الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

النَّبِيُّ ﷺ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلاَ يُحْدِثُوا حَدَثًا، وَلاَ يَأْكُلُوا الرِّبَا، فَأَكَلُوا الرِّبَا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِهَذَا السَّبَبِ، لاَ لِكَوْنِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لاَ تَصْلُحُ لِسُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ (١) .

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ (٢) .

وَلأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ أَجْلَى مَنْ كَانَ بِالْيَمَنِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَقَدْ أَجَلاَهُمْ عُمَرُ مِنَ الْحِجَازِ وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ (٣) .

شُرُوطُ مَنْ تُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ:

٣٤ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِفَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ عِدَّةَ شُرُوطٍ مِنْهَا: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْل، وَالذُّكُورَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ، وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ.

وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ.

أَوَّلًا: الْبُلُوغُ:

٣٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُضْرَبُ

_________

(١) المهذب مع المجموع ٨ / ٢٦٧.

(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٩ / ٢٠٧.

(٣) نهاية المحتاج ٨ / ٩٠.

عَلَى صِبْيَانِ أَهْل الذِّمَّةِ (١) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ خِلاَفًا فِي هَذَا، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ، لاَ أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلاَفَهُمْ (٢) وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (٣) . . .﴾ آيَةَ الْجِزْيَةِ.

فَالْمُقَاتَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْقِتَال تَسْتَدْعِي أَهْلِيَّةَ الْقِتَال مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقِتَال، وَالصِّبْيَانُ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ (٤)

وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ. حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ.

وَالْحَالِمُ: مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ بِالاِحْتِلاَمِ، أَوْ غَيْرِهِ

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣٠، الهداية ٢ / ١٦٠، الاختيار ٤ / ٣٨، الفتاوى الهندية ٢ / ٢٤٤، الجوهرة النيرة ٢ / ٣٥١، حاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٨، مجمع الأنهر ١ / ٦٧١، الخراج ص ١٢٢، المنتقى ٢ / ١٧٦، المقدمات لابن رشد ١ / ٣٩٧، حاشية الخرشي ٣ / ١٤٤، البداية لابن رشد ١ / ٤٠٤، القوانين الفقهية ص ١٧٥، حاشية قليوبي ٤ / ٢٢٨٩، الأم ٤ / ٢٧٩، رحمة الأمة ٢ / ١٨٢، المهذب مع المجموع ١٨ / ٢٢٧، كشاف القناع ٣ / ١١٩، أحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٤٢، المبدع ٣ / ٤٠٨، المحلى ٧ / ٥٦٦.

(٢) المغني ٨ / ٥٠٧.

(٣) سورة التوبة / ٢٩.

(٤) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣٠.

مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ، فَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ.

وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ أَنْ يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ وَلاَ يَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلاَ يَضْرِبُوهَا إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى (١) .

قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فِي مَعْنَى " مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى ": يَعْنِي مَنْ أَنْبَتَ، وَقَال فِي وَجْهِ الاِسْتِدْلاَل بِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الأَْصْل فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَمَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَى الذُّكُورِ الْمُدْرِكِينَ دُونَ الإِْنَاثِ وَالأَْطْفَال، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عَلَيْهِمُ الْقَتْل لَوْ لَمْ يُؤَدُّوهَا، وَأَسْقَطَهَا عَمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْل وَهُمُ الذُّرِّيَّةُ (٢) .

وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَعَمِل بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ (٣) .

فَقَدْ صَالَحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَهْل بُصْرَى عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا وَجَرِيبَ حِنْطَةٍ، وَصَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْل أَنْطَاكِيَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلاَءِ، فَجَلاَ بَعْضُهُمْ وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ، فَأَمَّنَهُمْ وَوَضَعَ عَلَى كُل حَالِمٍ مِنْهُمْ دِينَارًا وَجَرِيبًا.

_________

(١) الأموال لأبي عبيد ص ٥١، الأموال لابن زنجويه ١ / ١٥١، وقال المحقق الدكتور شاكر فياض: إسناد ابن زنجويه صحيح رجاله ثقات.

