الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

هَدْيٌ، وَلَوْ بَعْدَ سَعْيِهَا، بَل يَلْزَمُهُ كَمَا يَأْتِي؛ لأَِنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) وَيَصِيرُ قَارِنًا عَلَى الْمَذْهَبِ (٢) .

وَقَال فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لاَ يَصِيرُ قَارِنًا، وَلَوْ كَانَ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ بِهِ قَبْلَهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

ثَانِيًا

إِضَافَةُ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ

٢٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (٣) وَالشَّافِعِيَّةُ (٤) - فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ - وَالْحَنَابِلَةُ (٥) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَصِيرُ قَارِنًا، وَلاَ يَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَلاَ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَهَل بِهَا. وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ،

_________

(١) من الآية ١٩٦ من سورة البقرة، وانظر فيها بحثنا في مصطلح (إحصار) ففد تكررت فيه.

(٢) وعليه اقتصر ابن قدامة في الكافي والمغني، مما يؤكد اعتماده في المذهب.

(٣) مختصر خليل بشروحه: مواهب الجليل ٣ / ٤٨، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٥٧، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٧، وانظر المدونة ٢ / ١٣٠

(٤) شرح المحلي للمنهاج ٢ / ١٢٧، ونهابة المحتاج ٢ / ٤٤٢، والإيضاح ص ١٥٧، والمهذب ٧ / ١٦٣، والمجموع ٤ / ١٦٦، ومغني المحتاج ١ / ٥١٤

(٥) المغني ٣ / ٤٨٤، والكافي ١ / ٥٣٢، و٥٣٣، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٠٨

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِكَرَاهَةِ هَذَا الْعَمَل، لَكِنْ قَال الْحَنَفِيَّةُ بِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ عَلَى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ.

ثَالِثًا

الإِْحْرَامُ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا أَوْ عُمْرَتَيْنِ مَعًا

٢٩ - إِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا وَلَغَتِ الأُْخْرَى. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ لاَ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِمَا، فَلَمْ يَصِحَّ الإِْحْرَامُ بِهِمَا. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ قَضَاؤُهَا.

وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الإِْحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِهِمَا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ إِحْدَاهُمَا؛ لأَِنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا وَلَمْ يُتِمَّهَا. وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ وَفُرُوعٌ لاَ حَاجَةَ إِلَى إِيرَادِهَا هُنَا لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا (١) .

الْفَصْل الثَّالِثُ

حَالاَتُ الإِْحْرَامِ

٣٠ - يَنْقَسِمُ الإِْحْرَامُ بِحَسَبِ مَا يَقْصِدُ الْمُحْرِمُ أَدَاءَهُ بِهِ مِنَ النُّسُكِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الإِْفْرَادِ لِلْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ إِمَّا تَمَتُّعٌ أَوْ قِرَانٌ.

الإِْفْرَادُ: هُوَ اصْطِلاَحًا: أَنْ يُهِل - أَيْ يَنْوِيَ - فِي إِحْرَامِهِ الْحَجَّ فَقَطْ، أَوِ الْعُمْرَةَ فَقَطْ.

_________

(١) المغني ٣ / ٢٥٤، ومواهب الجليل ٣ / ٤٨، والمجموع ٧ / ٢٣٥، وفتح القدير ٢ / ٢٩١

الْقِرَانُ:

الْقِرَانُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الآْفَاقِيُّ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا قَبْل أَكْثَرِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ، وَيُؤَدِّي الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ نِيَّتَيْنِ مُرَتَّبَتَيْنِ يَبْدَأُ فِيهِمَا بِالْعُمْرَةِ، أَوْ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ وَيُرْدِفُ الْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْل طَوَافِهَا أَوْ بِطَوَافِهَا (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْل الطَّوَافِ (٣) .

وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا الإِْحْرَامَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (٤) .

التَّمَتُّعُ:

التَّمَتُّعُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ التَّرَفُّقُ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ غَيْرِ إِلْمَامٍ بَيْنَهُمَا بِأَهْلِهِ إِلْمَامًا صَحِيحًا (٥) .

