الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

كَمَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ بِأَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ مِنَ الأَْئِمَّةِ، وَالْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ، وَسَائِرِ الْحُكَّامِ، فَإِنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ بِعُلُوِّ الْيَدِ وَامْتِثَال الأَْمْرِ، وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ، وَانْبِسَاطِ الْوِلاَيَةِ يَدُل عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷾: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) .

فَإِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إِلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لاَ يَفْعَلُهُ إِلاَّ الْوُلاَةُ وَالْحَاكِمُ فَلاَ عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ إِذَا أَهْمَل هَؤُلاَءِ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلاَ يَقْدِرَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ (٢) .

وَلَمَّا كَانَتْ وِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مِنْ وَظَائِفِ الإِْمَامِ وَتَفْوِيضِهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ قَبِيل الاِسْتِنَابَةِ، وَيَقُومُ بِهَا نِيَابَةً عَنْهُ (٣) وَطَبِيعَتُهَا تَقُومُ عَلَى الرَّهْبَةِ، وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ، وَسَلاَطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاِتِّخَاذِ الأَْعْوَانِ، كَانَ الْقِيَامُ بِالْحِسْبَةِ فِي حَقِّهِ مِنْ فَرَائِضِ الأَْعْيَانِ الَّتِي لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِحَالٍ، بِخِلاَفِ الآْحَادِ فَإِنَّهُ لاَ تَلْزَمُهُمُ الْحِسْبَةُ

_________

(١) سورة الحج / ٤١.

(٢) تحفة الناظر ص ٤.

(٣) الحاوي للفتاوى ١ / ٢٤٨.

إِلاَّ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالسَّلاَمَةِ، فَمَنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَصِلُهُ مَكْرُوهٌ فِي بَدَنِهِ بِالضَّرْبِ، أَوْ فِي مَالِهِ بِالاِسْتِهْلاَكِ، أَوْ فِي جَاهِهِ بِالاِسْتِخْفَافِ بِهِ بِوَجْهٍ يَقْدَحُ فِي مُرُوءَتِهِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ حِسْبَتَهُ لاَ تُفِيدُ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ، أَمَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يُصَابُ بِأَذًى فِيمَا ذُكِرَ فَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ إِذَا احْتُمِل الأَْمْرَانِ (١) .

وَإِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ هَل يَحْسُنُ الإِْنْكَارُ وَيَكُونُ أَفْضَل مِنْ تَرْكِهِ، أَمْ إِنَّ التَّرْكَ أَفْضَل؟

مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَال بِالأَْوَّل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٢) وَمِنْهُمْ مَنْ قَال التَّرْكُ أَفْضَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) لَكِنْ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى وُجُوبِ التَّرْكِ مَعَ تَيَقُّنِ الأَْذَى لاَ سُقُوطِ الْوُجُوبِ وَبَقَاءِ الاِسْتِحْبَابِ فَتِلْكَ طَرِيقَةُ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ وَعَيْنُ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.

الشَّرْطُ السَّادِسُ: الإِْذْنُ مِنَ الإِْمَامِ:

١٦ - اشْتَرَطَ فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ أَوِ الْوَالِي، وَقَالُوا: لَيْسَ لِلآْحَادِ مِنَ الرَّعِيَّةِ الْحِسْبَةُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى

_________

(١) الإحياء ٢ / ٤٠٩، الآداب الشرعية ١ / ١٧٤ - ١٧٨، تحفة الناظر ص ٤ - ٧.

(٢) سورة لقمان / ١٧.

(٣) سورة البقرة / ١٩٥.

خِلاَفِهِ إِلاَّ فِيمَا كَانَ مُحْتَاجًا فِيهِ إِلَى الاِسْتِعَانَةِ وَجَمْعِ الأَْعْوَانِ، وَمَا كَانَ خَاصًّا بِالأَْئِمَّةِ أَوْ نُوَّابِهِمْ، كَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَحِفْظِ الْبَيْضَةِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ وَتَسْيِيرِ الْجُيُوشِ، أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ لآِحَادِ النَّاسِ الْقِيَامَ بِهِ، لأَِنَّ الأَْدِلَّةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ وَالرَّدْعِ عَامَّةٌ، وَالتَّخْصِيصُ بِشَرْطِ التَّفْوِيضِ مِنَ الإِْمَامِ تَحَكُّمٌ لاَ أَصْل لَهُ، وَأَنَّ احْتِسَابَ السَّلَفِ عَلَى وُلاَتِهِمْ قَاطِعٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الاِسْتِفْتَاءِ عَنِ التَّفْوِيضِ (١) .

