الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠

عَلَيْهَا ثَلاَثَةُ آثَارٍ هِيَ: نَظَرُ الْقَاضِي فِيهَا، وَحُضُورُ الْخَصْمِ، وَالْجَوَابُ عَنْهَا، وَتَفْصِيل هَذَا فِيمَا يَأْتِي:

أَوَّلًا - نَظَرُ الدَّعْوَى:

٥٨ - إِذَا رُفِعَتِ الدَّعْوَى إِلَى الْقَاضِي كَانَ مُكَلَّفًا بِالنَّظَرِ فِيهَا وَالْفَصْل بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ الاِمْتِنَاعُ عَنْ ذَلِكَ، إِذِ الْفَصْل فِي خُصُومَاتِ النَّاسِ فَرْضٌ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ إِحْقَاقٌ لِلْحَقِّ وَرَفْعٌ لِلظُّلَمِ، وَرَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي عَلَى الْفَوْرِ. (١)

وَفِي خِلاَل نَظَرِ الْقَاضِي فِي الدَّعْوَى الْمَرْفُوعَةِ إِلَيْهِ يَنْبَغِي عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ مَبَادِئٍ وَأُصُولٍ أَشَارَ إِلَيْهَا الْفُقَهَاءُ، بَعْضُهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مُسْتَحَبٌّ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) .

ثَانِيًا - حُضُورُ الْخَصْمِ:

٥٩ - إِذَا أَرَادَ الْمُدَّعِي الْمُطَالَبَةَ بِحَقِّهِ عَنْ طَرِيقِ الْقَضَاءِ سَلَكَ أَحَدَ سَبِيلَيْنِ:

الأَْوَّل - أَنْ يَتَوَجَّهَ أَوَّلًا إِلَى خَصْمِهِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْحُضُورَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ التَّقَاضِي.

الثَّانِي: أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ مُبَاشَرَةً، فَيَرْفَعَ الدَّعْوَى وَيَطْلُبَ مِنْهُ إِحْضَارَ خَصْمِهِ مِنْ أَجْل مُقَاضَاتِهِ وَالنَّظَرِ فِي الْخُصُومَةِ.

_________

(١) المبسوط ١٦ / ١١٠، قواعد الأحكام ٢ / ٣٠، نهاية المحتاج ٨ / ٨٠

فَإِذَا سَلَكَ الْمُدَّعِي السَّبِيل الأَْوَّل فَإِنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ خَصْمَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِأَرْفَقِ الْوُجُوهِ وَأَجْمَل الأَْقْوَال، وَالأَْصْل أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ إِلَى ذَلِكَ وَعَدَمُ التَّأَخُّرِ. (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى

: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَل أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . (٢)

فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآْيَاتُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُل مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِمَنْ يَدْعُوهُ إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَى شَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ ظَالِمًا فَاجِرًا. (٣)

٦٠ - وَأَمَّا إِذَا سَلَكَ الْمُدَّعِي الطَّرِيقَ الآْخَرَ، أَوْ رَفَضَ خَصْمُهُ الْحُضُورَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَالأَْصْل أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُهُ، وَلَكِنَّ لِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلًا وَخِلاَفًا فِي وُجُوبِ إِحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.

_________

(١) روضة القضاة للسمناني ق ٣٢ ب، تبصرة الحكام ١ / ٣٠٢، أدب القضاء لابن أبي الدم ق ١٤ ب، كشاف القناع ٤ / ١٩٢

(٢) سورة النور الآيات ٤٨ - ٥١

(٣) تفسير ابن كثير ٣ / ٢٩٨

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: (الأُْولَى): أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِحَيْثُ إِذَا أَحْضَرَهُ الْقَاضِي أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَبِيتَ فِيهِ. (وَالثَّانِيَةُ): أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِحَيْثُ إِذَا أُحْضِرَ إِلَيْهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْمَبِيتِ فِي مَنْزِلِهِ.

فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، إِذْ لاَ يَتِمُّ إِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ إِلاَّ بِذَلِكَ.

وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ حُضُورَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يُزْرِي بِبَعْضِ النَّاسِ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ لِلْمُدَّعِي غَرَضٌ مِنْ دَعْوَاهُ إِلاَّ أَذِيَّةَ خَصْمِهِ. وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُ الْخَصْمِ إِذَا اسْتَطَاعَ الْمُدَّعِي أَنْ يُعَضِّدَ دَعْوَاهُ بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا، فَإِنْ فَعَل أَمَرَ الْقَاضِي بِإِحْضَارِهِ. ثُمَّ إِذَا حَضَرَ أُعِيدَتِ الْبَيِّنَةُ مِنْ أَجْل الْقَضَاءِ بِهَا. وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَطْلُبُ مِنَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً مِنْ أَجْل إِحْضَارِ خَصْمِهِ، وَإِنَّمَا يَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَمِينِ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ، فَإِنْ حَلَفَ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِحْضَارِ خَصْمِهِ، وَإِلاَّ فَلاَ. (١)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، وَحَدُّ الْبُعْدِ عِنْدَهُمْ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمَّا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٢٠ ط بولاق ١٢٧٢ هـ.

الْقَرِيبُ فَيَنْبَغِي عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِإِحْضَارِهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَإِنْ أَبَى لِغَيْرِ عُذْرٍ أَحْضَرَهُ قَهْرًا. عَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْمُرُ بِإِحْضَارِهِ إِلاَّ إِذَا قَدَّمَ الْمُدَّعِي وَجْهًا يَسْتَوْجِبُ إِحْضَارَهُ، فَإِنْ أَظْهَرَ حُجَّةً أَوْ قَوْلًا يُوجِبُ ذَلِكَ أَجَابَهُ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ شَيْئًا لَمْ يَأْمُرْ بِإِحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ بَعِيدًا عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ إِحْضَارُهُ، وَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ فَقَدْ جَعَلُوا لِلْقَاضِي الَّذِي رُفِعَتْ إِلَيْهِ الدَّعْوَى أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَطْلُبَ مِنْهُ اسْتِجْوَابَهُ، وَيُسَجِّل مَا يُبْدِيهِ مِنْ حُجَجٍ ثُمَّ يُرْسِلَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي الدَّعْوَى عَلَى ضَوْءِ مَا يَصِلُهُ مِنْ قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي شَاهِدٌ بِدَعْوَاهُ كَتَبَ الْقَاضِي إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَوْ تُرْضِيَ خَصْمَكَ. (١)

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ إِحْضَارُ الْخَصْمِ الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ، أَوْ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْحُضُورَ إِلَيْهِ وَالرُّجُوعَ إِلَى بَلَدِهِ فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ. وَلَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا مِنْ أَجْل وُجُوبِ إِحْضَارِ الْخَصْمِ أَنْ لاَ يُعْلَمَ كَذِبَ

_________

(١) العقد المنظم للحكام ٢ / ١٩٩، القوانين الفقهية ص ٢٨٧، القول المرتضى ق ٣ ب

الْمُدَّعِي، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مُسْتَحِيلًا عَقْلًا أَوْ عَادَةً، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْتَأْجِرًا لِعَيْنٍ يُعَطِّل حُضُورُهُ اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَتِهَا، وَإِنَّمَا يُحْضِرُهُ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِْجَارَةِ، وَقَدْ ضَبَطُوا التَّعْطِيل الْمُضِرَّ بِأَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ يُقَابَل بِأُجْرَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ. (١)

وَالشَّافِعِيَّةُ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُجِيزُونَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَبِهَذَا يَسْتَطِيعُ الْمُدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ أَنْ يَسْلُكَ هَذَا الطَّرِيقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ إِحْضَارَ خَصْمِهِ. (٢)

