الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩
فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٩ - الْخُلْعُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ فِي حَالَةِ الْوِفَاقِ وَالشِّقَاقِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ الْخُلْعُ فِي حَالَتَيِ الشِّقَاقِ وَالْوِفَاقِ، ثُمَّ لاَ كَرَاهَةَ فِيهِ إِنْ جَرَى فِي حَال الشِّقَاقِ، أَوْ كَانَتْ تُكْرَهُ صُحْبَتُهُ لِسُوءِ خُلُقِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ تَحَرَّجَتْ مِنَ الإِْخْلاَل بِبَعْضِ حُقُوقِهِ، أَوْ ضَرَبَهَا تَأْدِيبًا فَافْتَدَتْ، وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِهِ مَا إِذَا مَنَعَهَا نَفَقَةً أَوْ غَيْرَهَا فَافْتَدَتْ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: فَإِنْ مَنَعَهَا النَّفَقَةَ لِكَيْ تَخْتَلِعَ مِنْهُ فَهُوَ مِنَ الإِْكْرَاهِ فَتَبِينُ مِنْهُ بِلاَ مَالٍ إِذَا ثَبَتَ الإِْكْرَاهُ، قَال الرَّمْلِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ. وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتِثْنَاءُ حَالَتَيْنِ مِنَ الْكَرَاهَةِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ يَخَافَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أَيْ مَا افْتَرَضَهُ فِي النِّكَاحِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَيَخْلَعَهَا، ثُمَّ يَفْعَل الأَْمْرَ الْمَحْلُوفَ
_________
(١) العناية بهامش فتح القدير ٣ / ١٩٩ - ط بولاق، حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٥٨ - ٥٥٩ - ط المصرية، الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٢ / ٥١٨ - ط المعارف، مغني المحتاج ٢ / ٢٦٩ - ط التراث العربي، المغني ٧ / ٦٦ - ط الرياض.
عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَلاَ يَحْنَثُ لاِنْحِلاَل الْيَمِينِ بِالْفِعْلَةِ الأُْولَى، إِذْ لاَ يَتَنَاوَل إِلاَّ الْفِعْلَةَ الأُْولَى وَقَدْ حَصَلَتْ، فَإِنْ خَالَعَهَا وَلَمْ يَفْعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنَ الْحِنْثِ فَإِذَا فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لأَِنَّهُ تَعْلِيقٌ سَبَقَ هَذَا النِّكَاحَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا إِذَا عَلَّقَ الطَّلاَقَ قَبْل النِّكَاحِ عَلَى صِفَةٍ وُجِدَتْ بَعْدَهُ (١) .
وَالْخِلاَفُ فِي كَوْنِ الْخُلْعِ جَائِزًا أَوْ مَكْرُوهًا إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى الْعِصْمَةِ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَلاَقًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالنَّظَرِ لأَِصْلِهِ أَوْ خِلاَفُ الأَْوْلَى، لِقَوْلِهِ ﵊: أَبْغَضُ الْحَلاَل إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
_________
(١) تبيين الحقائق ٢ / ٢٦٧ - ط بولاق، الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٢ / ٥١٧ - ٥١٨ ط المعارف، الدسوقي ٢ / ٣٤٧ - ط الفكر، حاشية العدوي على الرسالة ٢ / ١٠٢ - ١٠٣، ط المعرفة، الخرشي ٤ / ١٢ - ط بولاق، القوانين الفقهية / ٢٣٣ - ط العربي، القليوبي ٣ / ٣٠٨، نهاية المحتاج ٦ / ٣٨٦، روضة الطالبين ٧ / ٣٧٤ ط المكتب الإسلامي، مغني المحتاج ٣ / ٢٦٢ - ط التراث.
(٢) حديث: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٣١ - ٦٣٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمر، وصوب أبو حاتم الرازي في " العلل " (١ / ٤٣١ - ط السلفية) إرساله.
افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ ﷺ لَهُ: اقْبَل الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً (٣) وَهُوَ أَوَّل خُلْعٍ وَقَعَ فِي الإِْسْلاَمِ (٤) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالأُْمَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَجَوَازِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّ الزَّوْجِ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقِصَاصِ (٥) .
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٢) سورة النساء / ٤.
(٣) حديث: " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٣٩٥ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.
(٤) ذكر الحافظ في الفتح عن أبي بكر بن دريد في أماليه أن أول خلع كان في الدنيا الخلع الذي وقع بين عامر بن الحارث بن الظرب وابنة عمه، فتح الباري ٩ / ٣٩٥، ٣٩٨ - ط الرياض، نيل الأوطار ٧ / ٣٦ - ٣٧ - ط الجيل، السنن الكبرى للبيهققي ٧ / ٣١٣ - ٣١٤ ط الأولى.