وَشَرَحَ الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ ذَلِكَ فَقَال: إِنَّ الْحِسْبَةَ لَهَا خَمْسُ مَرَاتِبَ: أَوَّلُهَا التَّعْرِيفُ، وَالثَّانِي الْوَعْظُ بِالْكَلاَمِ اللَّطِيفِ، وَالثَّالِثُ السَّبُّ وَالتَّعْنِيفُ، وَالرَّابِعُ الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ، كَكَسْرِ الْمَلاَهِي وَنَحْوِهِ، وَالْخَامِسُ التَّخْوِيفُ وَالتَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ، ثُمَّ قَال: أَمَّا التَّعْرِيفُ وَالْوَعْظُ فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الإِْمَامِ، وَأَمَّا التَّجْهِيل، وَالتَّحْمِيقُ، وَالنِّسْبَةُ إِلَى الْفِسْقِ، وَقِلَّةِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَهُوَ كَلاَمُ صِدْقٍ، وَالصِّدْقُ مُسْتَحِقٌّ لِحَدِيثِ: أَفْضَل الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ (٢) فَإِذَا جَازَ الْحُكْمُ عَلَى

_________

(١) الإحياء ٢ / ٤٠٢، شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣، معالم القربة ٢١، الآداب الشرعية ١ / ١٩٥، تحفة الناظر ٩، ١٠، الزواجر ٢ / ١٧٠، الفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤.

(٢) حديث: " أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٣٣٠ - ط الحلبي) والترمذي (٤ / ٢٧١) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسنه الترمذي.

الإِْمَامِ عَلَى مُرَاغَمَتِهِ فَكَيْفَ يُحْتَاجُ إِلَى إِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ كَسْرُ الْمَلاَهِي، وَإِرَاقَةُ الْخُمُورِ، فَإِنَّ تَعَاطِيَ مَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ حَقًّا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى إِذْنِ الإِْمَامِ، وَأَمَّا جَمْعُ الأَْعْوَانِ، وَشَهْرُ الأَْسْلِحَةِ فَذَلِكَ قَدْ يَجُرُّ إِلَى فِتْنَةٍ عَامَّةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ (١) وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اشْتِرَاطِ الإِْذْنِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَمْهَرَةُ الْعُلَمَاءِ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْفِتَنِ وَهَيَجَانِ الْفَسَادِ (٢) .

وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِالأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فَلاَ يَسْتَقِل بِهَا الآْحَادُ كَالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسْتَوْفَى إِلاَّ بِحَضْرَةِ الإِْمَامِ، لأَِنَّ الاِنْفِرَادَ بِاسْتِيفَائِهِ مُحَرِّكٌ لِلْفِتَنِ، وَمِثْلُهُ حَدُّ الْقَذْفِ لاَ يَنْفَرِدُ مُسْتَحِقُّهُ بِاسْتِيفَائِهِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فِي شِدَّةِ وَقْعِهِ وَإِيلاَمِهِ. وَكَذَلِكَ التَّعْزِيرُ لاَ يُفَوَّضُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ إِلاَّ أَنْ يَضْبِطَهُ الإِْمَامُ بِالْحَبْسِ فِي مَكَان مَعْلُومٍ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَلاَّهُ الْمُسْتَحِقُّ (٣) .

أَمَّا لَوْ فَوَّضَ الإِْمَامُ قَطْعَ السَّرِقَةِ إِلَى السَّارِقِ أَوْ وَكَّل الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ الْجَانِيَ فِي قَطْعِ الْعُضْوِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِحُصُول الْمَقْصُودِ

_________

(١) الإحياء ٢ / ٤٠٢.

(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٧٠، شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣، والآداب الشرعية ١ / ١٩٥، والأحكام السلطانية للماوردي / ٢٤٠، الأحكام السلطانية لأبي يعلى / ٢٨٤، بدائع الصنائع ٩ / ٤٢٠٤ - ٤٢٠٧.

(٣) قواعد الأحكام ٢ / ٩٧، ١٩٨.

بِاسْتِيفَائِهِ، وَالثَّانِي لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ لِغَيْرِهِ أَزْجَرُ لَهُ (١) .

