الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ (١)﴾ .
وَفِي كِتَابِ (الْبَيَانِ) وَغَيْرِهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ فِيهَا مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْهُدْنَةِ (٢) .
رُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ:
٢٢ - وَرُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ: إِيجَابٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَصِيغَتُهُ إِمَّا لَفْظٌ صَرِيحٌ يَدُل عَلَيْهِ مِثْل لَفْظِ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ عَلَى أُسُسٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِمَّا فِعْلٌ يَدُل عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ، كَأَنْ يَدْخُل حَرْبِيٌّ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ وَيَمْكُثَ فِيهَا سَنَةً، فَيُطْلَبُ مِنْهُ إِمَّا أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُصْبِحَ ذِمِّيًّا.
وَأَمَّا الْقَبُول فَيَكُونُ مِنْ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، وَلِذَا لَوْ قَبِل عَقْدَ الذِّمَّةِ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ عَقْدِ الأَْمَانِ لاَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَيُمْنَعُ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنَ الْقَتْل وَالأَْسْرِ (٣) .
٢٣ - وَيُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ التَّأْبِيدُ: فَإِنْ وُقِّتَ الصُّلْحُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالنِّسْبَةِ
_________
(١) حديث: " فادعهم إلى أداء الجزية فإن. . . . " سبق تخريجه بهذا المعنى ف / ١٠.
(٢) الروضة ١٠ / ٢٩٧، وكشاف القناع ٣ / ١١٦، والمغني ٨ / ٥٠٤.
(٣) تبيين الحقائق ٢ / ٢٧٦، والقوانين الفقهية ص ١٧٥، حاشية الخرشي ٣ / ١٤٣، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٩٧، وكشاف القناع ٣ / ١١٦، والمغني ٨ / ٥٠٥.
لِعِصْمَةِ الإِْنْسَانِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ بَدِيلٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَالإِْسْلاَمُ مُؤَبَّدٌ، فَكَذَا بَدِيلُهُ، وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ. وَهَذَا شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
وَعَقْدُ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ لاَ يَمْلِكُ الْمُسْلِمُونَ نَقْضَهُ مَا دَامَ الطَّرَفُ الآْخَرُ مُلْتَزِمًا بِهِ، وَيَنْتَقِضُ مِنْ قِبَل أَهْل الذِّمَّةِ بِأُمُورٍ اخْتُلِفَ فِيهَا، وَلاَ يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْتِزَامَ الْجِزْيَةِ بَاقٍ، وَيَسْتَطِيعُ الْحَاكِمُ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَى أَدَائِهَا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْمُخَالَفَاتِ فَهِيَ مَعَاصٍ ارْتَكَبُوهَا، وَهِيَ دُونَ الْكُفْرِ، وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى (٢) .
فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوْ بِالاِجْتِمَاعِ عَلَى قِتَال الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ، أَوْ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَتْل مُسْلِمٍ أَوِ الزِّنَا بِمُسْلِمَةٍ، أَوْ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِطْلاَعِ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الأُْمُورِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِقِتَالِهِمْ لَنَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣٠، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٩، الزرقاني على مختصر خليل ٢ / ١٤٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٩٧، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٣، كشاف القناع ٣ / ١١٦.
(٢) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣٤، وفتح القدير ٥ / ٣٠٢ - ٣٠٣، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٨١ - ٢٨٢.
أَوِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا لَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ دَل أَهْل الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِْسْلاَمِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ الرَّسُول ﷺ بِسُوءٍ فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ وَإِلاَّ فَلاَ يَنْتَقِضُ.
وَيَنْتَقِضُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَحَدِ أُمُورِ ثَلاَثَةٍ: وَهِيَ أَنْ يُسْلِمَ الذِّمِّيُّ، أَوْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَغْلِبَ الذِّمِّيُّونَ عَلَى مَوْضِعٍ فَيُحَارِبُونَنَا (١) .
مَحَل الْجِزْيَةِ:
٢٤ - الْجِزْيَةُ تُفْرَضُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْتَأْمَنِ الَّذِي يَدْخُل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِعَقْدِ أَمَانٍ مُؤَقَّتٍ لِقَضَاءِ غَرَضٍ ثُمَّ يَرْجِعُ، قَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا أَطَال الْمُسْتَأْمَنُ الْمُقَامَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَيُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوْلًا وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ.
فَمَحَل الْجِزْيَةِ إِذَا هَمَّ الذِّمِّيُّونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ إِقَامَةً دَائِمَةً أَوْ طَوِيلَةً، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَكْثَرَ
_________
(١) الكافي ١ / ٤٨٣، جواهر الإكليل ١ / ٢٦٨ - ٢٦٩، والزرقاني على مختصر خليل ٢ / ١٤٦ - ١٤٧، والأحكام السلطانية ص ١٥٨، والمغني ٨ / ٥٢٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٩٨ - ٩٩، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٣٦.