(٥) تبيين الحقائق ٢ / ٢٦٧ - ط بولاق، بداية المجتهد ٢ / ٥٧ - ط التجارية، مغني المحتاج ٣ / ٢٦٢ - ط التراث، حاشية القليوبي ٣ / ٣٠٧ - ط الحلبي، نهاية المحتاج ٦ / ٣٨٦ - ط المكتبة الإسلامية، تحفة المحتاج ٧ / ٤٥٧ - ط صادر، بجيرمي على الخطيب ٣ / ٤١١ - ٤١٢ - ط المعرفة، فتح الباري ٩ / ٣٩٥ - ط الرياض، نيل الأوطار ٧ / ٣٤ - ط الجيل.
١٠ - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ:
الأَْوَّل: مُبَاحُ الْخُلْعِ وَهُوَ أَنْ تَكْرَهَ الْمَرْأَةُ الْبَقَاءَ مَعَ زَوْجِهَا لِبُغْضِهَا إِيَّاهُ، وَتَخَافُ أَلاَّ تُؤَدِّيَ حَقَّهُ، وَلاَ تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ، فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) وَيُسَنُّ لِلزَّوْجِ إِجَابَتُهَا، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّهِ: مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلاَ خُلُقٍ إِلاَّ أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَتَرُدِّي عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا (٢) وَلأَِنَّ حَاجَتَهَا دَاعِيَةٌ إِلَى فُرْقَتِهِ، وَلاَ تَصِل إِلَى الْفُرْقَةِ إِلاَّ بِبَذْل الْعِوَضِ فَأُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ لَهُ إِلَيْهَا مَيْلٌ وَمَحَبَّةٌ فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ صَبْرُهَا وَعَدَمُ افْتِدَائِهَا، قَال أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَصْبِرَ. قَال الْقَاضِي: أَيْ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، لِنَصِّهِمْ عَلَى جَوَازِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
الثَّانِي: مَكْرُوهٌ: كَمَا إِذَا خَالَعَتْهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَال لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٢) حديث عبد الله بن عباس: " جاءت امرأة ثابت بن قيس " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٣٩٥ - ط السلفية) .
قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ (١) وَلأَِنَّهُ عَبَثٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَيَقَعُ الْخُلْعُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) وَيَحْتَمِل كَلاَمُ أَحْمَدَ تَحْرِيمَهُ وَبُطْلاَنَهُ؛ لأَِنَّهُ قَال الْخُلْعُ مِثْل حَدِيثِ سَهْلَةَ تَكْرَهُ الرَّجُل فَتُعْطِيهِ الْمَهْرَ فَهَذَا الْخُلْعُ (٣) وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٤) .
الثَّالِثُ: مُحَرَّمٌ: كَمَا إِذَا عَضَل الرَّجُل زَوْجَتَهُ بِأَذَاهُ لَهَا وَمَنْعِهَا حَقَّهَا ظُلْمًا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٥) فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي هَذِهِ الْحَال بِعِوَضٍ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ؛ لأَِنَّهُ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا.
وَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلاَقِ فَعَلَى الْقَوْل
_________
(١) حديث ثوبان: " أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما. . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٦٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ٢٠٠ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، واللفظ لأبي داود.
(٢) سورة النساء / ٤.
(٣) الكافي ٣ / ١٤١ - ١٤٢ - ط المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٥ / ٢١٢ - ٢١٣، ط النصر، الإنصاف ٨ / ٣٨٢ - ط التراث، المغني ٧ / ٥١ - ٥٤ - ط الرياض.
(٤) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٥) سورة النساء / ١٩.
بِأَنَّهُ طَلاَقٌ فَحُكْمُهُ مَا ذُكِرَ، وَإِلاَّ فَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ أَدَّبَهَا لِتَرْكِهَا فَرْضًا أَوْ نُشُوزِهَا فَخَالَعَتْهُ لِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ؛ لأَِنَّهُ ضَرَبَهَا بِحَقٍّ، وَإِنْ زَنَتْ فَعَضَلَهَا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ جَازَ وَصَحَّ الْخُلْعُ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْيِ إِبَاحَةٌ. وَإِنْ ضَرَبَهَا ظُلْمًا لِغَيْرِ قَصْدِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا فَخَالَعَتْهُ لِذَلِكَ صَحَّ الْخُلْعُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْضُلْهَا لِيَأْخُذَ مِمَّا آتَاهَا شَيْئًا (٢) .