وَالإِْلْمَامُ الصَّحِيحُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالَةِ تَحَلُّلِهِ

_________

(١) لباب المناسك ص ١٧١، وقارن بالبدائع ٢ / ١٦٧ وفيه: " أما القارن فهو في عرف الشرع اسم الآفاقي يجمع. . . " لكن صرح في شرح اللباب ص ١٧٢ بقوله " إن اشتراط الآفاقي إنما هو للقران المسنون، لا لصحة عقد الحج والعمرة ".

(٢) بتصرف يسير عن متن خليل، والشرح الكبير ٢ / ٢٨، وقارن بالرسالة ١ / ٤٩٣

(٣) المنهاج ٢ / ١٢٧، والمهذب ٧ / ١٦٣، والسياق للمهاج وفيه التصريح بشرط " في أشهر الحج ".

(٤) المغني ٣ / ٢٨٤، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٠٧ وفيه قوله: " وسواء كان في أشهر الحج أولا "

(٥) لباب المناسك ص ١٧٩

مِنْ عُمْرَتِهِ، وَقَبْل شُرُوعِهِ فِي حَجَّتِهِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: التَّمَتُّعُ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يُحِل مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَحُجَّ بَعْدَهَا (٢) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا (٣) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ أَيْنَ شَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا (٤) .

وَاجِبَاتُ الإِْحْرَامِ:

٣١ - تَنْحَصِرُ وَاجِبَاتُ الإِْحْرَامِ (٥) فِي أَمْرَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ:

الأَْوَّل: كَوْنِ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ. الثَّانِي: صَوْنِ الإِْحْرَامِ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الْفَصْل الرَّابِعُ

مَوَاقِيتُ الإِْحْرَامِ

٣٢ - الْمِيقَاتُ: مِنَ التَّوْقِيتِ، وَهُوَ: أَنْ يُجْعَل لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى

_________

(١) شرح اللباب الموضع السابق وانظر ١٧٢، ١٧٣

(٢) متن خليل مع الشرح الكبير ٢ / ٢٩، ونحوه في الرسالة وشرحها ١ / ٤٩٣

(٣) منهاج الطالبين للنووي ٢ / ١٢٧ نسخة شرح المحلي، باختصار قوله " من مكة " لأنه ليس شرطا في التمتع.

(٤) غاية المنتهى ٢ / ٣٠٧

(٥) والمراد بالواجب ما يترتب الإثم على تركه عمدا. والمراد في باب الحج ما يجبر تركه بالدم ولا تفوت صحة الحج بفوته (ابن عابدين ٢ / ٢٠٠، والخرشي ٢ / ٢٨١، والجمل ١ / ٤٢٧، والمغني ٣ / ٤٤٤، والقواعد لابن اللحام ٦٣) .

الْمَكَانِ. وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَدِّ الْمُحَدِّدِ لِلشَّيْءِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفُوا الْمَوَاقِيتَ بِأَنَّهَا: " مَوَاضِعُ وَأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ (٢) ". وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ لِلإِْحْرَامِ نَوْعَيْنِ مِنَ الْمِيقَاتِ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ. النَّوْعُ الثَّانِي: الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ.

الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ

إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِيقَاتًا لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ، أَوْ لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ. فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:

أَوَّلًا: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ:

٣٣ - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤) وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (٥) .

وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَشَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى آخِرِهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ جَمِيعَ هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَقْتٌ لِجَوَازِ الإِْحْرَامِ، بَل الْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ هَذَا الزَّمَنِ وَقْتٌ لِجَوَازِ ابْتِدَاءِ الإِْحْرَامِ، وَهُوَ مِنْ شَوَّالٍ لِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَبَعْضُهُ وَقْتٌ لِجَوَازِ التَّحَلُّل، وَهُوَ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ

_________

(١) النهاية في غريب الحديث مادة (وقت) ٤ / ٢٣٨، وتاج العروس شرح القاموس ١ / ٥٩٤، ومختار الصحاح للرازي ص ٧٣١

(٢) غاية المنتهى ٢ / ٢٩٥، ٢٩٦

(٣) الهداية ٢ / ٢٢٠، ورد المحتار ٢ / ٢٠٦، ٢٠٧

(٤) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٩١، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٨٧

(٥) المغني ٣ / ٢٩٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٠١

لآِخِرِ ذِي الْحِجَّةِ (١) .

وَعَلَى هَذَا فَالْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْحْرَامِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِنَّمَا مُرَتَّبٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الإِْحْلاَل إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، كَمَا سَيَأْتِي.

وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ " قَدْ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ (٢) ".

وَالأَْصْل لِلْفَرِيقَيْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ (٣)

فَالْجُمْهُورُ فَسَّرُوا الآْيَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ. وَاسْتَدَلُّوا بِالآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ. كَمَا يَدُل لَهُمْ أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ تُؤَدَّى خِلاَل تِلْكَ الْفَتْرَةِ.

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَدَلِيلُهُمْ وَاضِحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الآْيَةِ؛ لأَِنَّهَا عَبَّرَتْ بِالْجَمْعِ " أَشْهُرٌ " وَأَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ دُخُول ذِي الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي نَهَارِ يَوْمِ النَّحْرِ هَل هُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لاَ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَالأَْوَّل هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ (٤) .

_________

(١) الشرح الكبير بحاشيته ٢ / ٢١ والسياق منه، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٤١، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٤٥٧

(٢) تفسير ابن كثير ١ / ٢٣٦

(٣) سورة البقرة / ١٩٧

(٤) المجموع ٧ / ١٣٢، وانظر فتح القدير ٢ / ٢٢١، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٨٨

اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقَال: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ. قَال: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (١) .

قَالُوا: وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ (٢) . وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ بَعْثِ أَبِي بَكْرٍ أَبَا هُرَيْرَةَ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، فَإِنَّهُ امْتِثَالٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ. . .﴾ وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا بِالدَّلِيل الْمَعْقُول؛ لأَِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فِيهِ رُكْنُ الْحَجِّ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَفِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَفْعَال الْحَجِّ، مِنْهَا: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالنَّحْرُ، وَالْحَلْقُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مِنًى (٣) .

وَمُسْتَبْعَدٌ " أَنْ يُوضَعَ لأَِدَاءِ رُكْنِ عِبَادَةٍ وَقْتٌ لَيْسَ وَقْتَهَا، وَلاَ هُوَ مِنْهُ " (٤)

وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِرِوَايَةِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: " أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " أَيْ عَشْرُ لَيَالٍ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُهُ. رَوَاهَا كُلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحَةٌ (٥) .

_________

(١) أبو داود في الحج (باب يوم الحج الأكبر) ٢ / ١٩٥ وابن ماجه رقم ٣٠٥٨

(٢) المغني ٣ / ٢٩٥، وانظر مطالب أولي النهى ٢ / ٣٠١

(٣) المغني الموضع السابق.

(٤) فتح القدير ٢ / ٣٢١

(٥) المجموع ٧ / ١٣٣ وانظر السنن الكبرى للبيهقي (باب بيان أشهر الحج) ٤ / ٣٤٢. وهذه الآثار أخرجها الدارقطني أيضا ٢ / ٢٢٦، ٢٢٧ وفها الرواية عن ابن عمر من طريق عبد الله بن دينار عنه. ورواية نافع أخرجها الحاكم في المستدرك ٢ / ٢٧٦. وقال: صحيح على شرطهما. ووافقه الذهبي.

أَحْكَامُ الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ لِلْحَجِّ:

٣٤ - أ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (١) وَالْمَالِكِيَّةُ (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَنْعَقِدُ حَجًّا، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (٤) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْل هِلاَل شَوَّالٍ لَمْ يَنْعَقِدْ حَجًّا، وَانْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ. وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ (٥) .

٣٥ - وَالأَْصْل فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وَقَدْ تَنَازَعَ الْفَرِيقَانِ الاِسْتِدْلاَل بِهَا، وَأَيَّدَ كُل فَرِيقٍ وُجْهَتَهُ بِدَلاَئِل أُخْرَى. وَهُوَ خِلاَفٌ وَقَعَ بَيْنَ أَهْل الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا (٦) . اسْتَدَل الثَّلاَثَةُ بِأَنَّ مَعْنَى الآْيَةِ: الْحَجُّ (حَجٌّ) أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ فِيهَا أَكْمَل مِنَ الإِْحْرَامِ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ صَحِيحًا (٧)؛ وَلأَِنَّهُ أَحَدُ نُسُكَيِ الْقِرَانِ،

_________

(١) الهداية ٢ / ٢٢١، ورد المحتار ٢ / ٢٠٦، ٢٠٧ والمسلك المتقسط ص ٥٤

(٢) شرح الزرقاني ٢ / ٢٤٩، والشرح الكبير بحاشيته ٢ / ٢٢، وحاشية العدوي ١ / ٤٥٧

(٣) المغني ٣ / ٢٧١، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٠١

(٤) المغني المرضع السابق وتفسير ابن كثير ١ / ٢٣٥ ط عيسى الحلبي، وفيه ذكر الليث بن سعد.

(٥) المجموع ٧ / ١٣٠

(٦) كما ذكر ابن كثير في تفسيره ١ / ٢٣٥ ط عيسى الحلبي ومنه نسوق توجيه الآية لكل فريق.

(٧) الشرح الكبير بحاشيته الموضع السابق.

فَجَازَ الإِْحْرَامُ بِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ كَالْعُمْرَةِ، أَوْ: أَحَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، فَصَحَّ الإِْحْرَامُ قَبْلَهُ، كَمِيقَاتِ الْمَكَانِ (١) .

وَوَجَّهَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَسْأَلَةَ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِأَنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ، فَأَشْبَهَ الطَّهَارَةَ فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ عَلَى الْوَقْتِ، وَثَبَتَتِ الْكَرَاهَةُ لِشَبَهِهِ بِالرُّكْنِ (٢) . وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ . (٣)

وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ ظَاهِرَهُ التَّقْدِيرُ الآْخَرُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ النُّحَاةُ، وَهُوَ (وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) فَخَصَّصَهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ قَبْلَهَا، كَمِيقَاتِ الصَّلاَةِ. وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول: بِأَنَّ الإِْحْرَامَ نُسُكٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَكَانَ مُؤَقَّتًا، كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ (٤) .

٣٦ - اتَّفَقُوا بَعْدَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَل أَيَّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَال الْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يُجْزِهِ، حَتَّى لَوْ صَامَ الْمُتَمَتِّعُ أَوِ الْقَارِنُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ لاَ يَجُوزُ، وَكَذَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لاَ يَقَعُ عَنْ سَعْيِ الْحَجِّ إِلاَّ فِيهَا.

ثَانِيًا: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ:

٣٧ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ الزَّمَانِيَّ هُوَ جَمِيعُ الْعَامِ، فَيَصِحُّ أَنْ تُفْعَل فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَيَنْعَقِدُ إِحْرَامُهَا، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ لَهَا بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.

_________

(١) المغني ٣ / ٢٧١

(٢) فتح القدير ٢ / ٢٢١

(٣) سورة البقرة ١٩٧

(٤) المهذب ٧ / ١٢٤، ١٢٥

وَكَذَلِكَ قَرَّرُوا أَنَّهَا أَفْضَل فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ. وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: " تُنْدَبُ فِي رَمَضَانَ "، لِقَوْلِهِ ﷺ: عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .

٣٨ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَوْقَاتٍ يُكْرَهُ فِيهَا الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ أَوْ لاَ يُكْرَهُ. وَهِيَ:

أ - يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِيهَا، لَكِنْ قَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ: " وَهِيَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَالْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَيْسَتْ كَفَضْلِهَا فِي غَيْرِهَا؛ لأَِنَّ الأَْفْضَل فِعْل الْحَجِّ فِيهَا ".

وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ بِأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلاَ دَلِيل عَلَيْهَا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ تُكْرَهُ تَحْرِيمًا يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، حَتَّى يَجِبَ الدَّمُ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: حَلَّتِ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إِلاَّ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (٢) . " وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْيَّامَ أَيَّامُ شُغْلٍ بِأَدَاءِ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ فِيهَا تَشْغَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا يَقَعُ الْخَلَل فِيهِ فَتُكْرَهُ ".

ب - اسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ سَعَةِ الْوَقْتِ لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، فَقَالُوا: الْحَاجُّ وَقْتُ إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ وَقْتِ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْحَجِّ، وَذَلِكَ " بِالْفَرَاغِ مِنْ

_________

(١) البخاري (باب عمرة في رمضان) ٣ / ٣، ومسلم ٤ / ٦١، ٦٢ وفي لفظ لمسلم " حجة معي " وفي الحديث قصة لم نذكرها.

(٢) نصب الراية ٣ / ١٤٦، ١٤٧