الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩
أَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ تُفِيدُ حُرْمَةَ نِكَاحِ الأُْخْتِ وَأَرْبَعٍ سِوَى الزَّوْجَةِ فِي عِدَّتِهَا (١) .
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَحْرِيمِ بِنْتِ الزَّوْجَةِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَرَوَى ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالزَّوْجِ لاَ تَقُومُ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي تَحْرِيمِ بِنْتِهَا. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي نَوَادِرِ أَبِي يُوسُفَ: إِذَا خَلاَ بِهَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ حَال إِحْرَامِهِ لَمْ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَهَا، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَحِل، فَإِنَّ الزَّوْجَ لَمْ يُجْعَل وَاطِئًا، حَتَّى كَانَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلاَفَ فِي الْخَلْوَةِ الْفَاسِدَةِ، أَمَّا الصَّحِيحَةُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهَا تُحَرِّمُ الْبِنْتَ (٢) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الدُّخُول بِالأُْمِّ يُحَرِّمُ الْبِنْتَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) .
وَهَذَا نَصٌّ وَالْمُرَادُ بِالدُّخُول فِي الآْيَةِ الْوَطْءُ كَنَّى عَنْهُ بِالدُّخُول، فَإِنْ خَلاَ بِهَا وَلَمْ يَطَأْهَا لَمْ تَحْرُمِ ابْنَتُهَا، لأَِنَّ الأُْمَّ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا، وَظَاهِرُ قَوْل الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُهَا لِقَوْلِهِ: فَإِنْ خَلاَ بِهَا، وَقَال
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٤١ نشر دار إحياء التراث.
(٢) ابن عابدين ٢٢ / ٢٧٨، الطبعة السابقة، الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية ٤ / ١٤١.
(٣) سورة النساء / ٢٣.
لَمْ أَطَأْهَا، وَصَدَّقَتْهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهَا، وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الدُّخُول (١) .
وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ خِلاَفًا فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ فَقَال: وَأَمَّا تَحْرِيمُ الرَّبِيبَةِ فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَحْصُل بِالْخَلْوَةِ، وَقَال الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: لاَ تَحْرُمُ، وَحَمَل الْقَاضِي كَلاَمَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ حَصَل مَعَ الْخَلْوَةِ نَظَرٌ أَوْ مُبَاشَرَةٌ، فَيُخَرَّجُ كَلاَمُهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ وَالدُّخُول كِنَايَةٌ عَنِ الْوَطْءِ وَالنَّصُّ صَرِيحٌ فِي إِبَاحَتِهَا بِدُونِهِ، فَلاَ يَجُوزُ خِلاَفُهُ (٢) .
(ر: نِكَاحٌ - صِهْرٌ - مُحَرَّمَاتٌ) .
_________
(١) المغني ٦ / ٧٢٥.
(٢) المغني ٦ / ٥٧٠.
خُلُوٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخُلُوُّ لُغَةً مَصْدَرُ خَلاَ، يُقَال خَلاَ الْمَكَانُ أَوِ الإِْنَاءُ خُلُوًّا وَخَلاَءً إِذَا فَرَغَ مِمَّا بِهِ، وَخَلاَ الْمَكَانُ مِنْ أَهْلِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ، وَخَلاَ فُلاَنٌ مِنَ الْعَيْبِ: بَرِئَ مِنْهُ. وَخَلاَ بِصَاحِبِهِ خَلْوًا، وَخَلْوَةً وَخُلُوًّا وَخَلاَءً انْفَرَدَ بِهِ فِي خَلْوَةٍ، وَأَخْلَى لَهُ الشَّيْءَ: فَرَغَ لَهُ عَنْهُ، وَأَخْلَى الْمَكَانَ وَالإِْنَاءَ وَغَيْرَهُمَا: جَعَلَهُ خَالِيًا (١) .
وَالْخُلُوُّ فِي الاِصْطِلاَحِ يَكُونُ بِمَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: الْخُلُوُّ بِمَعْنَى الاِنْفِرَادِ يُقَال: خَلَوْتُ بِنَفْسِي أَوْ خَلَوْتُ بِفُلاَنٍ وَالْخُلُوُّ أَيْضًا: الاِنْفِرَادُ بِالزَّوْجَةِ، بِأَنْ يُغْلِقَ الرَّجُل الْبَابَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَيَنْفَرِدَ بِهَا. وَأَكْثَرُ مَا يُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ خَلْوَةً، وَلِذَا تُنْظَرُ أَحْكَامُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ: (خَلْوَةٌ) .