وَقَدْ بَيَّنَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْئِمَّةِ مِنْ أَصْل الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَمَا يَلْزَمُهُمْ فِي حِفْظِ أَهْل الإِْسْلاَمِ عَنِ النَّوَائِبِ، وَالتَّغَالُبِ، وَالتَّقَاطُعِ، وَالتَّدَابُرِ، وَالتَّوَاصُل، وَأَنَّ الْحُدُودَ بِجُمْلَتِهَا مَنُوطَةٌ إِلَى الأَْئِمَّةِ وَاَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الأُْمُورَ مِنْ جِهَتِهِمْ (٢) .

الشَّرْطُ السَّابِعُ: الذُّكُورَةُ.

١٧ - اشْتَرَطَتْ طَائِفَةٌ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْحِسْبَةَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، وَأَيَّدَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَال: إِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهَا أَنْ تَبْرُزَ إِلَى الْمَجَالِسِ، وَلاَ أَنْ تُخَالِطَ الرِّجَال، وَلاَ تُفَاوِضَهُمْ مُفَاوَضَةَ النَّظِيرِ لِلنَّظِيرِ، لأَِنَّهَا إِنْ كَانَتْ فَتَاةً حَرُمَ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَكَلاَمُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً بَرِزَةً لَمْ يَجْمَعْهَا وَالرِّجَال مَجْلِسٌ تَزْدَحِمُ فِيهِ مَعَهُمْ، وَتَكُونُ مُنَظِّرَةً لَهُمْ، وَلَنْ يُفْلِحَ قَطُّ مَنْ تَصَوَّرَ هَذَا وَلاَ مَنِ اعْتَقَدَهُ (٣) . وَاسْتُدِل عَلَى مَنْعِهَا مِنَ الْوِلاَيَةِ بِحَدِيثِ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ

_________

(١) المصدر السابق.

(٢) غياث الأمم في التياث الظلم ١٣٣ - ١٦٢ وما بعدها، الحاوي للفتاوى ١ / ٢٤٨، تحفة الناظر ٥٤.

(٣) أحكام القرآن ٣ / ١٤٤٦، الجامع لأحكام القرآن ١٣ / ١٨٣.

امْرَأَةً (١) وَقَال: فِيمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَدَّمَ امْرَأَةً عَلَى حِسْبَةِ السُّوقِ إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ مِنْ دَسَائِسِ الْمُبْتَدِعَةِ (٢) .

وَأَجَازَ تَوْلِيَتَهَا آخَرُونَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ سَمْرَاءَ بِنْتَ نَهِيكٍ الأَْسَدِيَّةَ كَانَتْ تَمُرُّ فِي الأَْسْوَاقِ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَنْهَى النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ بِسَوْطٍ مَعَهَا (٣) . وَيُسْتَدَل عَلَى جَوَازِ وِلاَيَتِهَا وَعَدَمِهِ بِالْخِلاَفِ الْوَارِدِ فِي جَوَازِ تَوْلِيَتِهَا الإِْمَارَةَ وَالْقَضَاءَ. قَال ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ أَنْ نَقَل كَلاَمَ الْخَطَّابِيِّ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَلِي الإِْمَارَةَ وَلاَ الْقَضَاءَ، وَأَنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَلاَ تَلِي الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْمَنْعُ مِنْ أَنْ تَلِيَ الإِْمَارَةَ وَالْقَضَاءَ قَوْل الْجُمْهُورِ وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَلِي الْحُكْمَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ (٤) .

ارْتِزَاقُ الْمُحْتَسِبِ:

١٨ - الرِّزْقُ مَا يُرَتِّبُهُ الإِْمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ كُل شَهْرٍ

_________

(١) حديث: " لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ١٢٦ ط السلفية) من حديث أبي بكرة.

(٢) أحكام القرآن ٣ / ١٤٤٦.

(٣) الاستيعاب لابن عبد البر ٤ / ١٨٦٣.

(٤) فتح الباري ٩ / ١٩٣.

سُمِّيَ رِزْقًا، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ كُل عَامٍ سُمِّيَ عَطَاءً (١) .

وَمِمَّا جَاءَ فِي رَدِّ الإِْمَامِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ قَوْلُهُ: فَاجْعَل - أَعَزَّ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ - مَا يَجْرِي عَلَى الْقُضَاةِ وَالْوُلاَةِ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، مِنْ جِبَايَةِ الأَْرْضِ أَوْ مِنْ خَرَاجِ الأَْرْضِ وَالْجِزْيَةِ، لأَِنَّهُمْ فِي عَمَل الْمُسْلِمِينَ فَيُجْرَى عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ، يُجْرَى عَلَى كُل وَالِي مَدِينَةٍ وَقَاضِيهَا بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِل، وَكُل رَجُلٍ تُصَيِّرُهُ فِي عَمَل الْمُسْلِمِينَ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ (٢) .