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَسْلَكٌ قَرِيبٌ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ: فَقَدْ فَصَّلُوا بَيْنَ الْقَرِيبِ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَالْبَعِيدِ عَنْهُ، فَالْقَرِيبُ يَحْضُرُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَلاَ يُطْلَبُ مِنَ الْمُدَّعِي تَفْصِيل مَطَالِبِهِ، وَلاَ ذِكْرُ الشُّرُوطِ الْمُصَحِّحَةِ لِلدَّعْوَى، وَالْبَعِيدُ لاَ يَحْضُرُ إِلاَّ إِذَا فَصَّل الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ وَذَكَرَ جَمِيعَ شُرُوطِهَا، وَلَكِنَّ مُقْتَضَى كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي فِي الْقَرِيبِ أَنْ يَسْتَفْسِرَ عَنْ بَعْضِ شُرُوطِ الدَّعْوَى، فَيَسْأَل مَثَلًا عَنِ الْمُدَّعَى بِهِ لِيَعْلَمَ إِنْ كَانَ تَافِهًا لاَ تَتَّبِعُهُ الْهِمَّةُ أَوْ غَيْرَ تَافِهٍ. وَيَجْدُرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ هُمْ مِمَّنْ أَجَازَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُدَّعِي

_________

(١) تحفة المحتاج ١٠ / ١٨٦، ١٨٩

(٢) المهذب ٢ / ٣٠٥، شرح المحلي، حاشية قليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٨

عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطْلُبَ الْحُكْمَ عَلَى خَصْمِهِ مَعَ غِيَابِهِ، وَلاَ يَطْلُبُ إِحْضَارَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُنْظَرْ فِي دَعْوَاهُ. (١)

كَيْفِيَّةُ إِحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ:

٦١ - إِذَا اسْتَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَعْوَةِ خَصْمِهِ، وَحَضَرَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَلاَ حَاجَةَ عِنْدَئِذٍ لأَِيِّ إِجْرَاءٍ يُتَّخَذُ مِنْ أَجْل إِحْضَارِهِ.

وَأَمَّا إِذَا جَاءَ الْمُدَّعِي إِلَى الْقَاضِي وَقَال لَهُ: إِنَّ لِي عَلَى فُلاَنٍ حَقًّا، وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ تَوَارَى عَنِّي وَلَيْسَ يَحْضُرُ مَعِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي الدَّعْوَى، وَيَسْأَل عَنْ مَكَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَال بِحَيْثُ يَنْبَغِي إِحْضَارُ الْمَطْلُوبِ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِحْضَارِهِ بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ. (٢) ثُمَّ إِذَا أَطْلَعَ الْخَصْمَ عَلَى طَلَبِ الْحُضُورِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ دِيَانَةً وَقَضَاءً، إِلاَّ إِذَا وَكَّل عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يَرْضَاهُ لِيَنُوبَ عَنْهُ فِي الْمُخَاصَمَةِ، وَإِلاَّ فَإِنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ تَعَنَّتَ وَرَفَضَ الْمَجِيءَ بَعْدَ أَنْ أَطْلَعَهُ

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ١٩٢ - ١٩٣، ٢٠٨، المغني ٩ / ٦١ - ٦٣، غاية المنتهى ٣ / ٤٤٥

(٢) أدب القاضي للناصحي ق ٤ أ، العقد المنظم للحكام ٢ / ١٩٩، المنهاج وشرح المحلي وحاشية قليوبي وعميرة ٤ / ٣١٣، وتحفة المحتاج ١٠ / ١٨٩، المغني ٩ / ٦١، ٦٢، كشاف القناع ٤ / ١٩٢

عَلَى طَلَبِ الْقَاضِي، فَإِنَّ هَذَا يُرْسِل إِلَيْهِ بَعْضَ أَعْوَانِهِ، فَيُحْضِرُونَهُ قَهْرًا إِذَا وَجَدُوهُ وَامْتَنَعَ عَنِ الْحُضُورِ. (١) ثُمَّ إِذَا حَضَرَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَقَامَ الدَّلِيل عَلَى تَعَنُّتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أُدِّبَ بِمَا يَرَاهُ الْقَاضِي مُنَاسِبًا لِمِثْلِهِ. (٢) وَذَلِكَ لأَِنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الْقِيَامِ بِوَاجِبَيْنِ هُمَا: التَّحَاكُمُ إِلَى شَرْعِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ، وَطَاعَةُ وَلِيِّ الأَْمْرِ.