وَالثَّانِي: وَلَيْسَ مَعْرُوفًا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَلَكِنْ يُوجَدُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي كُتُبِ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِمَعْنَى الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الْمُسْتَأْجِرُ لِعَقَارِ الْوَقْفِ مُقَابِل مَالٍ يَدْفَعُهُ إِلَى
_________
(١) المعجم الوسيط.
النَّاظِرِ لِتَعْمِيرِ الْوَقْفِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُعَمِّرُ بِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ، مَعْلُومٌ بِالنِّسْبَةِ كَنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ، وَيُؤَدِّي الأُْجْرَةَ لِحَظِّ الْمُسْتَحِقِّينَ عَنِ الْجُزْءِ الْبَاقِي مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَيَنْشَأُ ذَلِكَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ سَيَأْتِي بَيَانُ بَعْضِهَا.
وَعَرَّفَهُ الزُّرْقَانِيُّ بِتَعْرِيفٍ أَعَمَّ فَقَال: هُوَ اسْمٌ لِمَا يَمْلِكُهُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي دَفَعَ فِي مُقَابَلَتِهَا الدَّرَاهِمَ (١) .
وَأُطْلِقَ الْخُلُوُّ أَيْضًا عَلَى حَقِّ مُسْتَأْجِرِ الأَْرْضِ الأَْمِيرِيَّةِ فِي التَّمَسُّكِ بِهَا إِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا أَثَرٌ مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ كَبْسٍ بِالتُّرَابِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُقُوقِ لِبَيْتِ الْمَال، وَهَذَا النَّوْعُ الثَّانِي سَمَّاهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ خُلُوًّا، وَفِي أَكْثَرِ كَلاَمِ الشَّيْخِ عُلَيْشٍ قَال: هُوَ مُلْحَقٌ بِالْخُلُوِّ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ: يَكُونُ خُلُوًّا. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ كَلاَمِهِ إِطْلاَقُ الْخُلُوِّ عَلَى نَفْسِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَنَحْوِهِمَا، الَّذِي يُقِيمُهُ مَنْ بِيَدِهِ عَقَارُ وَقْفٍ أَوْ أَرْضٍ أَمِيرِيَّةٍ (٢) .
وَفِي كَلاَمِ الدُّسُوقِيِّ مِثْل ذَلِكَ (٣) . وَيَكُونُ الْخُلُوُّ فِي الْعَقَارَاتِ الْمَمْلُوكَةِ أَيْضًا.
_________
(١) الزرقاني ٦ / ١٢٧.
(٢) ابن عابدين، وقانون العدل والإنصاف لقدري باشا (مادة ٣٦٠، ٣٦١) والفتاوى الهندية ٥ / ٦١، ومرشد الحيران م٥٩٨، والفتاوى الخيرية ٢ / ١٩٨. وفتح العلي المالك ٢ / ٢٤٣، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير في باب الغصب ٣ / ٤٣٢، ٤٦٧.
وَلَعَل أَصْل اسْتِعْمَال لَفْظِ الْخُلُوِّ بِهَذَا الاِصْطِلاَحِ أَنَّهُ أُطْلِقَ أَوَّلًا عَلَى خُلُوِّ الْعَقَارِ أَيْ إِفْرَاغِهِ وَالتَّخَلِّي عَنْهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ (١) . وَأُطْلِقَ عَلَى الْبَدَل النَّقْدِيِّ الَّذِي يَأْخُذُهُ مَالِكُ هَذَا الْحَقِّ مُقَابِل التَّخَلِّي عَنْهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمُتَخَلَّى عَنْهَا نَفْسِهَا. وَقَدْ وَقَعَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا فِي كَلاَمِ الشَّيْخِ عُلَيْشٍ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ الْبُنَانِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ أَنَّ الْخُلُوَّ فِي الأَْوْقَافِ سَمَّاهُ شُيُوخُ الْمَغَارِبَةِ فِي فَاسَ بِالْجِلْسَةِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَكْرُ:
٢ - الْحَكْرُ بِفَتْحِ الْحَاءِ قَال فِي اللِّسَانِ هُوَ ادِّخَارُ الطَّعَامِ لِلتَّرَبُّصِ. وَقَال ابْنُ سِيدَهْ: الاِحْتِكَارُ جَمْعُ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤْكَل وَاحْتِبَاسُهُ انْتِظَارَ وَقْتِ الْغَلاَءِ بِهِ (٤) .