وَيُعْطَى الْمُحْتَسِبُ الْمَنْصُوبُ كِفَايَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَال مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، لأَِنَّهُ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ مَحْبُوسٌ لَهُمْ، فَتَكُونُ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ كَالْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْغُزَاةِ، وَالْمُفْتِينَ، وَالْمُعَلِّمِينَ (٣) .

وَكَذَلِكَ سَبِيل أَرْزَاقِ أَعْوَانِهِ سَبِيل أَرْزَاقِ الأَْعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمُ الْحَاكِمُ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ تَكُونُ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَال كَأَرْزَاقِ سَائِرِ

_________

(١) فتح الباري ١٦ / ٢٧١، الرتاج شرح كتاب الخراج ١ / ١٢٨، ٢ / ٤١٤ - ٤١٦.

(٢) الرتاج شرح كتاب الخراج ٢ / ٤١٤ - ٤١٥.

(٣) نصاب الاحتساب ٢٤، تحفة الناظر ١٧٨، الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٠، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٨٥، ومعالم القربة ١١، السياسة الشرعية لابن تيمية ٤٨، ٥٠، كتاب الفقه والمتفقه ٢ / ١٦٤، ١٦٥.

الْعُمَّال وَالْوُلاَةِ، لأَِنَّ اشْتِغَالَهُمْ بِذَلِكَ يُضَيِّعُ عَلَيْهِمُ الزَّمَانَ فِي شَأْنِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَعَايِشِهِمْ وَطَلَبِ أَقْوَاتِهِمْ (١) . وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ وَلاَ لأَِحَدٍ مِنْ أَعْوَانِهِ أَخْذُ الْمَال مِنَ النَّاسِ لأَِجْل الاِحْتِسَابِ، لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الرِّشْوَةِ، وَهِيَ حَرَامٌ شَرْعًا، لأَِنَّ مَا أَخَذَهُ الْمُحْتَسِبُ يُنْظَرُ فِيهِ، إِنْ أَخَذَهُ لِيُسَامِحَ فِي مُنْكَرٍ، أَوْ يُدَاهِنَ فِيهِ، أَوْ يُقَصِّرَ فِي مَعْرُوفٍ، فَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الرِّشْوَةِ وَإِنَّهَا حَرَامٌ (٢) وَإِذَا جُعِل لِمَنْ وَلِيَ فِي السُّوقِ شَيْءٌ مِنْ أَهْل السُّوقِ فِيمَا يَشْتَرُونَهُ سَامَحَهُمْ فِي الْفَسَادِ بِمَا لَهُ مَعَهُمْ فِيهِ مِنَ النَّصِيبِ (٣)، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَال أَوْ كَانَ لاَ يَكْفِيهِمْ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُرَخِّصُ لَهُمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِمْ، لأَِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ لَهُمْ، فَيَأْخُذُونَ كِفَايَتَهُمْ (٤)، أَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلاَ تَجُوزُ، لأَِنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُسْلِمِ قَهْرًا وَغَلَبَةً بِغَيْرِ رِضَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) وَقَدْ شَدَّدَ الْعُلَمَاءُ النَّكِيرَ عَلَى أَخْذِ الْمَال مِنَ النَّاسِ بِدُونِ وَجْهِ حَقٍّ.

وَالأَْرْزَاقُ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ الْبَتَّةَ لِجَوَازِهَا فِي أَضْيَقِ الْمَوَاضِعِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْمُعَاوَضَةِ، وَهُوَ الْقَضَاءُ

_________

(١) تحفة الناظر ١٦، ١٧.

(٢) نصاب الاحتساب ١٣٥، ١٣٦، معالم القربة ١٣، ١٤.

(٣) تحفة الناظر ١٧.

(٤) نصاب الاحتساب ١٣٤.

(٥) سورة النساء / ٢٩.

وَالْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ وَرَعَ حِينَئِذٍ فِي تَرْكِ تَنَاوُل الرِّزْقِ وَالأَْرْزَاقُ عَلَى الإِْمَامَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْوَرَعُ مِنْ جِهَةِ قِيَامِهِ بِالْوَظِيفَةِ خَاصَّةً، فَإِنَّ الأَْرْزَاقَ لاَ يَجُوزُ تَنَاوُلُهَا إِلاَّ لِمَنْ قَامَ بِذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الإِْمَامُ فِي إِطْلاَقِهِ لِتِلْكَ الأَْرْزَاقِ (١) .

آدَابُ الْمُحْتَسِبِ:

١٩ - الْمَقْصُودُ مِنَ الآْدَابِ الأَْخْذُ بِمَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَخْذُ نَفْسِهِ بِهَا حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهُ مَقْبُولًا، وَقَوْلُهُ مَسْمُوعًا، وَتُحَقِّقُ وِلاَيَتُهُ الْهَدَفَ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ قَبُول الْهَدَايَا مِنْ أَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ وَالْمَهَرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ لِعِرْضِهِ وَأَقْوَمُ لِهَيْبَتِهِ، وَأَنْ يُلاَزِمَ الأَْسْوَاقَ، وَيَدُورَ عَلَى الْبَاعَةِ، وَيَكْشِفَ الدَّكَاكِينَ وَالطَّرَقَاتِ، وَيَتَفَقَّدَ الْمَوَازِينَ وَالأَْطْعِمَةَ، وَيَقِفَ عَلَى وَسَائِل الْغِشِّ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَعَلَى غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَيَسْتَعِينُ فِي عَمَلِهِ بِالأُْمَنَاءِ الْعَارِفِينَ الثِّقَاتِ، لِيَعْتَمِدَ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَيُبَالِغُ فِي الْكَشْفِ فِيهَا، وَيُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الْوَزِيرَ وَقَعَ إِلَى مُحْتَسِبٍ كَانَ فِي وَقْتِ وَزَارَتِهِ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ فِي دَارِهِ بِبَغْدَادَ " الْحِسْبَةُ لاَ تَحْتَمِل الْحِجْبَةَ فَطُفِ الأَْسْوَاقَ تَحِل لَك الأَْرْزَاقُ، وَاَللَّهِ

_________

(١) الفروق ٣ / ٤، ٥.

إِنْ لَزِمْتَ دَارَكَ نَهَارًا لأَُضْرِمَنهَا عَلَيْكَ نَارًا وَالسَّلاَمُ ". (١)

وَأَنْ يَتَّخِذَ أَعْوَانًا يَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِمُ الْعِفَّةُ وَالصِّيَانَةُ، وَيُؤَدِّبُهُمْ وَيُهَذِّبُهُمْ، وَيُعَرِّفُهُمْ كَيْفَ يَتَصَرَّفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَيْفَ يَخْرُجُونَ فِي طَلَبِ الْغُرَمَاءِ، وَلاَ يَنْفَرِدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعَمَلٍ إِلاَّ بَعْدَ مَشُورَتِهِ. وَأَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ فِي السِّرِّ إِنِ اسْتَطَاعَ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالنَّصِيحَةِ، فَإِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ الْمَوْعِظَةُ فِي السِّرِّ أَمَرَهُ بِالْعَلاَنِيَةِ، وَقَدْ أَوْصَى بَعْضُ الْوُزَرَاءِ الصَّالِحِينَ بَعْضَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ " اجْتَهِدْ أَنْ تَسْتُرَ الْعُصَاةَ فَإِنَّ ظُهُورَ مَعَاصِيهِمْ عَيْبٌ فِي أَهْل الإِْسْلاَمِ " (٢) وَأَنْ يَقْصِدَ مِنْ حِسْبَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ دِينِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَأَنْ يَتَحَلَّى بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ وَالشَّفَقَةِ، وَلاَ يَقْصِدَ إِلاَّ الإِْصْلاَحَ وَلاَ يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَتَكُونُ عُقُوبَتُهُ مُنَاسِبَةً مَعَ جُرْمِ كُل إِنْسَانٍ وَحَالِهِ، وَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَيَكُونُ مُتَأَنِّيًا غَيْرَ مُبَادِرٍ إِلَى الْعُقُوبَةِ، وَلاَ يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِأَوَّل ذَنْبٍ يَصْدُرُ مِنْهُ، وَلاَ يُعَاقِبُ بِأَوَّل زِلَّةٍ تَبْدُو، وَإِذَا عَثَرَ عَلَى مَنْ نَقَصَ الْمِكْيَال أَوْ بَخَسَ الْمِيزَانَ أَوْ غَشَّ بِضَاعَةً أَوْ صِنَاعَةً اسْتَتَابَهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَوَعَظَهُ وَخَوَّفَهُ وَأَنْذَرَهُ الْعُقُوبَةَ وَالتَّعْزِيرَ، فَإِنْ عَادَ إِلَى فِعْلِهِ عَزَّرَهُ عَلَى

_________

(١) معالم القربة، ١٢٤، ٢١٩.

(٢) غذاء الألباب ١ / ٢٢٧.