الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 23

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

وَبِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ (١) .

وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي كَيْفِيَّةِ النَّوْمِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ:

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: النَّوْمُ النَّاقِضُ هُوَ مَا كَانَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيل مِنْهُ لَسَقَطَ، لأَِنَّ الاِضْطِجَاعَ سَبَبٌ لاِسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِل فَلاَ يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ. وَالاِتِّكَاءُ يُزِيل مُسْكَةَ الْيَقِظَةِ، لِزَوَال الْمَقْعَدَةِ عَنِ الأَْرْضِ. بِخِلاَفِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا، لأَِنَّ بَعْضَ الاِسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إِذْ لَوْ زَال لَسَقَطَ، فَلَمْ يَتِمَّ الاِسْتِرْخَاءُ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ النَّوْمُ الثَّقِيل بِأَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِالصَّوْتِ الْمُرْتَفِعِ، بِقُرْبِهِ، أَوْ بِسُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ، طَال النَّوْمُ أَوْ قَصُرَ. وَلاَ يُنْقَضُ بِالْخَفِيفِ وَلَوْ طَال، وَيُنْدَبُ الْوُضُوءُ إِنْ طَال النَّوْمُ الْخَفِيفُ (٣) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الصَّحِيحُ مِنْهَا

_________

(١) حديث: " العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ " أخرجه ابن ماجه (١ / ١٦١ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب، وحسنه النووي في المجموع (٢ / ١٣ - ط المنيرية) .

(٢) فتح القدير مع الهداية ١ / ٤٢، ٤٣.

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٢٠، والذخيرة ١ / ٢٢٤، والمنتقى ١ / ٤٩، والدسوقي ١ / ١١٨، ١١٩.

أَنَّ مَنْ نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يُنْقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا يُنْتَقَضُ عَلَى أَيَّةِ هَيْئَةٍ كَانَ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَال: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ فَيَنَامُونَ، أَحْسَبُهُ قَال: قُعُودًا حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ (١) . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضَعَ جَنْبَهُ إِلَى الأَْرْضِ (٢) وَيُنْدَبُ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ مَعَ التَّمْكِينِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ (٣) .

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَسَمُوا النَّوْمَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

الأَْوَّل: نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ فَيُنْقَضُ بِهِ الْوُضُوءُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا أَخْذًا لِعُمُومِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ. الثَّانِي: نَوْمُ الْقَاعِدِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا نُقِضَ بِنَاءً عَلَى الْحَدِيثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يُنْقَضْ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ. الثَّالِثُ:

_________

(١) حديث: " كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء فينامون - أحسبه قال: قعودا - حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون " أخرجه الشافعي في مسنده (١ / ٣٤ - ترتيب السندي - ط مطبعة السعادة)، وأصله في صحيح مسلم (١ / ٢٤٨ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " ليس على من نام قائما أو قاعدا وضوء حتى يضع جنبه إلى الأرض ". أخرجه ابن عدي في الكامل (٦ / ٢٤٥٩ - ط دار الفكر) في ترجمة مهدي بن هلال، وقال ابن حجر في التلخيص (١ / ١٢٠ - ط شركة الطباعة الفنية) " وهو متهم بوضع الحديث ".

(٣) مغني المحتاج ١ / ٣٤، وقليوبي ١ / ٣٢، والمجموع ٢ / ١٢، ١٣.

مَا عَدَا هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَهُوَ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُنْقَضُ مُطْلَقًا لِلْعُمُومِ فِي الْحَدِيثَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: لاَ يُنْقَضُ، إِلاَّ إِذَا كَثُرَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي فَقُلْتُ لَهُ: صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ، وَقَدْ نِمْتَ، فَقَال إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ (١) .

وَالْعِبْرَةُ فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمُ الْعُرْفُ (٢) .

أَمَّا السُّكْرُ وَالْجُنُونُ وَالإِْغْمَاءُ فَدَلِيل نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهَا أَنَّهَا أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الْمُسْكَةِ مِنَ النَّوْمِ، لأَِنَّ النَّائِمَ يَسْتَيْقِظُ بِالاِنْتِبَاهِ، بِخِلاَفِ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.

وَلِتَعْرِيفِ هَذِهِ الأُْمُورِ وَمَعْرِفَةِ حُكْمِهَا وَأَثَرِهَا عَلَى الْوُضُوءِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحَاتِهَا.

الْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ دُونَ الْجِمَاعِ:

١٢ - وَتَفْسِيرُهَا، كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يُبَاشِرَ الرَّجُل الْمَرْأَةَ بِشَهْوَةٍ وَيَنْتَشِرَ لَهَا وَلَيْسَ

_________

(١) حديث: " إنما الوضوء على من نام. . . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٣٩ تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (١ / ١١١ ط مصطفى الحلبي) من حديث ابن عباس. وضعف أبو داود والترمذي الحديث وتبعهم أحمد شاكر على ذلك في تحقيقه للترمذي.

(٢) المغني لابن قدامة ١ / ١٧٣ - ١٧٥.

بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا (١) .

وَقَال فِي الدُّرِّ: أَنْ تَكُونَ بِتَمَاسِّ الْفَرْجَيْنِ وَلَوْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ أَوِ الرَّجُلَيْنِ مَعَ الاِنْتِشَارِ وَلَوْ بِلاَ بَلَلٍ (٢) . فَهَذِهِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - إِلاَّ مُحَمَّدًا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ قَال: بَيْنَمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَعَادَ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ. وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَال أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُل رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ وَاتَّبَعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُل فَلَحِقَ الرَّجُل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَال أَبُو أُمَامَةَ: فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَال: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلاَةَ مَعَنَا فَقَال: نَعَمْ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ، أَوْ قَال ذَنْبَكَ (٣) .

_________

(١) البدائع للكاساني ١ / ٣٠.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٩٩.

(٣) حديث أبي أمامة قال: " بينما رسول الله ﷺ في المسجد ونحن قعود معه. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢١١٧ - ٢١١٨ - ط الحلبي) .

وَلأَِنَّ الْمُبَاشَرَةَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا لاَ تَخْلُو عَنْ خُرُوجِ الْمَذْيِ عَادَةً إِلاَّ أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ جَفَّ بِحَرَارَةِ الْبَدَنِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أَوْ غَفَل عَنْ نَفْسِهِ لِغَلَبَةِ الشَّبَقِ فَكَانَتْ سَبَبًا مُفْضِيًا إِلَى الْخُرُوجِ، وَهُوَ الْمُتَحَقِّقُ فِي مَقَامِ وُجُوبِ الاِحْتِيَاطِ (١) .

الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ:

١٣ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لَمْسَ بَشَرَتَيِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ تَخْتَلِفُ عِبَارَاتُهُمْ فِي الشُّرُوطِ وَالتَّفْصِيل.

فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ هُوَ اللَّمْسُ بِعُضْوٍ أَصْلِيٍّ أَوْ زَائِدٍ يَلْتَذُّ صَاحِبُهُ بِهِ عَادَةً، وَلَوْ لِظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ سِنٍّ، وَلَوْ بِحَائِلٍ خَفِيفٍ يُحِسُّ اللاَّمِسُ فَوْقَهُ بِطَرَاوَةِ الْجَسَدِ، إِنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا بِدُونِ الْقَصْدِ، قَالُوا: وَمِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً الأَْمْرَدُ وَاَلَّذِي لَمْ تَتِمَّ لِحْيَتُهُ، فَلاَ نَقْضَ بِلَمْسِ جَسَدِ أَوْ فَرْجِ صَغِيرَةٍ لاَ تُشْتَهَى عَادَةً، وَلَوْ قَصَدَ. اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا، كَمَا لاَ تُنْقَضُ بِلَمْسِ مَحْرَمٍ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، أَمَّا الْقُبْلَةُ بِفَمٍ فَنَاقِضَةٌ وَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهَا اللَّذَّةُ وَلاَ وُجُودُهَا (٢) .