(٢) الأموال لأبي عبيد ص ٥١ - ٥٣.

(٣) الأموال لأبي عبيد ص ٥٤.

وَوَضَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى أَهْل مِصْرَ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ وَأَخْرَجَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ (١) وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَالصِّبْيَانُ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا (٢) .

٣٦ - وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَهَل يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ أَمْ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل يَتَنَاوَل الْبَالِغِينَ وَمَنْ سَيَبْلُغُ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ، وَلَمْ يُفْرِدُوا كُل مَنْ بَلَغَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَإِنِ اخْتَارَ الذِّمَّةَ عُقِدَتْ لَهُ، وَإِنِ اخْتَارَ اللَّحَاقَ لِمَأْمَنِهِ أُجِيبَ إِلَيْهِ (٤) .

وَإِذَا كَانَ الْبُلُوغُ فِي أَوَّل حَوْل قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ، وَإِذَا كَانَتْ فِي أَثْنَائِهِ أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ بِقِسْطِهِ.

_________

(١) فتوح البلدان ص ١٢٠، ١٥٤، ٢٢٠.

(٢) المغني ٨ / ٥٠٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٨، ومجمع الأنهر ١ / ٦٧١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠١، والمقدمات لابن رشد ١ / ٣٩٧، وحاشية الخرشي ٣ / ١٤٤، والمغني ٨ / ٥٠٨، وكشاف القناع ٣ / ١٢١، وأحكام أهل الذمة ١ / ٤٥.

(٤) روضة الطالبين ١٠ / ٣٠٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٥.

ثَانِيًا: الْعَقْل:

٣٧ - نَقَل ابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ مَجَانِينِ أَهْل الذِّمَّةِ (١) .

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا إجْمَاعٌ، لَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَ خِلاَفًا فِي الْمَجْنُونِ، وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ الْبَيَانِ وَجْهًا ضَعِيفًا لِلشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ كَالْمَرِيضِ وَالْهَرِمِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ (٢) .

ثَالِثًا: الذُّكُورَةُ:

٣٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُضْرَبُ عَلَى نِسَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ. لِمَا سَبَقَ مِنَ الأَْدِلَّةِ (٣) .

_________

(١) البدائع ٩ / ٤٣٣٠، وفتح القدير ٥ / ٢٩٣، والخراج مع شرحه الرتاج ٢ / ١٠٥، وكتاب السير لمحمد بن الحسن ص ٢٦٣، والفتاوى الهندية ٢ / ٢٤٤، ومجمع الأنهر ١ / ٦٧١، والكافي ١ / ٤٧٩، مختصر خليل ص ١١٧، وحاشية الخرشي ٣ / ١٤٤، بلغة السالك ١ / ٣٦٧، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٩٩، وحاشية قليوبي ٤ / ٢٢٩، والغاية القصوى ٢ / ٩٥٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٤، وكفاية الأخيار ٢ / ١٣٢، مغني المحتاج ٤ / ٢٤٥، والمغني ٨ / ٥٠٧، وكشاف القناع ٣ / ١١٩، المبدع ٣ / ٤٠٨، والإنصاف ٤ / ٢٢٢، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٤٢، ٤٧.

(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨ / ١١٢، بداية المجتهد ١ / ٤٠٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٩٩.

(٣) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣٠، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، والاختيار ٤ / ١٣٨، والهداية ٢ / ١٦٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٨، والخراج لأبي يوسف ص ١٢٢ والقوانين الفقهية ص ١٧٥، والمنتقى ٢ / ١٧٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٠٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٥ ورحمة الأمة ٢ / ١٨٢، والميزان ٢ / ١٨٩، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٤٢، وكشاف القناع ٣ / ١١٩، والإفصاح ٢ / ٢٩٤، الخراج لابن آدم ص ٦٧.

رَابِعًا: الْحُرِّيَّةُ:

٣٩ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ أَهْل الذِّمَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مَمْلُوكًا لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ. وَقَدْ نَقَل هَذَا الاِتِّفَاقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ رُشْدٍ.