وَالاِحْتِكَارُ أَيْضًا، وَالاِسْتِحْكَارُ عَقْدُ إِجَارَةٍ يُقْصَدُ بِهَا اسْتِبْقَاءُ الأَْرْضِ مُقَرَّرَةً لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ أَوْ أَحَدِهِمَا (٥) .
_________
(١) الفتاوى الخيرية ١ / ١٨٠.
(٢) انظر مثلًا: فتح العلي المالك ٢ / ٢٥٠.
(٣) البناني على الزرقاني ٦ / ١٢٨.
(٤) لسان العرب.
(٥) بن عابدين ٥٥ / ٢٠ نقلًا عن الفتاوى الخيرية. ومرشد الحيران لقدري باشا (م٥٩٠) ط بولاق ١٣٠٨هـ.
أَمَّا الْحِكْرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ فَلَمْ نَجِدْهُ فِي مَعَاجِمِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ، وَفِي الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ هُوَ الْعَقَارُ الْمَحْبُوسُ، وَيَرِدُ فِي كَلاَمِ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الأُْجْرَةِ الْمُقَرَّرَةِ عَلَى عَقَارِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ تُؤْخَذُ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ، وَإِذَا انْتَقَل الْعَقَارُ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ انْتَقَل الْحِكْرُ مَعَهُ يُدْفَعُ لِحَظِّ مُسْتَحَقِّي الْوَقْفِ.
قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى الْخُلُوِّ يَكُونُ عَلَيْهِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ أُجْرَةٌ لِلَّذِي يَئُول إِلَيْهِ الْوَقْفُ يُسَمَّى عِنْدَنَا بِمِصْرَ حِكْرًا لِئَلاَّ يَذْهَبَ الْوَقْفُ بَاطِلًا، وَلاَ يَصِحُّ الاِحْتِكَارُ إِلاَّ إِذَا كَانَ بِأُجْرَةِ الْمِثْل وَلاَ تَبْقَى عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ بَل تَزِيدُ الأُْجْرَةُ وَتَنْقُصُ بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ (١) .
ب - الْفَرَاغُ وَالإِْفْرَاغُ:
٣ - يَظْهَرُ مِنَ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا التَّنَازُل عَنْ حَقٍّ مِنْ مِثْل وَظِيفَةٍ لَهَا رَاتِبٌ مِنْ وَقْفٍ وَنَحْوِهِ (٢) . أَوِ التَّنَازُل عَنِ الْخُلُوِّ مِنْ مَالِكِهِ لِغَيْرِهِ بِعِوَضٍ، فَهُوَ بَيْعٌ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُصَّ بِاسْمِ الإِْفْرَاغِ تَمْيِيزًا لَهُ عَنِ الْبَيْعِ الَّذِي يَنْصَرِفُ عَنْهُ الإِْطْلاَقُ إِلَى بَيْعِ الرَّقَبَةِ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ فَرَاغًا لأَِنَّ مَالِكَهُ
_________
(١) فتح العلي المالك - فتاوى الشيخ عليش ٢ / ٢٤٣ القاهرة، مصطفى + الحلبي ١٣٧٨هـ، وقانون العدل والإنصاف (مادة ٣٣٦) وابن عابدين ٤ / ١٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٦، و٤ / ١٤، ٥ / ١٨.
لاَ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الأَْرْضِ بَل يَمْلِكُ حَقَّ التَّمَسُّكِ بِالْعَقَارِ أَوْ بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ. وَقَدْ وَقَعَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي كَلاَمِ الشَّيْخِ عُلَيْشٍ (١) .
وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ أَنَّ الْفَرَاغَ الْخَلاَءُ، وَالإِْفْرَاغُ الإِْخْلاَءُ، فَالْمُتَنَازِل يُفَرِّغُ الْمَحَل مِنْ حَقِّهِ لِيَكُونَ الْحَقُّ لِغَيْرِهِ.
