث: " ألا إن قتيل الخطأ ". تقدم فقرة / ١٥.

بَعْضَهَا وَخَفَّفَ بَعْضَهَا، وَلاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي غَيْرِ الإِْبِل؛ وَلأَِنَّهُ بَدَل مُتْلَفٍ (وَجَبَ) حَقًّا لآِدَمِيٍّ، فَكَانَ مُتَعَيِّنًا كَعِوَضِ الأَْمْوَال (١) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَلَهُ إِبِلٌ تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْهَا سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ، وَأَيُّهُمَا أَرَادَ الْمَعْدُول عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلِلآْخَرِ مَنْعُهُ، وَلاَ يَعْدِل إِلَى نَوْعٍ آخَرَ أَوْ قِيمَتِهِ إِلاَّ بِتَرَاضٍ مِنَ الْمُودِي وَالْمُسْتَحِقِّ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِي الإِْبِل فَاسْتُحِقَّتْ كَالْمِثْل فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُتْلَفَةِ.

وَلَوْ عَدِمَتْ إِبِل الدِّيَةِ حِسًّا بِأَنْ لَمْ تُوجَدْ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ تَحْصِيلُهَا مِنْهُ، أَوْ شَرْعًا بِأَنْ وُجِدَتْ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا، فَالْوَاجِبُ أَلْفُ دِينَارٍ عَلَى أَهْل الدَّنَانِيرِ أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِضَّةً عَلَى أَهْل الدَّرَاهِمِ، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ لِحَدِيثِ: " عَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْل الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ (٢) " وَفِي الْقَوْل الْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ تَجِبُ قِيمَتُهَا وَقْتَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهَا بِنَقْدِ بَلَدِهِ الْغَالِبِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لأَِنَّهُ بَدَل مُتْلَفٍ، فَيَرْجِعُ إِلَى قِيمَتِهَا عِنْدَ إِعْوَازِ الأَْصْل (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: أَهْل الْبَوَادِي مِنْ كُل

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٥٥، ٥٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ٧٥٩، ٧٦٠.

(٢) حديث: " على أهل الذهب ألف دينار ". تقدم في نفس الفقرة.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٥٥، ٥٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ٧٦١، وكشاف القناع ٦ / ١٨.

إِقْلِيمٍ مِنْ أَهْل الإِْبِل فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ إِلاَّ الْخَيْل وَالْبَقَرُ فَلاَ نَصَّ، وَالظَّاهِرُ تَكْلِيفُهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرَتِهِمْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَقِيل: يُكَلَّفُونَ قِيمَةَ الإِْبِل (١) .

مِقْدَارُ الدِّيَةِ: أَوَّلًا: مِقْدَارُ الدِّيَةِ فِي النَّفْسِ:

أ - دِيَةُ الذَّكَرِ الْحُرِّ:

٢٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ دِيَةَ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ هِيَ مِائَةٌ مِنَ الإِْبِل أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ. كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي مِقْدَارِ الدِّيَةِ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْحُلَل عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا (٢) .

دِيَةُ الأُْنْثَى

٣٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ دِيَةَ الأُْنْثَى الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ هِيَ نِصْفُ دِيَةِ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُل؛ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ

_________

(١) الفواكه الدواني ٢ / ٥٧.

(٢) الزيلعي ٦ / ١٢٦، ١٢٧، والبدائع ٧ / ٢٥٣، ٢٥٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ٧٦٠ وما بعدها.