_________

(١) البدائع ١ / ٣٠، وابن عابدين ١ / ٩٩، والبناية على الهداية ١ / ٢٠١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٣٤، وكشاف القناع ١ / ١٢٨، ١٢٩.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٠، وحاشية الدسوقي ١ / ١١٥، وما بعدها.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ لَمْسُ بَشَرَتَيِ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى اللَّذَيْنِ بَلَغَا حَدًّا يُشْتَهَى، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا بَالِغَيْنِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِشَهْوَةٍ أَوْ إِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ يَكُونَ الذَّكَرُ مَمْسُوحًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ عِنِّينًا، أَوِ الْمَرْأَةُ عَجُوزًا شَوْهَاءَ، أَوِ الْعُضْوُ زَائِدًا أَوْ أَصْلِيًّا سَلِيمًا أَوْ أَشَل أَوْ أَحَدُهُمَا مَيِّتًا. وَالْمُرَادُ بِالْبَشَرَةِ ظَاهِرُ الْجِلْدِ. وَفِي مَعْنَاهَا اللَّحْمُ، كَلَحْمِ الأَْسْنَانِ وَاللِّسَانِ وَاللِّثَةِ وَبَاطِنِ الْعَيْنِ، فَخَرَجَ مَا إِذَا كَانَ عَلَى الْبَشَرَةِ حَائِلٌ وَلَوْ رَقِيقًا. وَالْمَلْمُوسُ فِي كُل هَذَا كَاللاَّمِسِ فِي نَقْضِ وُضُوئِهِ فِي الأَْظْهَرِ.

وَلاَ يُنْقَضُ بِلَمْسِ الْمَحْرَمِ فِي الأَْظْهَرِ، وَلاَ صَغِيرَةٍ، وَشَعْرٍ، وَسِنٍّ، وَظُفْرٍ فِي الأَْصَحِّ، كَمَا لاَ يُنْقَضُ بِلَمْسِ الرَّجُل الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَالْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى أَوْ مَعَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، لاِنْتِفَاءِ مَظِنَّتِهَا (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَسُّ بَشَرَةِ الذَّكَرِ بَشَرَةَ أُنْثَى أَوْ عَكْسُهُ لِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ غَيْرِ طِفْلَةٍ وَطِفْلٍ وَلَوْ كَانَ اللَّمْسُ بِزَائِدٍ أَوْ لِزَائِدٍ أَوْ شَلَلٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ مَيِّتًا أَوْ عَجُوزًا أَوْ مَحْرَمًا أَوْ صَغِيرَةً تُشْتَهَى، وَلاَ يُنْقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ بَدَنُهُ وَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ شَهْوَةٌ، وَلاَ بِلَمْسِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ وَعُضْوٍ مَقْطُوعٍ وَأَمْرَدَ مَسَّهُ رَجُلٌ وَلاَ مَسِّ خُنْثَى

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٣٤، ٣٥، وحاشية القليوبي ١ / ٣٢، ٣٣.

مُشْكِلٍ، وَلاَ بِمَسِّهِ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، وَلاَ بِمَسِّ الرَّجُل رَجُلًا، وَلاَ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ فِيهِمْ (١) .

هَذَا، وَيَسْتَدِل الْجُمْهُورُ فِي اعْتِبَارِهِمُ اللَّمْسَ مِنَ الأَْحْدَاثِ بِمَا وَرَدَ فِي الآْيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمِ النِّسَاءَ (٢)﴾ أَيْ لَمَسْتُمْ كَمَا قُرِئَ بِهِ، فَعَطَفَ اللَّمْسَ عَلَى الْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا الأَْمْرَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ كَالْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ (أَوْ جَامَعْتُمْ) لأَِنَّهُ خِلاَفُ الظَّاهِرِ، إِذْ اللَّمْسُ لاَ يَخْتَصُّ بِالْجِمَاعِ. قَال تَعَالَى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ (٣)﴾ وَقَال ﷺ: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ (٤) .

أَمَّا مَا اشْتَرَطَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّمْسُ بِالشَّهْوَةِ فَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الآْيَةِ وَبَيْنَ الأَْخْبَارِ الَّتِي تَدُل عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ بِمُجَرَّدِ الاِلْتِقَاءِ كَمَا سَيَأْتِي (٥) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يَعْتَبِرُونَ مَسَّ الْمَرْأَةِ مِنَ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ١٢٨، ١٢٩.

(٢) سورة النساء / ٤٣.

(٣) سورة الأنعام / ٧.

(٤) حديث: " لعلك لمست. . . " أخرجه أحمد (١ / ٢٣٨ - ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عباس.

(٥) جواهر الإكليل ١ / ٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٣٤، ٣٥، وكشاف القناع ١ / ١٢٨، ١٢٩.

الأَْحْدَاثِ مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا (١) . وَعَنْهَا أَنَّهُ ﷺ قَبَّل بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٢) .

مَسُّ فَرْجِ الآْدَمِيِّ:

١٤ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَسَّ فَرْجِ الآْدَمِيِّ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي الشُّرُوطِ وَالتَّفْصِيل:

فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مُطْلَقُ مَسِّ ذَكَرِ الْمَاسِّ الْبَالِغِ الْمُتَّصِل وَلَوْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلًا بِبَطْنٍ أَوْ جَنْبٍ لِكَفٍّ أَوْ إِصْبَعٍ وَلَوْ كَانَتِ الإِْصْبَعُ زَائِدَةً وَبِهَا إِحْسَاسٌ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَمُّدُ أَوِ الاِلْتِذَاذُ. أَمَّا مَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ اللَّمْسِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْقَصْدِ أَوْ وُجْدَانِ اللَّذَّةِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النَّاقِضُ مَسُّ قُبُل الآْدَمِيِّ

_________

(١) حديث عائشة: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ. . أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٨٨ - ط السلفية) .

(٢) البناية على الهداية ١ / ٢٤٣، ٢٤٤ وحديث: " قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ " أخرجه الترمذي (١ / ١٣٣ - ط الحلبي)، وصححه ابن عبد البر كما في نصب الراية (١ / ٣٨ - ط المجلس العلمي) .

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٢٠، ٢١.

ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا بِبَطْنِ الْكَفِّ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ. وَكَذَا (فِي الْجَدِيدِ) حَلْقَةُ دُبُرِهِ وَلَوْ فَرْجَ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ وَمَحَل الْجَبِّ وَالذَّكَرَ الأَْشَل وَبِالْيَدِ الشَّلاَّءِ عَلَى الأَْصَحِّ، لاَ بِرَأْسِ الأَْصَابِعِ وَمَا بَيْنَهُمَا (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَجْعَل مَسَّهُ حَدَثًا: النَّاقِضُ مَسُّ ذَكَرِ الآْدَمِيِّ إِلَى أُصُول الأُْنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَاسُّ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لاَ مَسُّ مُنْقَطِعٍ وَلاَ مَحَل الْقَطْعِ، وَيَكُونُ الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ أَوْ بِظَهْرِهِ أَوْ بِحَرْفِهِ غَيْرِ ظُفْرٍ، مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَلَوْ بِزَائِدٍ (٢) .

كَمَا يَنْقُضُ مَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَسُّ امْرَأَةٍ فَرْجَهَا الَّذِي بَيْنَ شَفْرَيْهَا أَوْ فَرْجَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَمَسُّ رَجُلٍ فَرْجَهَا وَمَسُّهَا ذَكَرَهُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ (٣) .

وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ مَسَّ الْفَرْجِ حَدَثٌ مَا رَوَاهُ بُسْرُ بْنُ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلاَ يُصَل حَتَّى يَتَوَضَّأَ (٤) وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٣٥، ٣٦.

(٢) كشاف القناع ١ / ١٢٧، ١٢٨ والمغني ١ / ١٧٨.

(٣) كشاف القناع ١ / ١٢٨.

(٤) حديث: " من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ " أخرجه الإمام مالك (١ / ٤٢ - ط الحلبي)، والترمذي (١ / ١٢٦ - ط الحلبي) واللفظ للترمذي، وصححه البخاري وأحمد وغيرهما كما في التلخيص لابن حجر (١ / ١٢٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .

أَنَّهُ قَال: مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ (٢) .

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَسَّ الْفَرْجِ لاَ يُعْتَبَرُ مِنَ الأَْحْدَاثِ فَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لِحَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلاَةِ فَقَال: هَل هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ (٣) .

قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَغْسِل يَدَهُ نَدْبًا لِحَدِيثِ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ أَيْ لِيَغْسِل يَدَهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ هَل هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ حِينَ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَمَسُّ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّلاَةِ (٤) .

_________

(١) حديث: " من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء " أخرجه أحمد (٢ / ٣٣٣ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة.

(٢) حديث: " أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ " أخرجه أحمد (٢ / ٢٢٣ - ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

(٣) حديث: " هل هو إلا بضعة منك " أخرجه أبو داود (١ / ١٢٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه الفلاس، وقال الطحاوي: " إسناده مستقيم " كذا في التلخيص لابن حجر (١ / ١٢٥ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٤) ابن عابدين ١ / ٩٩، والبناية على الهداية ١ / ٢٤٣، والمغني لابن قدامة ١ / ١٧٨، ١٧٩.