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا أَنَّ الْخُلْعَ يَحْرُمُ حِيلَةً لإِسْقَاطِ يَمِينِ طَلاَقٍ، وَلاَ يَصِحُّ وَلاَ يَقَعُ؛ لأَِنَّ الْحِيَل خِدَاعٌ لاَ تُحِل مَا حَرَّمَ اللَّهُ. (٣) هَذَا وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَدَمَ جَوَازِ الْخُلْعِ حَتَّى يَقَعَ الشِّقَاقُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٤) .
وَبِذَلِكَ قَال طَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَقُمْ بِحُقُوقِ الزَّوْجِ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِبُغْضِ الزَّوْجِ لَهَا فَنُسِبَتِ الْمَخَافَةُ إِلَيْهِمَا لِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ اعْتِبَارِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ
_________
(١) سورة النساء / ١٩.
(٢) الكافي ٣ / ١٤٣ - ط المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٥ / ٢١٣ - ط النصر، الإنصاف ٨ / ٣٨٣ - ٣٨٥ - ط التراث، المغني ٧ / ٥٤ - ٥٦ - ط الرياض.
(٣) كشاف القناع ٥ / ٢٣١ - ط النصر.
(٤) سورة البقرة / ٢٢٩.
أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْسِرْ ثَابِتًا عَنْ كَرَاهَتِهِ لَهَا عِنْدَ إِعْلاَنِهَا بِالْكَرَاهَةِ لَهُ، عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْخَوْفِ فِي الآْيَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الْخُلْعِ فِي حَالَةِ التَّشَاجُرِ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا جَازَ حَالَةَ الْخَوْفِ وَهِيَ مُضْطَرَّةٌ إِلَى بَذْل الْمَال فَفِي حَالَةِ الرِّضَا أَوْلَى (١) .
١١ - وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ - عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - بِأَنَّهَا إِذَا خَالَعَتْهُ دَرْءًا لِضَرَرِهِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرُدُّ الْمَال الَّذِي خَالَعَهَا بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ أَسْقَطَتِ الْبَيِّنَةَ الَّتِي أَشْهَدَتْهَا بِأَنَّهَا خَالَعَتْهُ لِدَرْءِ ضَرَرِهِ.
جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنَ الْمَرْأَةِ:
١٢ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الزَّوْجِ عِوَضًا مِنَ امْرَأَتِهِ فِي مُقَابِل فِرَاقِهِ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مُسَاوِيًا لِمَا أَعْطَاهَا أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ مَا دَامَ الطَّرَفَانِ قَدْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ نَفْسَ الصَّدَاقِ أَوْ مَالًا آخَرَ غَيْرَهُ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل مِنْهُ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ لاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا بَل يَحْرُمُ عَلَيْهِ الأَْخْذُ إِنْ عَضَلَهَا لِيَضْطَرَّهَا إِلَى الْفِدَاءِ (٣) .
_________
(١) فتح الباري ٩ / ٤٠١ - ط الرياض، نيل الأوطار ٧ / ٣٨ - ط الجيل، مغني المحتاج ٣ / ٢٦٢ - ط التراث، روضة الطالبين ٧ / ٣٧٤، ط المكتب الإسلامي.
(٢) الدسوقي ٢ / ٣٥٦.
(٣) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٢ / ٥١٧ - ٥١٨ - ط المعارف، روضة الطالبين ٧ / ٣٧٤ - ط المكتب الإسلامي، المغني ٧ / ٥٢ - الرياض.
وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كُرِهَ لَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١) . وَلأَِنَّهُ أَوْحَشَهَا بِالْفِرَاقِ فَلاَ يَزِيدُ إِيحَاشَهَا بِأَخْذِ الْمَال، وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَل الْمَرْأَةِ لاَ يُكْرَهُ لَهُ الأَْخْذُ، وَهَذَا بِإِطْلاَقِهِ يَتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢) . وَقَال الْقُدُورِيُّ: إِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا كُرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الأَْصْل (مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ (٣) . وَقَدْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا، وَلَوْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ جَازَ فِي الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ وَالنُّشُوزُ مِنْهُ؛ لأَِنَّ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ يَتَنَاوَل الْجَوَازَ وَالإِْبَاحَةَ، وَقَدْ تَرَكَ الْعَمَل فِي حَقِّ الإِْبَاحَةِ لِمُعَارِضٍ، فَبَقِيَ مَعْمُولًا فِي الْبَاقِي (٤) .
