الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
مَطْرُوحَةٌ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَمِنْ طُول مُعَارَضَتِهِمْ لِلْجُيُوشِ وَمُحَارَبَتِهِمْ لَهُمْ، فَلْتَطْلُبْ غِرَّتَهُمْ. وَلاَ تُحْدِثُ لَهُمُ الدَّعْوَةَ إِلاَّ تَحْذِيرًا وَأَخْذَ عِدَّةٍ لِمُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْعًا لِمَا رَجَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ.
قَال مَالِكٌ: إِذَا عَاجَلَكَ أَهْل الْحَرْبِ عَنْ أَنْ تَدْعُوَهُمْ فَقَاتِلْهُمْ، وَسُئِل عَنْ قَوْمٍ أَتَوْا إِلَى قَوْمٍ فِي دِيَارِهِمْ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ. قَال مَالِكٌ: نَاشِدُوهُمْ بِاللَّهِ فَإِنْ أَبَوْا وَإِلاَّ فَالسَّيْفُ (١) .
وَقَال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لاَ بَأْسَ بِابْتِغَاءِ عَوْرَةِ الْعَدُوِّ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لأَِنَّ دَعْوَةَ الإِْسْلاَمِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَتَلُوا أَمِيرَهُمُ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ غِيلَةً (٢)، وَكَذَلِكَ يُفْعَل بِقَوْمٍ إِنْ جَلَسْتَ بِأَرْضِكَ أَتَوْكَ، وَإِنْ سِرْتَ إِلَيْهِمْ قَاتَلُوكَ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَال: إِنْ كَانَ عَدُوٌّ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلاَ أَمْرُ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِمُ الإِْسْلاَمُ، وَتَسِيرُ إِلَيْهِمُ الأَْمْثَال، وَتُضْرَبُ لَهُمُ الْعِبَرُ، وَيُتْلَى عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْعُذْرُ فِي دُعَائِهِمْ وَأَبَوْا طُلِبَتْ عَوْرَتُهُمْ، وَالْتُمِسَتْ غَفْلَتُهُمْ، وَكَانَ
_________
(١) المدونة ٣ / ٣.
(٢) حديث: " بعث إلى خيبر فقتلوا أميرهم ابن أبي الحقيق " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٣٤٠ - ط السلفية) من حديث البراء بن عازب.
الدُّعَاءُ فِيمَنْ أُعْذِرَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الإِْعْذَارِ تَحْذِيرًا لَهُمْ، وَفِي هَذَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (١) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ قَبْل الْقِتَال يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الأَْمْرِ قَبْل انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ وَظُهُورِ الإِْسْلاَمِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدِ انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنِ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَال.
قَال أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو إِلَى الإِْسْلاَمِ قَبْل أَنْ يُحَارِبَ، حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلاَ الإِْسْلاَمُ، وَلاَ أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتِ الدَّعْوَةُ كُل أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ. وَلَكِنْ إِذَا دُعِيَ مَنْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ فَلاَ بَأْسَ (٢) .
وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الإِْنْذَارِ لِمَا رَوَى سَهْل بْنُ سَعْدٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِل بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ (٣)، إِلاَّ إِذَا تَضَمَّنَتْ دَعْوَتُهُمْ ضَرَرًا وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَأَنْ يَسْتَعِدُّوا أَوْ يَتَحَصَّنُوا فَلاَ يَفْعَل.
_________
(١) المدونة ٣ / ٣، ٤.
(٢) المغني ٨ / ٣٦١.
(٣) حديث: " أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٤٧٦ - ط السلفية) .
وَلَكِنَّ دَعْوَتَهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لأَِنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ (١)، وَالْغَارَةُ لاَ تَكُونُ بِدَعْوَةٍ (٢) .
وَقَيَّدَ ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَاسْتِحْبَابُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ بِمَا إِذَا قَصَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ قَاصِدِينَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَال فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ (٣) .
الأَْمَانُ فِي حَال الْقِتَال:
٢٥ - الأَْصْل أَنَّ إِعْطَاءَ الأَْمَانِ لِلْكُفَّارِ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ طَلَبَهُ مُبَاحٌ، وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ أَوْ إِخْلاَلٍ بِوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ.
وَحُكْمُ الأَْمَانِ ثُبُوتُ الأَْمْنِ لِلْكَفَرَةِ عَنِ الْقَتْل وَالسَّبْيِ، وَغَنْمِ أَمْوَالِهِمْ، فَيَحْرُمُ بِوُجُودِ الأَْمَانِ قَتْل رِجَالِهِمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَاغْتِنَامُ أَمْوَالِهِمْ (٤) .