مِنْ سَنَةٍ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الذِّمِّيِّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الإِْقَامَةُ بِالْجِزْيَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي يُسْمَحُ لَهَا بِالإِْقَامَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَالَّتِي تُقْبَل مِنْهَا الْجِزْيَةُ (١) .
الطَّوَائِفُ الَّتِي تُقْبَل مِنْهَا الْجِزْيَةُ:
٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَوْصَافِ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ الَّذِينَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.
أَهْل الْكِتَابِ:
٢٦ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِأَهْل الْكِتَابِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ: كُل مَنْ يُؤْمِنُ بِنَبِيٍّ وَيُقِرُّ بِكِتَابٍ، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ آمَنَ بِزَبُورِ دَاوُدَ ﵇ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ دِينًا سَمَاوِيًّا مُنَزَّلًا بِكِتَابٍ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِجَمِيعِ فِرَقِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لاَ يُؤْمِنُ إِلاَّ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُدَ.
_________
(١) الخراج ص ١٨٩، والاختيار ٤ / ١٣٦، وحاشية الخرشي على مختصر خليل ٣ / ١٤٤، ومنح الجليل ١ / ٧٥٧، الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٥٣.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِل الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١)﴾ فَالطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ أُنْزِل عَلَيْهِمَا الْكِتَابُ مِنْ قَبْلِنَا هُمَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَأَمَّا صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ فَقَدْ كَانَتْ مَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا لاَ أَحْكَامَ فِيهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَحْكَامٍ. قَال الشِّهْرِسْتَانِيُّ: أَهْل الْكِتَابِ: الْخَارِجُونَ عَنِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، مِمَّنْ يَقُول بِشَرِيعَةٍ وَأَحْكَامٍ وَحُدُودٍ وَأَعْلاَمٍ. . . وَمَا كَانَ يَنْزِل عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ ﵈ مَا كَانَ يُسَمَّى كِتَابًا، بَل صُحُفًا (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي: (يَهُودٌ) (وَنَصَارَى) .
أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ:
٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَجَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ
_________
(١) سورة الأنعام / ١٥٦.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٨، والمنتقى ٢ / ١٧٢، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٠٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٣، والأحكام السلطانية للفراء ص ١٥٣، كشاف القناع ٣ / ١١٧، والمحلى ٧ / ٥٦٢، وجامع البيان في تفسير القرآن ٨ / ٦٩، والملل والنحل - دار المعرفة ببيروت - ١٤٠٢ هـ - ١ / ٢٠٨ - ٢١٠.
وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِإِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢)﴾ .
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ، فَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ، وَأُكَيْدِرِ دَوْمَةِ الْجَنْدَل.
فَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال: " أَوَّل مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْل نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى (٣) " وَأَهْل نَجْرَانَ عَرَبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
وَقَدْ كَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مُعَاذٍ - وَهُوَ بِالْيَمَنِ - أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ (٤)، وَلاَ يُفْتَنُ يَهُودِيٌّ عَنْ يَهُودِيَّتِهِ (٥) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٢٩، والهداية ٢ / ١٦٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٨، وبداية المجتهد ١ / ٤٠٣، والمقدمات على هامش المدونة ١ / ٤٠٠، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٠٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٤، وكشاف القناع ٣ / ١١٧، والمبدع ٣ / ٤٠٤، والمحلى ٧ / ٥٦٢.
(٢) سورة التوبة / ٢٩.
(٣) حديث: " أول من أعطى الجزية أهل. . . " سبق تخريجه ف / ٩.
(٤) حديث: " كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ. . . . " سبق تخريجه ف / ٩.
(٥) حديث: " ولا يفتن يهودي عن يهوديته " سبق تخريجه ف / ٩.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ قَبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ وَهُمْ عَرَبٌ إِذْ كَانُوا أَهْل كِتَابٍ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالإِْجْمَاعِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قَبِلاَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ. فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ كَانُوا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ (١) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ.
وَقَدْ نَسَبَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (٢) .
الْمَجُوسُ:
٢٨ - وَالْمَجُوسُ هُمْ عَبَدَةُ النَّارِ الْقَائِلُونَ أَنَّ لِلْعَالَمِ أَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ مُدَبِّرَيْنِ، يَقْتَسِمَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ، وَالصَّلاَحَ وَالْفَسَادَ، أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالآْخَرُ الظُّلْمَةُ. وَفِي الْفَارِسِيَّةِ " يَزْدَانَ " " وَأَهْرَمَنَ (٣) ".