_________
(١) سورة النساء / ٢٠.
(٢) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٣) حديث: قوله ﷺ: " في امرأة ثابت. . " سبق تخريجه ف / ٩.
(٤) تبيين الحقائق ٢ / ٢٦٩ - ط بولاق، البحر الرائق ٤ / ٨٣ - ط الأولى العلمية، فتح القدير ٣ / ٢٠٣ - ٢٠٤ - ط الأميرية.
جَوَازُهُ بِحَاكِمٍ وَبِلاَ حَاكِمٍ:
١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْخُلْعِ بِحَاكِمٍ وَبِلاَ حَاكِمٍ، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ ﵁، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْصُولًا " أَنَّ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ أُتِيَ فِي خُلْعٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَلَمْ يُجِزْهُ فَقَال لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابٍ الْخَوْلاَنِيُّ: قَدْ أَتَى عُمَرُ فِي خُلْعٍ فَأَجَازَهُ (١) وَلأَِنَّ الطَّلاَقَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ جَائِزٌ بِلاَ حَاكِمٍ فَكَذَلِكَ الْخُلْعُ.
وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْخُلْعِ دُونَ السُّلْطَانِ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) . قَال: فَجَعَل الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يَقُل فَإِنْ خَافَا.
وَقْتُ الْخُلْعِ:
١٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ فِي
_________
(١) فتح الباري ٩ / ٣٩٦ - ٣٩٧ - ط الرياض، المبسوط ٦ / ١٧٣ - ط السعادة، الدسوقي ٢ / ٣٤٧ - ط الفكر، الكافي ٣ / ١٤٤ - ط المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٥ / ٢١٣ - ط النصر، المغني ٧ / ٥٢ - ط الرياض، المهذب ٢ / ٧٢ - ط الحلبي، بدائع الصنائع ٣ / ١٤٥ - ط الجمالية.
(٢) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٣) سورة النساء / ٣٥.
الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنَ الطَّلاَقِ فِي الْحَيْضِ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِتَطْوِيل الْعِدَّةِ، وَالْخُلْعُ شُرِعَ لِرَفْعِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِسُوءِ الْعِشْرَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، وَالضَّرَرُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ الضَّرَرِ بِتَطْوِيل الْعِدَّةِ، فَجَازَ دَفْعُ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَل النَّبِيُّ ﷺ الْمُخْتَلِعَةَ عَنْ حَالِهَا؛ وَلأَِنَّ ضَرَرَ تَطْوِيل الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَالْخُلْعُ يَحْصُل بِسُؤَالِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ رِضَاءً مِنْهَا بِهِ وَدَلِيلًا عَلَى رُجْحَانِ مَصْلَحَتِهَا فِيهِ (١) .
أَرْكَانُهُ وَمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي شُرُوطِهَا:
١٥ - لِلْخُلْعِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ خَمْسَةُ أَرْكَانٍ وَهِيَ: الْمُوجِبُ - الْقَابِل - الْمُعَوَّضُ - الْعِوَضُ - الصِّيغَةُ.
فَالْمُوجِبُ: الزَّوْجُ أَوْ وَلِيُّهُ، وَالْقَابِل: الْمُلْتَزِمُ لِلْعِوَضِ، وَالْمُعَوَّضُ: الاِسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ، وَالْعِوَضُ: الشَّيْءُ الْمُخَالَعُ بِهِ، وَالصِّيغَةُ، الإِْيجَابُ وَالْقَبُول وَالأَْلْفَاظُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْخُلْعُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا لَهُ رُكْنَيْنِ إِنْ كَانَ بِعِوَضٍ وَهُمَا: الإِْيجَابُ وَالْقَبُول (٢)، لأَِنَّهُ عَقْدٌ
_________
(١) المهذب ٢ / ٧٢ - ط الحلبي، المغني ٧ / ٥٢ - ط الرياض، كشاف القناع ٥ / ٢١٣ - ط النصر.
(٢) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ٢ / ٥١٧ - ط المعارف، مغني المحتاج ٣ / ٢٦٣ - ط التراث، بجيرمي على الخطيب ٣ / ٤١٢ - ط المعرفة، روضة الطالبين ٧ / ٣٨٣ - ٣٩٥ - ط المكتب الإسلامي، حاشية القليوبي ٣ / ٣٠٧ - ط الحلبي، كشاف القناع ٥ / ٢١٣ - ٢٣١ - ط النصر، بدائع الصنائع ٣ / ١٤٥ - ط الجمالية.