_________
(١) حديث: " أغار على بني المصطلق وهم غارون ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٧٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٥٦ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) شرح فتح القدير ٥ / ١٩٥ وحاشية رد المحتار ٣ / ٢٢٣، والمهذب ٢ / ٢٣١.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٤١.
(٤) البدائع ٧ / ١٠٧، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٨، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٨١، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٣٢.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (أَمَانٌ) (وَمُسْتَأْمَنٌ) .
الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال الْعَدُوِّ:
٢٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال الْعَدُوِّ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ الْمُنْذِرِ، وَابْنَ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الإِْمَامُ حُسْنَ رَأْيِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَأْمَنَ خِيَانَتَهُمْ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ بِحَيْثُ لَوْ خَانَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ وَانْضَمُّوا إِلَى الَّذِينَ يَغْزُونَهُمْ، أَمْكَنَهُمْ مُقَاوَمَتُهُمْ جَمِيعًا.
وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنْ يُخَالِفُوا مُعْتَقَدَ الْعَدُوِّ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - مَا عَدَا ابْنَ حَبِيبٍ - وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْجُوزَجَانِيُّ: لاَ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِمُشْرِكٍ (١) .
وَتَفْصِيل الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي: (اسْتِعَانَةٌ) وَفِي: (أَهْل الْكِتَابِ) .
أَمَّا اسْتِئْجَارُ الْكَافِرِ لِلْجِهَادِ فَقَدْ صَرَّحَ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٢٣٥، والمبسوط ١٠ / ٣٣، وفتح القدير ٥ / ٢٤٢، ٢٤٣ والحطاب ٣ / ٣٥٢، والمدونة ٣ / ٤٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٢١، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٣٩، والمغني ٨ / ٤١٤، وكشاف القناع ٣ / ٤٨.
الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ، وَمُسْتَأْمَنٍ، وَمُعَاهَدٍ، بَل حَرْبِيٍّ لِلْجِهَادِ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ، حَيْثُ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ دُونَ غَيْرِهِ أَيْ مِنَ الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ لاَ يَقَعُ عَنْهُ فَلاَ يَأْخُذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ؛ وَلأَِنَّهُ يُحْتَمَل فِي مُعَاقَدَةِ الْكُفَّارِ مَا لاَ يُحْتَمَل فِي مُعَاقَدَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الإِْمَامِ ذَلِكَ؛ لاِحْتِيَاجِ الْجِهَادِ إِلَى مَزِيدٍ مِنْ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ (١) .
مُحَرَّمَاتُ الْجِهَادِ وَمَكْرُوهَاتُهُ:
أ - الْقِتَال فِي الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ:
٢٧ - الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ هِيَ رَجَبٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَمُحَرَّمٌ.
وَكَانَ الْبَدْءُ بِالْقِتَال فِي هَذِهِ الأَْشْهُرِ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مُحَرَّمًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ (٢)﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ (٣)﴾ .
وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَدْءَ الْقِتَال فِي الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَنَاسِخُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٦٢، ٦٣ وما بعدها.
(٢) سورة التوبة / ٣٦.
(٣) سورة البقرة / ٢١٧.
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (١)﴾ وَبِغَزْوِهِ ﷺ الطَّائِفَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ: أَنَّهُ لاَ يَزَال مُحَرَّمًا، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلاَّ أَنْ يُغْزَى، فَإِذَا حَضَرَهُ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ (٢) .
وَأَمَّا الْقِتَال فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ دَفْعًا فَيَجُوزُ إِجْمَاعًا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ (٣) .
ب - مَنْعُ إِخْرَاجِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الشَّرْعِ فِي الْجِهَادِ:
٢٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَالْغَزْوُ بِهِ، كَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ (٤)، وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِهِ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ لاِسْتِخْفَافِهِمْ بِهِ
_________
(١) سورة التوبة / ٥.
(٢) حديث: " لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر. . . " أخرجه ابن جرير الطبري في تفسير (٤ / ٣٠٠ - ط دار المعارف)، وإسناده صحيح.
(٣) المبسوط ١٠ / ٢، ٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٤٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٠٤، وكشاف القناع ٣ / ٣٧.
(٤) حديث: " لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٩١ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
وَهُوَ حَرَامٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ فَهُوَ حَرَامٌ. وَلَكِنْ لاَ يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِخْرَاجُ الْمُصْحَفِ فِي جَيْشٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ، وَأَقَلُّهُ عِنْدَ الإِْمَامِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَسْكَرُ الْعَظِيمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، لِقَوْلِهِ ﷺ: لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (١) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ لأَِرْضِهِمْ وَلَوْ مَعَ جَيْشٍ كَبِيرٍ، وَقَاسَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمُصْحَفِ كُتُبَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ (٢) .