ثُمَّ إِذَا عَجَزَ الأَْعْوَانُ عَنْ إِحْضَارِهِ بَعَثَ الْقَاضِي إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ أَوِ الْوَالِي، فَيُعَرِّفُهُ بِالأَْمْرِ، فَيُحْضِرُهُ إِلَيْهِ.

ثَالِثًا - الْجَوَابُ عَلَى الدَّعْوَى:

٦٢ - إِذَا اسْتَوْفَى الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ جَمِيعَ الشُّرُوطِ الْمَطْلُوبَةِ لِصِحَّتِهَا تَرَتَّبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ عَنْهَا.

وَالْجَوَابُ عَنِ الدَّعْوَى بِاعْتِبَارِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا، لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِشُرُوطٍ، وَهِيَ:

أ - أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا بِصِيغَةٍ جَازِمَةٍ، فَلاَ يُقْبَل مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَقُول فِي الْجَوَابِ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي: (مَا أَظُنُّ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا) . (٣)

_________

(١) القوانين الفقهية ص ٢٨٧

(٢) أدب القاضي للناصحي ق٤أ، أدب القضاء لابن أبي الدم ق ١٤ ب، المغني ٩ / ٦١ - ٦٢، كشاف القناع ٤ / ١٩٢

(٣) معين الحكام ص ٦٤، أدب القضاء لابن أبي الدم ق ٣٠ ب، لب اللباب ص ٢٥٦

ب - أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلدَّعْوَى، وَذَلِكَ بِأَنْ يُجِيبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَمِيعِ طَلَبَاتِ الْمُدَّعِي، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَنِ الإِْجَابَةِ عَنْ جُزْءٍ مِنْهَا. بَل ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَوَابَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ عُمُومِيَّةً مِنَ الدَّعْوَى، بِأَنْ يَعُمَّهَا وَيَعُمَّ غَيْرَهَا، كَمَا لَوْ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (لاَ حَقَّ لَكَ قِبَلِي) وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مِثْل هَذَا الْجَوَابِ مَقْبُولٌ، لأَِنَّ قَوْلَهُ: (لاَ حَقَّ لَكَ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتُفِيدُ الْعُمُومَ (١) .

وَكَذَلِكَ قَالُوا: لاَ يَكْفِي فِي الْجَوَابِ عَلَى الدَّعْوَى بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا أَنْ يَقُول: (لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ مِائَةٌ) حَتَّى يَقُول: (وَلاَ شَيْءَ مِنْهَا)، لأَِنَّهُ بِدُونِ ذَلِكَ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ مِائَةٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ الأَْقَل، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي عَلَيْهِ كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمِائَةِ، فَلاَ يَكُونُ فِي جَوَابِهِ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ طَلَبَاتِ الْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا لِجُزْءٍ مِنْهَا، وَيَظَل مُتَوَقِّفًا عَنِ الْجَوَابِ فِي حَقِّ بَاقِي الأَْجْزَاءِ. (٢)

بَل ذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ نَصًّا، فَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ دِينَارًا، فَأَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ فَلْسًا، لاَ يُقْبَل الْجَوَابُ حَتَّى

_________

(١) المهذب ٢ / ٣١١، المنهاج وحاشية قليوبي ٤ / ٣٣٨، لب اللباب ص ٢٥٦، كشاف القناع ٤ / ١٩٦

(٢) غاية المنتهى ٣ / ٤٥١، كشاف القناع ٤ / ١٩٦، الفروع ٣ / ٨٠٣، المنهاج وحاشية قليوبي ٤ / ٣٨٨

يُصَرِّحَ بِنَفْيِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ. (١)

وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى خِلاَفِ هَذَا، لأَِنَّ مِثْل هَذَا الْجَوَابِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْجُزْءِ الأَْصْغَرِ نَصًّا، وَيَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْبَاقِي مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى أَوِ الدَّلاَلَةِ.