_________
(١) الأموال ص ٤٠، والسنن الكبرى ٩ / ١٨٧، والتلخيص الحبير ٤ / ١٤٢، والمغني ٨ / ٤٩٩.
(٢) المغني ٨ / ٤٩٩، ومعالم السنن ٣ / ٣٦، وروح المعاني ١٠ / ٧٩، والسنن الكبرى ٩ / ١٨٨، واختلاف الفقهاء ص ٢٠٣.
(٣) الشهرستاني: الملل والنحل ١ / ٢٣٢.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا (١) .
٢٩ - وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ أَوِ الْبَحْرَيْنِ. رَوَى ابْنُ زَنْجُوَيْهِ - بِسَنَدِهِ - إِلَى الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَال: كَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ. فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِل مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ لاَ يُؤْكَل لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلاَ تُنْكَحَ لَهُمُ امْرَأَةٌ (٢) .
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٢٩، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٧٧، والهداية ٢ / ١٦٠، ومجمع الأنهر ١ / ٦٧٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٨، والخراج ص ١٢٩، والمدونة ١ / ٤٠٦، والمقدمات على هامش المدونة ١ / ٤٠٠، والمنتقى ٢ / ١٧٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٢، وحاشية قليوبي ٤ / ٢٢٩، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٤، وكشاف القناع ٣ / ١١٧، والمبدع ٣ / ٤٠٥، والمغني ٨ / ٤٩٨، والمحلى ٧ / ٥٦٧.
(٢) حديث: " كتب رسول الله ﷺ إلى مجوس هجر. . . . " أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦ / ٦٩ - ٧٠ - ط المكتب الإسلامي) والبيهقي (٩ / ١٩٢ - ط دار المعرفة) وابن زنجويه في كتاب الأموال (١ / ١٣٧ - ط مركز الملك فيصل) من حديث الحسن بن محمد، قال محقق كتاب الأموال: والحديث من مراسيل الحسن بن محمد بن علي وإسناده إليه صحيح. ا. هـ.
ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَال: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ أَنِّي لَسَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ. (١)﴾ .
قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مِنَ الْكَلاَمِ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ؛ لأَِنَّ الْمُرَادَ سُنَّةُ أَهْل الْكِتَابِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَقَطْ، أَيْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، وَلاَ تُؤْكَل ذَبَائِحُهُمْ وَلاَ تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ (٢) .
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسٍ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ الْبَرْبَرِ (٣) .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَعَمِل بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلاَ مُخَالِفٍ. وَقَدْ
_________
(١) حديث: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٢٧٨ - ط عيسى الحلبي) وابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ٢٤٣ - ط الدار السلفية) والبيهقي (٩ / ١٨٩ - ط دار المعرفة) من حديث عبد الرحمن بن عوف. ولكنه حديث منقطع، لأنه من طريق محمد بن علي وهو لم يدرك عمر بن الخطاب.
(٢) فتح الباري ٧ / ٧٠، والجامع لأحكام القرآن ٨ / ١١١، ونيل الأوطار ٨ / ٦٤.
(٣) الموطأ مع شرح الزرقاني ٣ / ١٣٩، وأبو عبيد: الأموال ص ٤٥. والبربر: قوم من أهل المغرب كالأعراب في القسوة والغلظة، والجمع برابرة وهو معرب
نَقَل هَذَا الإِْجْمَاعَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ: مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ قُدَامَةَ (١) .
وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيُّ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ إِلاَّ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلاَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (٢)﴾ الآْيَةَ.
فَإِنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّ غَيْرَ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ لاَ يُشَارِكُونَهُمْ فِي حُكْمِ الآْيَةِ (٣) .
وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ الْمَالِكِيُّ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ الْعَرَبِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ مَجُوسٌ إِلاَّ وَجَمِيعُهُمْ أَسْلَمَ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بِخِلاَفِ الإِْسْلاَمِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ.
وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (٤) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَجُوسٌ) .
قَبُول الْجِزْيَةِ مِنَ الصَّابِئَةِ:
٣٠ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّابِئَةَ مِنْ أَهْل
_________
(١) المغني ٨ / ٤٩٨، والإجماع لابن المنذر ص ٥٩.
(٢) سورة التوبة / ٢٩.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٩٢١، وشرح الترمذي ٧ / ٨٥، والقوانين الفقهية ص ١٧٥.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٩٢١، وشرح سنن الترمذي ٧ / ٨٥، والجامع لأحكام القرآن، ٨ / ١١٠، ومعالم السنن ٣ / ٣٦، والمغني ٨ / ٤٩٩، والطبري: اختلاف الفقهاء ص ٢٠٣.