لأَِنَّ الْجِزْيَةَ شُرِعَتْ بَدَلًا عَنِ الْقَتْل فِي حَقِّهِمْ، وَعَنِ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، وَالْعَبْدُ مَحْقُونُ الدَّمِ بِدُونِ دَفْعِ الْجِزْيَةِ. وَالْعَبْدُ أَيْضًا لاَ تَلْزَمُهُ النُّصْرَةُ؛ لأَِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهَا، فَإِذَا امْتَنَعَ الأَْصْل فِي حَقِّهِ امْتَنَعَ الْبَدَل، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ (١) .

وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدٍ كَافِرٍ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ سَيِّدِهِ الْكَافِرِ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، الهداية ٢ / ١٦٤، وفتح القدير ٥ / ٢٩٤، والاختيار ٤ / ١٣٨، والمقدمات ١ / ٣٩٧، وحاشية الخرشي ٣ / ١٤٤، ومنح الجليل ١ / ٧٥٧، وبلغة السالك ١ / ٣٦٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠١، والمهذب مع المجموع ١٨ / ٢٣٢، وحاشية قليوبي ٤ / ٢٢٩، وكفاية الأخيار ٢ / ١٣٣، والمغني ٨ / ٥١٠، وكشاف القناع ٣ / ١٢٠، والأحكام السلطانية للفراء ص ١٥٤، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٥٥، الإفصاح لابن هبيرة ٢ / ٢٩٤، ورحمة الأمة للدمشقي ٢ / ١٨٢، والميزان للشعراني ٢ / ١٨٤، والإجماع لابن المنذر ص ٥٩.

﵁ أَنَّهُ قَال: " لاَ تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْل الذِّمَّةِ، وَلاَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلاَ يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ (١) .

قَال أَحْمَدُ: أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ (٢) .

وَلأَِنَّ الْعَبْدَ ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ كَالْحُرِّ (٣) .

خَامِسًا: الْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ:

٤٠ - اشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِوُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ الْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْعَمَل.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل (٤): وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى الْعَمَل. وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ لَهُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ

_________

(١) السنن الكبرى للبيهقي ٩ / ١٩٤، عبد الرزاق: المصنف ٦ / ٤٦.

(٢) الإجماع لابن المنذر ص ٥٩، والمغني ٨ / ٥١٠، أحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٥٦، وكتاب الروايتين والوجهين - ٢ / ٣٨٢، مكتبة المعارف بالرياض ط ١ - ١٤٠٥ هـ.

(٣) المغني ٨ / ٥١٠.

(٤) المعتمل: المتكسب.

نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا (١)﴾ وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل مِنَ الآْيَةِ أَنَّ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنِ الْكَسْبِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَدْفَعَ الْجِزْيَةَ، وَمَتَى كَانَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ فَلاَ يُكَلَّفُ بِهَا. وَقَدْ وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَال عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُكْتَسِبِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا (٢) .

فَقَدْ فَرَضَهَا عُمَرُ ﵁ عَلَى طَبَقَاتٍ ثَلاَثٍ أَدْنَاهَا الْفَقِيرُ الْمُعْتَمِل، فَدَل بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ (٣) .

وَقَالُوا: إِنَّ الْجِزْيَةَ مَالٌ يَجِبُ بِحُلُول الْحَوْل، فَلاَ يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنِ الْكَسْبِ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ (٤) .

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٦.

(٢) السنن الكبرى ٩ / ١٩٦.

(٣) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، الهداية ٢ / ١٦٠، فتح القدير ٥ / ٢٩٤، الاختيار ٤ / ١٣٨، الفتاوى الهندية ٢ / ٢٤٤، حاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٧، مجمع الأنهر ١ / ٦٧٢، الخراج لأبي يوسف ص ١٢٢، القوانين الفقهية ص ١٧٥، الكافي ١ / ٤٧٩، حاشية الخرشي ٣ / ١٤٥، منح الجليل ١ / ٧٥٧، بلغة السالك ١ / ٣٦٧، المغني ٨ / ٥٠٩، المبدع ٣ / ٤٠٩، الإنصاف ٤ / ٢٢٤، كشاف القناع ٣ / ١٢١، مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام ص ١٠٤، أحكام أهل الذمة ١ / ٤٨، مغني المحتاج ٤ / ٢٤٦.

(٤) المغني ٨ / ٥٠٩، والمبسوط ١٠ / ٧٩، وفتح القدير ٥ / ٢٩٤.

وَأَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الأَْدَاءِ مَعْذُورٌ شَرْعًا فِيمَا هُوَ حَقُّ الْعِبَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ (١)﴾ فَفِي الْجِزْيَةِ أَوْلَى.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل، كَمَا تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل، إِلاَّ أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَمِل تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ، فَإِذَا أَيْسَرَ طُولِبَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢)﴾ وَعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ: أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا (٣) .

وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنِ الْقَتْل، وَالسُّكْنَى فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَلَمْ يُفَارِقِ الْمَعْذُورُ فِيهَا غَيْرَهُ، فَتُؤْخَذُ مِنَ الْفَقِيرِ كَمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيِّ (٤) .

سَادِسًا: أَلاَ يَكُونَ مِنَ الرُّهْبَانِ الْمُنْقَطِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فِي الصَّوَامِعِ:

٤١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرُّهْبَانَ الْمُخَالِطِينَ لِلنَّاسِ، وَالْمُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٠.

(٢) سورة التوبة / ٢٩.

(٣) حديث: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا ". سبق تخريجه ف / ٩.

(٤) روضة الطالبين ١٠ / ٣٠٧، المهذب مع المجموع ١٨ / ٢٣٢، الأحكام السلطانية ص ١٤٥، مغني المحتاج ٤ / ٢٤٦، نهاية المحتاج ٨ / ٨٥، رحمة الأمة ٢ / ١٨٠، الميزان للشعراني ٢ / ١٨٥.

وَالْمَكَايِدِ الْحَرْبِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَهُمْ أَوْلَى بِهَا مِنْ عَوَامِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ رُءُوسُ الْكُفْرِ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ عُلَمَائِهِمْ.

وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ انْقَطَعُوا لِلْعِبَادَةِ فِي الصَّوَامِعِ، وَلَمْ يُخَالِطُوا النَّاسَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ.

فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُفْرَضُ عَلَيْهِمْ. وَسَوَاءٌ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْعَمَل أَمْ غَيْرَ قَادِرِينَ؛ لأَِنَّ الرُّهْبَانَ لاَ يُقْتَلُونَ وَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، لِمَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الشَّامِ: " لاَ تَقْتُل صَبِيًّا وَلاَ امْرَأَةً وَسَتَمُرُّونَ عَلَى أَقْوَامٍ فِي الصَّوَامِعِ احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعْهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمُ اللَّهُ عَلَى ضَلاَلَتِهِمْ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ.

فَإِذَا كَانَ الرَّاهِبُ لاَ يُقْتَل فَهُوَ مَحْقُونُ الدَّمِ بِدُونِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِحَقْنِ الدَّمِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، كَمَا لاَ تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ؛ وَلأَِنَّ الرَّاهِبَ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَرَاءِ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا تُرِكَ لَهُ مِنَ الْمَال الْيَسِيرُ (١) .

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، البدائع ٩ / ٤٣٣١، فتح القدير ٥ / ٢٩٥، حاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٩، اللباب ٤ / ١٤٥، مجمع الأنهر ١ / ٦٧٢، بداية المجتهد ١ / ٤٠٤، حاشية الدسوقي ٢ / ٢٠١، الكافي لابن عبد البر ١ / ٤٧٩، المنتقى ٢ / ١٧٦، مواهب الجليل ٣ / ٣٨١، حاشية الخرشي ٣ / ١٤٢، مغني المحتاج ٤ / ٢٦٤، المغني ٨ / ٥١٠، كشاف القناع ٣ / ١٢٠، المبدع ٣ / ٤١٠، الاختيارات جمع البعلي ص ٣١٩.