أَوْجُهُ الْجَوَابِ:

جَوَابُ الدَّعْوَى الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ الأَْوْجُهِ الآْتِيَةِ:

٦٣ - ١ - أَنْ يَكُونَ إِقْرَارًا بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى: وَيُقْصَدُ بِالإِْقْرَارِ إِخْبَارُ الشَّخْصِ بِحَقٍّ لآِخَرَ عَلَيْهِ. (٢)

وَقَدْ يَكُونُ الإِْقْرَارُ تَامًّا بِأَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ نَاقِصًا بِأَنْ يُقِرَّ بِبَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ وَيُنْكِرَ الْبَاقِيَ: فَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمُدَّعَى بِهِ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ مُخْتَارًا، فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ.

وَالإِْقْرَارُ بِالْمُدَّعَى قِسْمَانِ: صَرِيحٌ وَضِمْنِيٌّ.

وَالأَْوَّل وَاضِحٌ، وَالضِّمْنِيُّ يَكُونُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال الَّتِي يَدْفَعُ فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَى

_________

(١) غاية المنتهى ٣ / ٤٥١، كشاف القناع ٦ / ٣٣٣، الفروع ٣ / ٨١٣

(٢) درر الحكام ٢ / ٣٥٧، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ٥٨٨، وشرح حدود ابن عرفة ص ٣٣٢، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٨، فيض الإله المالك ٢ / ١٠٢

خَصْمِهِ، فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الدَّفْعِ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَصْل الدَّعْوَى، وَذَلِكَ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ مَالًا، فَيَقُول فِي الْجَوَابِ: لَقَدْ أَبْرَأَنِيَ الْمُدَّعِي عَنْ هَذَا الْمَال، فَيَكُونَ هَذَا الدَّفْعُ مُتَضَمِّنًا لِلإِْقْرَارِ بِالْمُدَّعِي. (١) وَلِلإِْقْرَارِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِهِ.

٦٤ - ٢ - أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ إِنْكَارًا لِلْحَقِّ الْمُدَّعَى: وَالإِْنْكَارُ قَدْ يَكُونُ كُلِّيًّا فَيَسْرِي حُكْمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ جُزْئِيًّا، فَيَسْرِي حُكْمُهُ عَلَى الْجُزْءِ الْمُنْكَرِ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الإِْنْكَارِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا وَبِصِيغَةِ الْجَزْمِ، فَلاَ يَصِحُّ قَوْل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (مَا أَظُنُّ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا) . (٢) وَيَسْتَلْزِمُ هَذَا الشَّرْطُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَنَاوَل الإِْنْكَارُ الْحَقَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الدَّعْوَى، فَلاَ يَصِحُّ إِذَا كَانَ يَتَنَاوَل حَقًّا آخَرَ لَمْ تَقْتَضِهِ الدَّعْوَى، فَفِي جَوَابِ دَعْوَى الْوَدِيعَةِ مَثَلًا يُقْبَل مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَقُول: (لَمْ تُودِعْنِي، أَوْ لاَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا)، فَلَوْ قَال: (لاَ يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ أَوْ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ)، لَمْ يَكُنْ هَذَا إِنْكَارًا لِلدَّعْوَى، لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةِ، فَهُوَ قَدْ نَفَى حَقًّا لَمْ يَدَّعِهِ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي، فَلاَ يُعْتَبَرُ إِنْكَارًا لِدَعْوَى الْوَدِيعَةِ. (٣)

_________

(١) أدب القضاء لابن أبي الدم ق ٢٨ ب.

(٢) لب اللباب ص ٢٥٦، معين الحكام ص ٦٤

(٣) تحفة المحتاج ١٠ / ٣٠٥