وَإِذَا دَخَل مُسْلِمٌ إِلَيْهِمْ بِأَمَانٍ جَازَ حَمْل الْمُصْحَفِ مَعَهُ إِذَا كَانُوا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لَهُ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمَانٌ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إِرْسَال الْمُصْحَفِ إِلَيْهِمْ وَلَوْ طَلَبُوهُ لِيَتَدَبَّرُوهُ خَشْيَةَ إِهَانَتِهِمْ لَهُ، وَلاَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ الآْيَةُ وَنَحْوُهَا (٣) .
ج - مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْجِهَادِ:
٢٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ
_________
(١) حديث: " لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة ". أخرجه أبو داود (٣ / ٨٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٤٤٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٢٣، ٢٢٤، والمبسوط ١٠ / ٢٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٨، والمغني ١ / ١٤٩، ٨ / ٣٦٧.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٢٤، والدسوقي ٢ / ١٧٨.
قَتْل النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِل، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُول اللَّهِ ﷺ مَقْتُولَةً، فَنَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (١) .
وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ قَتْل الشُّيُوخِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَال مُجَاهِدٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلاَ طِفْلًا، وَلاَ امْرَأَةً (٢)، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا (٣)﴾ يَقُول: " لاَ تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ " وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ يُقْتَل كَالْمَرْأَةِ، وَقَدْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَال: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل (٤) .
_________
(١) حديث: " نهى عن قتل النساء والصبيان ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٤٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٦٤ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا ولا امرأة ". أخرجه أبو داود (٣ / ٨٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أنس بن مالك، وإسناده حسن لغيره.
(٣) سورة البقرة / ١٩٠.
(٤) حديث: " ما كانت هذه لتقاتل. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ١٢٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ١٢٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث رباح بن ربيع، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْل الشُّيُوخِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ (٢) . وَلأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُكَلَّفُونَ فَجَازَ قَتْلُهُمْ كَغَيْرِهِمْ. وَالْخِلاَفُ فِي قَتْل الزَّمِنِ وَالأَْعْمَى وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا كَيَابِسِ الشِّقِّ، وَمَقْطُوعِ الْيُمْنَى، أَوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ خِلاَفٍ، كَالْخِلاَفِ فِي الشَّيْخِ (٣) .
وَلاَ يُقْتَل الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ، وَلاَ أَهْل الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لاَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ، فَإِنْ خَالَطُوا قُتِلُوا كَالْقِسِّيسِ، وَلاَ سَائِحٌ فِي الْجِبَال لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ.
وَالَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ، يُقْتَل فِي حَال إِفَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل (٤) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ يُقْتَل إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَل؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الإِْجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، فَيَكُونُ
_________
(١) سورة التوبة / ٥.
(٢) حديث: " اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم " أخرجه الترمذي (٤ / ١٤٥ - ط الحلبي) من حديث سمرة ابن جندب، وفي سنده انقطاع بين سمرة والراوي عنه.
(٣) البدائع ٧ / ١٠١، وابن عابدين ٣ / ٢٢٤، ٢٢٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٦، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٤، والمغني ٨ / ٤٧٧.
(٤) ابن عابدين ٣ / ٢٢٥، والبدائع ٧ / ١٠١.
بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ لاَ يُقْتَل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُقَاتِل فِيهَا.
وَكَذَلِكَ الْفَلاَّحُ الَّذِي لاَ يُقَاتِل، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄: " اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلاَّحِينَ الَّذِينَ لاَ يَنْصِبُونَ لَكُمُ الْحَرْبَ ".
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُقْتَل، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ (١) .
وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَتْل رَسُول الْكُفَّارِ (٢) .
وَيَجُوزُ قَتْل مَنْ قَاتَل مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَلَوِ امْرَأَةً؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَل يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً طَرَحَتِ الرَّحَا عَلَى خَلاَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ (٣) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ؛ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَقَال: مَنْ قَتَل هَذِهِ؟ قَال رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: وَلِمَ؟ قَال: نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي. قَال: فَسَكَتَ (٤) .
_________
(١) المغني ٨ / ٤٧٨، ٤٧٩.
(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٢٤٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٤.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ قتل يوم قريظة. . . " أخرجه ابن إسحاق في المغازي كما في السيرة النبوية لابن كثير (٣ / ٢٤٢ - نشر دار إحياء التراث) .
(٤) حديث: " من قتل هذه؟ " أخرجه أبو داود في المراسيل كما في التلخيص الحبير (٤ / ١٠٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .