الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ شَهِدَا بِقَتْلٍ ثُمَّ رَجَعَا وَقَالاَ تَعَمَّدْنَا، لَكِنْ مَا عَرَفْنَا أَنَّهُ يُقْتَل بِشَهَادَتِنَا فَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الأَْصَحِّ، إِذْ لَمْ يَظْهَرْ تَعَمُّدُهُمَا لِلْقَتْل؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامِّ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَعْنِي الَّذِي يُقْبَل فِيهِ دَعْوَى الْجَهْل مُطْلَقًا لِخَفَائِهِ كَوْنُ التَّنَحْنُحِ مُبْطِلًا لِلصَّلاَةِ، أَوْ كَوْنُ الْقَدْرِ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ مُحَرَّمًا، أَوِ النَّوْعِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مُفْطِرًا، فَالأَْصَحُّ فِي الصُّوَرِ الثَّلاَثِ عَدَمُ الْبُطْلاَنِ.
وَلاَ تُقْبَل دَعْوَى الْجَهْل فِي الأُْمُورِ الْمُشْتَهِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ كَثُبُوتِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ رَجُلٍ قَدِيمِ الإِْسْلاَمِ، بِخِلاَفِ مَا لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ الْخَوَاصُّ (١) .
٦ - هَذَا وَيَعْقِدُ الأُْصُولِيُّونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بَابًا لِعَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ، وَيَجْعَلُونَ الْجَهْل مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ، وَقَدْ قَسَّمَ صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ الْجَهْل إِلَى أَنْوَاعٍ هِيَ:
الأَْوَّل: الْجَهْل الَّذِي يَكُونُ مِنْ مُكَابَرَةِ الْعَقْل وَتَرْكِ الْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ وَهُوَ جَهْل الْكَافِرِ، لاَ يَكُونُ عُذْرًا بِحَالٍ، بَل يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ.
الثَّانِي: الْجَهْل الَّذِي يَكُونُ عَنْ مُكَابَرَةِ الْعَقْل وَتَرْكِ الْحُجَّةِ الْجَلِيَّةِ أَيْضًا، لَكِنَّ الْمُكَابَرَةَ فِيهِ أَقَل مِنْهَا فِي الأَْوَّل؛ لِكَوْنِ هَذَا الْجَهْل نَاشِئًا عَنْ
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٠ - ٢٠١.
شُبْهَةٍ مَنْسُوبَةٍ إِلَى الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ. وَهَذَا الْجَهْل لِلْفِرَقِ الضَّالَّةِ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ، وَهَذَا الْجَهْل لاَ يَكُونُ عُذْرًا، وَلاَ نَتْرُكُهُمْ عَلَى جَهْلِهِمْ، فَإِنَّ لَنَا أَنْ نَأْخُذَهُمْ بِالْحُجَّةِ لِقَبُولِهِمُ التَّدَيُّنَ بِالإِْسْلاَمِ.
الثَّالِثُ: جَهْلٌ نَشَأَ عَنِ اجْتِهَادٍ وَدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَكِنْ فِيمَا لاَ يَجُوزُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ بِأَنْ يُخَالِفَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَوِ الإِْجْمَاعَ.
وَحُكْمُهُ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عُذْرًا فِي حَقِّ الإِْثْمِ لَكِنْ لاَ يَكُونُ عُذْرًا فِي الْحُكْمِ حَتَّى لاَ يَنْفُذَ الْقَضَاءُ بِهِ.
الرَّابِعُ: جَهْلٌ نَشَأَ عَنِ اجْتِهَادٍ فِيهِ مَسَاغٌ كَالْمُجْتَهَدَاتِ وَهُوَ عُذْرٌ أَلْبَتَّةَ وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِهِ.
الْخَامِسُ: جَهْلٌ نَشَأَ عَنْ شُبْهَةٍ وَخَطَأٍ كَمَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَهَذَا عُذْرٌ يُسْقِطُ الْحَدَّ.
السَّادِسُ: جَهْلٌ لَزِمَهُ ضَرُورَةً بِعُذْرٍ وَهُوَ أَيْضًا عُذْرٌ يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ، كَجَهْل الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُحَدُّ بِالشُّرْبِ (١) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ١ / ١٦٠ - ١٦١، وينظر الفروق للقرافي ٢ / ١٤٨ الفرق الرابع والتسعون.
الْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ وَالْحُكْمِ فِي الظَّاهِرِ:
٧ - الْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ وَالْحُكْمِ فِي الظَّاهِرِ لِمَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ عَلِمَهُ وَجَهِل الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ لَمْ يُعْذَرْ.
وَلِهَذَا لَوْ جَهِل تَحْرِيمَ الْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ عُذِرَ، وَلَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِل الإِْبْطَال بَطَلَتْ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ جِنْسَ الْكَلاَمِ يَحْرُمُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالْمِقْدَارَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ مُحَرَّمٌ فَمَعْذُورٌ فِي الأَْصَحِّ. وَقَدْ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ هُنَا تَنْبِيهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا لاَ يَخْتَصُّ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، بَل يَجْرِي فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، فَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَل رَجُلًا وَادَّعَى الْجَهْل بِتَحْرِيمِ الْقَتْل وَكَانَ مِثْلُهُ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي إِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيمَا قَالَهُ (الْقَاضِي) نَظَرٌ قَوِيٌّ.
الثَّانِي: أَنَّ إِعْذَارَ الْجَاهِل مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ لاَ مِنْ حَيْثُ جَهْلُهُ.
وَلِهَذَا قَال الشَّافِعِيُّ: لَوْ عُذِرَ الْجَاهِل لأَِجْل جَهْلِهِ لَكَانَ الْجَهْل خَيْرًا مِنَ الْعِلْمِ، إِذْ كَانَ يَحُطُّ عَنِ الْعَبْدِ أَعْبَاءَ التَّكْلِيفِ، وَيُرِيحُ قَلْبَهُ مِنْ ضُرُوبِ التَّعْنِيفِ، فَلاَ حُجَّةَ لِلْعَبْدِ فِي جَهْلِهِ بِالْحُكْمِ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وَالتَّمْكِينِ (١)؛ ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ
_________
(١) المنثور ٢ / ١٥ - ١٧.
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ (١) .
قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: كُل مَسْأَلَةٍ تَدِقُّ وَيَغْمُضُ مَعْرِفَتُهَا هَل يُعْذَرُ فِيهَا الْعَامِّيُّ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ (٢) .
الْجَهْل بِمَعْنَى اللَّفْظِ مُسْقِطٌ لِحُكْمِهِ:
٨ - إِذَا نَطَقَ الأَْعْجَمِيُّ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ، أَوْ إِيمَانٍ أَوْ طَلاَقٍ أَوْ إِعْتَاقٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَلاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ لاَ يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِمَا يَدُل عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ لاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَاخَذُ. نَعَمْ، لَوْ قَال الأَْعْجَمِيُّ: أَرَدْتُ بِهِ مَا يُرَادُ عِنْدَ أَهْلِهِ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: كَذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ؛ فَإِنَّ الإِْرَادَةَ لاَ تَتَوَجَّهُ إِلاَّ إِلَى مَعْلُومٍ أَوْ مَظْنُونٍ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى اللَّفْظِ لَمْ يَصِحَّ قَصْدُهُ.
وَلَوْ نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِكَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةٍ لَكِنَّهُ لاَ يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا فِي الشَّرْعِ، مِثْل قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِمَعْنَى اللَّفْظِ، أَوْ نَطَقَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوِ النِّكَاحِ، فَفِي الْقَوَاعِدِ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ أَنَّهُ لاَ يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ؛ إِذْ لاَ شُعُورَ لَهُ بِمَدْلُولِهِ حَتَّى يَقْصِدَهُ بِاللَّفْظِ. قَال: وَكَثِيرًا مَا يُخَالِعُ الْجُهَّال
_________
(١) سورة النساء / ١٦٥
(٢) المنثور ٢ / ١٤.
مِنَ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ مَدْلُول لَفْظِ الْخُلْعِ وَيَحْكُمُونَ بِصِحَّتِهِ لِلْجَهْل بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ (١) .
مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ وَجَهِل مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:
٩ - كُل مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ وَجَهِل مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ، كَمَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الزِّنَى وَالْخَمْرِ وَجَهِل وُجُوبَ الْحَدِّ يُحَدُّ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأَِنَّهُ كَانَ حَقُّهُ الاِمْتِنَاعَ، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْقَتْل وَجَهِل وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، أَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ، وَجَهِل كَوْنَهُ مُبْطِلًا يُبْطِل، أَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَجَهِل وُجُوبَ الْفِدْيَةِ تَجِبُ (٢) .
الْجَهْل عُذْرٌ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى:
١٠ - الْجَهْل عُذْرٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ، وَالأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ (٣)، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالإِْعَادَةِ لِجَهْلِهِ بِالنَّهْيِ. وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: حَيْثُ أَمَرَ ﷺ أَعْرَابِيًّا بِنَزْعِ الْجُبَّةِ عَنْهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ لِجَهْلِهِ (٤) .
_________
(١) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ١٠٢ والمنثور للزركشي ٢ / ١٣ - ١٤.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠١.
(٣) حديث معاوية بن الحكم. أخرجه مسلم (١ / ٣٨١ - ط الحلبي) .
(٤) حديث يعلى بن أمية. أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٩٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٣٦ - ط الحلبي) .
وَاحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي الإِْحْرَامِ جَاهِلًا فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ إِقَامَةُ مَصَالِحِهَا. وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِفِعْلِهَا، وَالْمَنْهِيَّاتُ مَزْجُورٌ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالاِنْكِفَافِ عَنْهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لاِرْتِكَابِهَا، وَمَعَ الْجَهْل لَمْ يَقْصِدْ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ الْمَنْهِيِّ، فَعُذِرَ بِالْجَهْل فِيهِ.
أَمَّا فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ فَقَدْ لاَ يُعْذَرُ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِل مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُل الْمَرِيضَ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الأَْصَحِّ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ حَبَسَ مَنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ مُدَّةً لاَ يَمُوتُ فِيهَا الشَّبْعَانُ عِنْدَ الْحَبْسِ فَلاَ قِصَاصَ.
وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ أَمَارَاتِ الْمَرَضِ لاَ تَخْفَى بِخِلاَفِ الْجُوعِ (١) .
أَحْكَامُ الْجَهْل:
لِلْجَهْل أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:
جَهْل الْمَرْأَةِ عَادَتَهَا:
١١ - الْمَرْأَةُ إِذَا جَهِلَتْ عَادَتَهَا لِنِسْيَانٍ أَوْ جُنُونٍ وَنَحْوِهِمَا (وَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَيُّرِهَا فِي أَمْرِهَا، وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ. لَهَا
_________
(١) المنثور للزركشي ٢ / ١٩ - ٢١.
ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِلْقَدْرِ وَالْوَقْتِ، أَوْ لِلْقَدْرِ دُونَ الْوَقْتِ، أَوْ بِالْعَكْسِ (١) . وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي (حَيْضٌ) .
الْجَهْل بِوَقْتِ الصَّلاَةِ:
١٢ - مَنْ جَهِل الْوَقْتَ لِعَارِضٍ كَغَيْمٍ، أَوْ حَبْسٍ، وَعَدِمَ ثِقَةً يُخْبِرُهُ بِهِ عَنْ عِلْمٍ، اجْتَهَدَ جَوَازًا إِنْ قَدَرَ عَلَى الْيَقِينِ بِالصَّبْرِ أَوِ الْخُرُوجِ وَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ مَثَلًا، وَإِلاَّ فَوُجُوبًا بِوِرْدٍ مِنْ قُرْآنٍ، وَدَرْسٍ، وَمُطَالَعَةٍ وَصَلاَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي: (صَلاَةٌ) .
الْجَهْل بِالنَّجَاسَةِ فِي الصَّلاَةِ:
١٣ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى حَامِلًا نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَلاَ يَعْلَمُهَا تَبْطُل صَلاَتُهُ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ الْخَبَثِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ إِلاَّ حَال الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٣٦ - ٣٧ والخرشي ١ / ٢٠٦، والمغني ١ / ١٩٧ - ١٩٨ ط دار الفكر، والمقنع ١ / ٩١، ومعني المحتاج ١ / ١١٦ - ١١٧.
(٢) مغني المحتاج ١ / ١٢٧، وكشاف القناع ١ / ٣١٦، والدسوقي ١ / ٢٢٧، والمغني ١ / ٣٨٩.
(٣) سورة المدثر / ٤.
عَلَى الْمَشْهُورِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٌ) .
الْجَهْل بِالْمُطَهَّرِ وَسَاتِرِ الْعَوْرَةِ:
١٤ - إِذَا اخْتَلَطَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِآخَرَ نَجِسٍ، وَلَمْ يَعْلَمِ الطَّاهِرَ مِنْهُمَا، هَل يَجْتَهِدُ وَيَتَحَرَّى وَيَتَطَهَّرُ وَيُصَلِّي أَمْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ؟ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (مَاءٌ وَصَلاَةٌ) .
وَمِثْلُهُ إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِأُخْرَى نَجِسَةٍ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَلَنْ يَجِدَ مَا يُطَهِّرُهَا بِهِ وَاحْتَاجَ إِلَى الصَّلاَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ وَالتَّحَرِّي عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُصَلِّي بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٌ) . وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ اشْتِبَاهٌ مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ف ١٣ ج ٤ ص ٢٩٤
الْجَهْل بِالْقِبْلَةِ:
١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) وَمَنْ جَهِل الْقِبْلَةَ يَسْأَل مَنْ يَعْلَمُهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ السُّؤَال اجْتَهَدَ (٣) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٧٣، ومغني المحتاج ١ / ١٨٨ - ١٩٤. والخرشي ١ / ٢٣٧، والمغني ١ / ١٠٩، والمقنع ١ / ١٢٦.
(٢) سورة البقرة / ١٤٤.
(٣) الموسوعة ٤ / ٧٠ وما بعدها و٢٩٦ - ٢٩٧.
عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (اسْتِقْبَالٌ، وَاشْتِبَاهٌ) .
الْجَهْل بِالْفَاتِحَةِ:
١٦ - مَنْ جَهِل الْفَاتِحَةَ بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَتُهَا لِعَدَمِ مُعَلِّمٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَتَى فِي الصَّلاَةِ بِبَدَلِهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، أَتَى بِالذِّكْرِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي عَنْهُ. فَقَال: قُل: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ (١) . وَلاَ يُجْزِئُ بِالأَْعْجَمِيَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُجْزِئُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٌ) .
الْجَهْل بِوُجُوبِ الصَّلاَةِ:
١٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ
_________
(١) حديث: " قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". أخرجه أبو داود (١ / ٥٢١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وأعله النسائي والنووي بضعف راو فيه كما في التلخيص لابن حجر (١ / ٢٣٦ ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٦٩، والخرشي ١ / ٢٧٠، ومغني المحتاج ١ / ١٥٩، والمغني ١ / ٢٨٨ - ٢٨٩، والمقنع ١ / ١٤٣ - ١٤٤.
إِنْ جَحَدَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِوُجُوبِهَا يَكْفُرُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِوُجُوبِهَا كَأَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالإِْسْلاَمِ، أَوْ نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ، أَوْ جَزِيرَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي: (رِدَّةٌ، صَلاَةٌ) .
الْجَهْل بِمُبْطِلاَتِ الصَّلاَةِ:
١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل يُعْذَرُ مَنْ يَجْهَل مُبْطِلاَتِ الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلاَةِ يُبْطِلُهَا عَالِمًا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَوْ جَاهِلًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ قَلِيلًا جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ إِنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإِْسْلاَمِ، أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنِ الْعُلَمَاءِ، بِخِلاَفِ مَنْ بَعُدَ إِسْلاَمُهُ وَقَرُبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْعِلْمِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٌ) .
قَضَاءُ الْفَوَائِتِ الْمَجْهُولَةِ:
١٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لاَ يَدْرِي عَدَدَهَا وَتَرَكَهَا لِعُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنَ الْفُرُوضِ.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٦١٤ ط الحلبي، والقوانين الفقهية ص ٣٤، ومغني المحتاج ١ / ٣٢٧، وكشاف القناع ١ / ٢٢٧.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٢٣، والقوانين الفقهية ص ٣٩، ومغني المحتاج ١ / ١٩٤ - ١٩٥.