ج - الْجَدَكُ أَوِ الْكَدَكُ:
٤ - ١ - أَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى مَا يَضَعُهُ فِي الْحَانُوتِ مُسْتَأْجِرٌ مِنَ الأَْعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ الْمُتَّصِلَةِ بِمَبْنَى الْحَانُوتِ اتِّصَال قَرَارٍ، أَيْ " وُضِعَ لاَ لِيُفْصَل " كَالْبِنَاءِ، وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى بِالسُّكْنَى (٢) .
٢ - وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُوضَعُ فِي الْحَانُوتِ مُتَّصِلًا لاَ عَلَى سَبِيل الْقَرَارِ، وَذَلِكَ كَالرُّفُوفِ الَّتِي تُرَكَّبُ فِي الْحَانُوتِ لِوَضْعِ عِدَّةِ الْحَلاَّقِ مَثَلًا فَإِنَّهَا مُتَّصِلَةٌ لاَ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ.
٣ - وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلدَّرَاهِمِ الَّتِي يَدْفَعُهَا صَاحِبُهَا إِلَى الْمَالِكِ أَوْ نَاظِرِ الْوَقْفِ لِتُسْتَعْمَل فِي مَرَمَّةِ الْوَقْفِ أَوْ بِنَاءِ الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ مَا يُرَمُّ بِهِ أَوْ يُبْنَى، وَيَشْتَرِطُ دَافِعُهَا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقُّ الْقَرَارِ فِي الْمَحَل الْمُسْتَأْجَرِ
_________
(١) فتح العلي المالك ٢ / ٢٥٠.
(٢) حاشية الأشباه للحموي ١ / ١٣٦، والفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩، ٢٠٠.
وَجُزْءٌ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ الَّتِي سَبَقَ تَسْمِيَتُهَا بِالْخُلُوِّ.
٤ - وَيُطْلَقُ عَلَى الأَْعْيَانِ الَّتِي تُوضَعُ لِلاِسْتِعْمَال فِي الْحَانُوتِ دُونَ اتِّصَالٍ أَصْلًا كَالْبَكَارِجِ وَالْفَنَاجِينِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَقَاهِي، وَالْفُوَطِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمَّامِ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَدَكِ وَبَيْنَ الْخُلُوِّ، أَنَّ صَاحِبَ الْخُلُوِّ يَمْلِكُ جُزْءًا مِنْ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ وَلاَ يَمْلِكُ الأَْعْيَانَ الَّتِي أُقِيمَتْ فِي حَوَانِيتِ الْوَقْفِ بِمَال الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهَا قَدْ أُقِيمَتْ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا وَقْفٌ، أَمَّا الْجَدَكُ فَهُوَ أَعْيَانٌ مَمْلُوكَةٌ لِمُسْتَأْجِرِ الْحَانُوتِ (٢) .
د - الْكِرْدَارُ:
٥ - هُوَ مَا يُحْدِثُهُ الْمُزَارِعُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الأَْرَاضِي الْمَوْقُوفَةِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ أَوْ كَبْسٍ بِالتُّرَابِ بِإِذْنِ الْوَاقِفِ أَوِ النَّاظِرِ فَتَبْقَى فِي يَدِهِ (٣) وَالْمُرَادُ بِكَبْسِ التُّرَابِ مَا يَنْقُلُهُ مِنَ التُّرَابِ إِلَى تِلْكَ الأَْرْضِ لإِصْلاَحِهَا إِذَا أَتَى بِهِ مِنْ خَارِجِهَا (٤) فَالْكِرْدَارُ أَعْيَانٌ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ.
هـ - الْمُرْصَدُ:
٦ - هُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلٌ عَقَارَ الْوَقْفِ مِنْ دَارٍ أَوْ
_________
(١) رد المحتار ٤ / ١٧، والبكارج أباريق الشاي.
(٢) مرشد الحيران م٥٩٦، ٥٩٧.
(٣) الفتاوى الخيرية ١١ / ١٨٠، والفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩، نقلًا عن المغرب والقاموس.
(٤) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩، ومرشد الحيران م٥٩٦.
حَانُوتٍ مَثَلًا وَيَأْذَنَ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِعِمَارَتِهِ أَوْ مَرَمَّتِهِ الضَّرُورِيَّةِ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ عَدَمِ مَالٍ حَاصِلٍ فِي الْوَقْفِ، وَعَدَمِ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِأُجْرَةٍ مُعَجَّلَةٍ يُمْكِنُ تَعْمِيرُهُ أَوْ مَرَمَّتُهُ بِهَا، فَيُعَمِّرُهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ مَالِهِ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ بِذَلِكَ فِي مَال الْوَقْفِ عِنْدَ حُصُولِهِ أَوِ اقْتِطَاعِهِ مِنَ الأَْجْرِ فِي كُل سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ مَثَلًا، وَهَذِهِ الْعِمَارَةُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ بَل هِيَ وَقْفٌ، فَلاَ تُبَاعُ وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْتَأْجِرِ لِذَلِكَ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ الْخُرُوجَ مِنَ الدُّكَّانِ يَجُوزُ لَهُ قَبْضُ دَيْنِهِ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ الْجَدِيدِ وَيَصِيرُ ذَلِكَ لَهُ كَمَا كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ السَّابِقِ (١) .
وَالْمُرْصَدُ هُوَ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْمُسْتَقِرُّ عَلَى الْوَقْفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُلُوِّ أَنَّ صَاحِبَ الْخُلُوِّ يَكُونُ حَقُّهُ مِلْكًا فِي مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ، وَصَاحِبُ الْمُرْصَدِ يَكُونُ لَهُ دَيْنٌ مَعْلُومٌ عَلَى الْوَقْفِ (٢) .
و مِشَدُّ الْمَسْكَةِ:
٧ - مِشَدُّ الْمَسْكَةِ اصْطِلاَحٌ لِلْحَنَفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقْصِدُونَ بِهِ اسْتِحْقَاقَ الزِّرَاعَةِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ، وَهُوَ مِنَ الْمَسْكَةِ لُغَةً وَهِيَ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَكَأَنَّ الْمُسْلِمَ لِلأَْرْضِ (أَيِ الأَْرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لِبَيْتِ الْمَال غَالِبًا) الْمَأْذُونَ لَهُ مِنْ صَاحِبِهَا
_________
(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٢٠٠.
(٢) مرشد الحيران م٥٩٩.
فِي الْحَرْثِ صَارَ لَهُ مَسْكَةٌ يَتَمَسَّكُ بِهَا فِي الْحَرْثِ فِيهَا. قَال: وَحُكْمُهَا أَنَّهَا لاَ تَقُومُ، فَلاَ تُمْلَكُ وَلاَ تُبَاعُ وَلاَ تُورَثُ (١) .
حَقِيقَةُ مِلْكِ الْخُلُوِّ عِنْدَ مَنْ قَال بِهِ:
٨ - قَال الْعَدَوِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْخُلُوَّ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لاَ مِنْ مِلْكِ الاِنْتِفَاعِ إِذْ مَالِكُ الاِنْتِفَاعِ يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ وَلاَ يُؤَجِّرُ وَلاَ يَهَبُ وَلاَ يُعِيرُ. وَمَالِكُ الْمَنْفَعَةِ لَهُ تِلْكَ الثَّلاَثَةُ مَعَ انْتِفَاعِهِ بِنَفْسِهِ. قَال: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَالِكَ الاِنْتِفَاعِ يَقْصِدُ ذَاتَهُ مَعَ وَصْفِهِ، كَإِمَامٍ وَخَطِيبٍ وَمُدَرِّسٍ وُقِفَ عَلَيْهِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، بِخِلاَفِ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ. ثُمَّ إِنَّ مَنْ مَلَكَ الاِنْتِفَاعَ وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ غَيْرُهُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهُ وَيَأْخُذُهُ الْغَيْرُ عَلَى أَنَّهُ أَهْلُهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ، وَالْخُلُوُّ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ فَلِذَلِكَ يُورَثُ (٢) .
وَصَرَّحَ الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ كَذَلِكَ بِأَنَّ الْخُلُوَّ الْمُشْتَرَى بِالْمَال يَكُونُ مِنْ بَابِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ (٣) .
أَحْكَامُ الْخُلُوِّ:
٩ - تَنْقَسِمُ الْعَقَارَاتُ مِنْ حَيْثُ اخْتِلاَفُ أَحْكَامِ الْخُلُوِّ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
_________
(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢٢ / ١٩٨، وقانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف لقدري باشا (مادة ٣٣٠) .
(٢) العدوي على الخرشي ٧٧ / ٧٩، وانظر مثل كلامه عند الزرقاني أول باب العارية ٦ / ١٢٧، ١٢٨.
(٣) مطالب أولي النهى ٤ / ٣٧٠.